الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

لمحة خاطفة عن تاريخ , الصلات بين العرب والهند

Share

لقد اتصل العرب بالهند من قبل الأسلام ، والعامل الاكبر والأول فى تكوين هذه الصلات هي التجارة فقد كان للعرب قبل الاسلام اليد الطولي في التجارة والملاحة في البحار المجاورة لبلاد العرب والمحيط الهندى وبحر الهند وكانت المراكب التجارية الهندية وغير الهندية المارة بالخليج الفارسي والبحر العربى تضطر إلى الرسو على عدن والشحر التى كانت من أهم الموانئ في الجزيرة وعلى غيرها من الثغور العربية ولم يكن ثمة غير العرب من يقوم بتزويد هذه المراكب وأهلها بالمؤن والسلع التجارية ، كما أن مراكب العرب لم تكن تنقطع عن بحر الهند وخليج ( كيمي ) وسواحل ملابار وموانئ اخرى فى الهند حيث تفرغ شحناتها ثم تعود منها مشحونة بصادرات الهند وفي مقدمتها العطور وخشب الصندل والعود والكافور والقرنفل والنار جيل والقنب والعاج والفلفل الأسود وأنواع أخرى من الأقاويه والعقاقير .

ومما يستحسن الأشارة اليه ان العرب في حملهم هذه المواد التجارية إلى بلادهم نقلوا اليها أسماءها الهندية مع قليل من التعديل والتحريف الذي يكسبها الصبغة العربية فالمسك مثلا اسمه بالهندية ( مشك ) والكافور فى اللغة الهندية ( كيور ) وفوفل أصلها ( كوبل ) ونيلوفر أصلها ( نيو بههل ) والهال أصلها ( ايل ) وكرفس أصلها ( كربس ) ونيلج أصلها ( نيل ) ونار جيل أصلها ( ناريل ) وموز أصلها ( موث ) وليمون أصلها ( ليمو ) .

وقد اتخذ العرب لكثرة تعاملهم مع الهند واستمرار رحلاتهم اليها على سواحل الهند بالقرب من نهر السند مستعمرة عمرتها جالياتهم زمنا طويلا قبل

الأسلام . وفي هذا الصدد يذكر أحد المؤرخين الغربيين أن ( نيارك ) قائد اسطول الأسكندر المقدوني لما أبحر لاستكشاف بحر الهند وجد آثارا عظيمة على سواحل الهند الغربية تدل عل عظمة العرب ونفوذهم البري والبحري فى تلك الجهات .

هذا من ناحية اتصال العرب بالهند اما اتصال الهنود بالعرب قبل الأسلام فكان عن طريق ايران التى سبق فى العهود التاريخية القديمة أن احتل بهرام ابن يزدجرد احد ملوك فارس بلاد السند وبلاد بلوجستان وبقيتا تحت حكمه مدة من الزمن استخدم الفرس في اثنائها عددا كبيرا من رجال هذه البلاد كقبيلاتي جات ( الزط ) و ( ميد ) في جيوشهم ونقلوهم إلى بلادهم ومن ثم عبر دستير من هؤلاء الهنود إلى بلاد العرب ، ولوجود بعض التشابه فى طريقة حياتهم وحياة العرب صاروا كالعرب الرحل يتبعون الكلأ وينتقلون مع الخصب والحياة حينما وجد على طفوف بلاد العرب . ثم امتزجوا - بعد دخولهم في الأسلام - مع العرب امتزاجا كليا بعضهم مع بني سعد والبعض مع بني حنظلة واشتركوا معهم في حروبهم وغزواتهم . وفي أيام امير المؤمنين على بن ابي طالب رضي الله عنه كان جماعة منهم يتولون امر بيت مال البصرة رئيسهم ابو سالمة الزطى وأسكنهم معاوية بن ابي سفيان والوليدين عبد الملك فى خلافتهما سواحل الشام وانطاكية ليستعينا بهم في الحروب والغزوات .

أما فاتحة الاعمال لنشر الدعوة الاسلامية في البلاد الهندية فكانت في عصر الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه من قبل اميره على المقاطعة الشرقية من جزيرة العرب عثمان بن ابي العاصى الثقفي الذي جهز أسطولا عربيا من مياه الخليج الفارسي تحت قيادة أخويه الحكم والمغيرة إلى سواحل ( بروج ) و ( كايتاوار ) و ( ديبل ) ثم توقفت الحركات الحربية فى أيام الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه واعيدت ثانية فى خلافة علي بن ابي طالب رضي الله عنه على يد الحارث بن مرة العبدى الذى تطوع للقيام بنشر الدعوة الاسلامية في أراضى الهند وماجاورها من البلدان بعد استئذان الخليفة فى ذلك . وفي خلافة معاوية تولى أولا المهلب بن ابي صفرة غزو هذه الجهات الشرقية التى منها ثغور الهندود دعوة أهلها إلى الاسلام ، ثم عبدالله بن سوار

العبدى ثم راشد بن عمر الجديد . وقد استشهد هذا فى معركة دموية جرت بينه وبين قبيلة ( ميد ) الهندية فقام مقامه سنان بن سلمة وبتى حاكما على هذه النواحي سنتين ثم عزل وبعده غزا الهند عباد بن زياد من ناحية سجستان ثم حل محله أبو الاشعث المنذر بن الجارود العبدى بأمر من زياد وبقي أميرا على هذه المقاطعات إلى آخر حياته فأعيد سنان بن سلمة مرة اخرى بأمر من عبيد الله بن زياد ثم ولى الحجاج بن يوسف ، سعيد بن اسلم بن زرعة الكلاب على هذه الثغور الهندية وولى بعده مجاعة بن سعر التميمي ثم محمد بن هرون بن ذراع الثمري . وبعد هؤلاء جاء دور محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم بن عقيل الشاب الذي تقلد امارة هذه الثغور ولم يتجاوز العشرين من عمره وأتم فتح بلاد السند كلها وكانت فتوحاته أساسا ثابتا لرسوخ أقدام العرب والاسلام فى الناحية الغربية من الهند ولم يقتصر الفاتحون العرب بأعمالهم الحربية والبقاء فى البلدان التى فتحوها بل توغلوا لنشر الدعوة الاسلامية ومد نفوذهم الديني والثقافي والتجاري إلى كثير من البلدان الساحلية في الهند كبلدة ( كاتيا وارا) و ( حجرات ) و ( كونكن ) و ( ديبال ) و ( بروج ) و ( كيمي ) و ( جول ) وأقاموا في كل هذه المدن مستعمرات تجارية وثقافية .

كان حكام هذه الاراضى الهنود ورعاياهم يعاملون هؤلاء العرب الفاتحين والنازحين اليهم معاملة طيبة ويقدمون لهم كل ما يقدرون عليه من مساعدات وتسهيلات لاعمالهم التجارية وغير التجارية وسمحوا لهم بامتلاك الاراضى وتشييد المساجد واظهار شعائرهم الدينية بكل سخاء وحرية وتنازل الامراء المحليون لهم عن جميع الرسوم الجمركية التى كانت تؤخذ على التجارة البحرية تثبيتا للمصالح التجارية المتبادلة . وتوثقت بين كثير من العرب لطول مكثهم فى تلك الجهات ، وبين الهنود والمسلمين أواصر المصاهرة وروابط القربى ووشائج الرحم .

ثم تقدم العرب من الساحل الغربي إلى الناحية الساحلية الشرقية من الهند وما حل القرن العاشر الميلادي إلا وكانت جاليات العرب قد انتشرت في معظم تلك الجهات وتقلد كثير منهم اعمالا ادارية ذات رتب عالية لكفاءتهم كأمارة البحر وإدارة مراكز الرسوم الساحلية

لقى العرب فى السواحل الشرقية مثل ما لقي اخوانهم فى السواحل الغربية من الامراء والاهالي الهنود انواعا من الحفاوة والترحيب والمساندة المادية المادية والأدبية وكان من نظام الامراء الهنود فى السواحل الغربية  مصادرة كل مركب مصاب تقذف به الامواج اليهم ومصادرة ما فيه من الاموال مقابل انقاذهم من ورطة الأمواج فتساهل أمراء السواحل الشرقية مع ضيوفهم العرب بعدم تطبيق هذا النظام على مراكبهم ولم يكونوا يتعرضون لها بشئ مطلقا سواء او وصلت اليهم سالمة ام حطمتها الامواج والقتها إليهم حطاما وأخشابا

بلغت هذه الصلات بين العرب والهنودأوج ازدهارها أيام العباسيين ولم تقتصر على الناحية الدينية والتجارية فحسب بل وشملت الناحية الفكرية والأدبية وتركت في الثقافة العربية اثرا لازال ملموسا بالكلمات التى دخلت من الهندية الى العربية وبالحكم القصيرة التى انتشرت فى الأدب العربي وصارت كالامثال العربية ، وبالقصص المختلفة التى ما فتئ بعض أسمائها تتردد فى القصص العصرية فى الوقت الحاضر .

كان الخليفة أبو جعفر المنصور أول من فتح من العباسيين باب هذه الصلات باستقباله الوفد الهندى الذى وصل بغداد في خلافته بكل حفاوة وترحاب وكان يرأس هذا الوفد رجل هندوكي من  أكبر رجال الفلك والرياضيات في الهند وكان يحمل معه كتبا كثيرة فى الرياضيات من ضمنها كتاب ( سدهانت ) وحرفه بعض المؤرخين فسماه ( كتب السند هند ) - فى مختلف العلوم الرياضية فأمره الخليفة باملاء هذا الكتاب وترجمته الى اللغة العربية بمساعدة ابراهيم بن حبيب الفزاري وقد أوجدت هذه الترجمة شوقا كبيرا فى نفوس علماء المسلمين الى الاستزادة في علم الفلك والهيئة لاسيما وهم كانوا فى حاجة إلى معرفة الكعبة وجهتها من كل قطر ترن اطرافه بأصداء الأذان ويتوجه أهله شطر القبلة فى صلواتهم ودعواتهم .

كانت للعرب معرفة جيدة فى الفلك ، الا ان مدار هذه المعرفة كان مؤسسا على العادات والمشاهدات . أما الطريقة العلمية المبنية على اصول رياضية وقواعد حسابية فلم تعرف الابعد أن ترجم هذا الكتاب الى اللغة العربية . واستفاد العرب من هذ الكتاب وكتب اخرى ترجمت معه طريقة كتابة الاعداد في الحساب وأشكالها المستعملة فى الوقت الحاضر

ولما مرض الخليفة هرون الرشيد جيء له بطبيب من الهند اسمه ( مانك ) واسند اليه مع قيامه بالمهمة التى جيء به من أجلها - ترجمة عدة كتب من اللغة الهندية إلى العربية كان من بينها كتاب ( ساسردس ) لطبيب هندوكي وكتاب آخر لطبيب هندوكى أيضا اسمه ( نوشنكل ) احدهما يشتمل على وصف أدواء مختلفة مع ذكر علاجاتها والآخر فى أصول تشخيص الأمراض وعللها

وكان لوزراء الرشيد من آل برمك القدح المعلى فى توسيع هذه الصلات الثقافية والروابط العلمية لقيامهم بترجمة كتب كثيرة من اللغة الهندية ومن لغات اخرى الى العربية واستحضار عدد من كبار أطباء الهند الى بغداد وتعيينهم فى المستشفيات كرؤساء لها وتخصيص نفر من شباب العرب يلازمون هؤلاء الأطباء فى أعمالهم وبعد أن تمرنوا وتخرجوا فى المبادئ أرسلوا كبعثة طبية الى الهند لاستكمال دراسة الطب والصيدلية

ومن الكتب الطبية الهندية التى ترجمت كتاب "روسا " لطبيبة هندوكية فى أمراض النساء وكتاب اسمه سودلين " وكتاب في الطب البيطرى وكتب أخرى عن الحشرات والحيات وسمومها وعن خواص كثير من النباتات والعقاقير .

وفي عصر الخليفة المأمون ازدادت هذه الصلات الثقافية وثوقا واستحكمت عراها قوة ومتانة لميل المأمون الشديد الى العلوم والفنون والاداب فاسس " بيت الحكمة " ودارا للترجمة وضع فيها من اكفاء الرجال من يضطلعون

باعباء الترجمة والنقل وبعث نفرا من الأدباء والفضلاء الى جهات نائية ثلاث عن نوادر المخطوطات وأنفس الكتب العلمية وجلبها الى بغداد لاستكمال حاجة " بيت الحكمة " والوقوف على مافيها من جديد وغريب .

وقد تتبع كثير من مؤرخي العرب وعلمائهم كالبيروني والخوارزمي والكندى والمسعودي وابن النديم هذه الكتب المترجمة واستوعبوها فهما ودراسة وحللوا مافيها من نظريات وآراء تحليلا علميا دقيقا ثم أودعوها مؤلفاتهم التى كانت فيما بعد خير طريق لانتشار كثير من التعاليم والآراء الهندية فى الشرق والغرب .

ويعتبر ابو الريحان البيروني من بين هؤلاء ابا الدراسات الهندية العربية وكان عالما باللغة السنسكريتية وعاش فى الهند زمنا طويلا والف كتبا كثيرا اهمها " تحقيق ما للهند من مقولة " وترجم كتاب ( بتاكل ) فى الفلك والهيئة وهو من أهم الكتب الهندية العلمية التى عربت وترجم كتابا آخر اسمه " لجهوجتكم " وصحح بعض الأغلاط الواردة في كتاب " سدهانت " وشرح للعرب الطريقة الهندية فى حساب الخسوف والكسوف وفي ايام مكثه بالهند عين لبلدان هندية كثيرة خطوط عرضها وطولها لم تكن معروفة من قبل - وكما انه خدم العرب والعلم والتاريخ بمجهوداته العلمية والثقافية كذلك أسدى الى الهنود أيادي بيضاء بشرحه لهم الطرق المستقيمة فى الفلك والحساب ، وشرح لهم نظريات اقليدس واقنع كثيرا من الفلكين الهنود فى مسائل جمة سألوه عنها بأجوبة قاطعة مدعمة بالبراهين والأدلة .

هذه نظرة خاطفة وكلمة مختصرة عن تاريخ  الصلات بين العرب والهنود

اشترك في نشرتنا البريدية