الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

لمحة عن شعر الشاذلي عطاء الله

Share

لست مبالغا فى شىء اذا قلت ان شاعرنا الفحل الاستاذ الشاذلى عطاء الله قد مضى عليه ما يزيد عن نصف قرن وهو يقول الشعر ، يملأ به الافاق ويزين به المحافل ، ويعطر بطيبه الاجواء ، أو يحلى بعقوده صدور الصحف والمجلات متغنيا فيه بمفاخر ادمس المجيد ، مسجلا لامجاد اليوم السعيد والعهد لبورقيبي الرشيد ، فكان مصداقاً لقول أبى الطيب :

فسار به من لا يسير ، مشمرا

                    وغنى به من لا يغني ، مغردا

لذلك كان من واجب الدارسين أن ينظروا فى هذه الثروة الضخمة التى أثرى بها شاعرنا الجليل أدبنا العربى بوجه عام وأدبنا التونسى بوجه خاص وأن يعرفوا بجوانب هذا التراث الحافل الغزير ، وهى ، وأيم الله ، جوانب متعددة المناحى ، هامة الاتجاهات ، جديرة بكل عناية ودرس ، على أننا سوف نكتفى فى هذا المقام بما يسمح به من نظر عاجل وأشارة عابرة مرجئين التعمق والتفصيل إلى الفرصة السانحة والظرف المؤاتي .

لقد سمعت شعر الشاذلى عطاء الله لاول مرة وأنا غلام مراهق . سمعته ينشده فى رحاب الصحابى أبى زعمة وقد أهديت الى ضريحه - فى ذلك الوقت - كسوة فاخرة مطرزة بالذهب ، وحملت من محطة القطار إلى المقام البدوى فاخترقت شوارع القيروان من جنوبها الى شمالها فى يوم مشهود ، وموكب حافل مشي فيه أهل المدينة كلهم ، وفى صحن الضريح أنشد الشاذلى عطاء الله شعراً مدوياً ، ولا أذكر هل أنشد معه شعراء آخرون ، ولكن الذي أذكره أن ذلك الشعر قد بقيت منه فى نفسى أصداء وفي ذكرتى صور راسخة وان لم أفهم كل ما قال ، ولعل تأثير ذلك اليوم وذلك الموقف بالذات وما سمعت فيه من قول فصيح وصوت مجلجل قد كان له بعض الأثر فى توجيهى وجهة الادب ولعل ذلك اليوم كان له نفس الأثر بالنسبة لاترابى ولداتى .

ولقد كان من أعز أمانى أولئك الاتراب واللدات أن يصبحوا شعراء ذات يوم وأن يقفوا مثل موقفه فى مثل ذلك الحفل المشهود . وأظن أن تكرار تلك المواكب سر من أسرار تنقل الشعلة الشعرية بين مختلف الاجيال من أبناء القيروان منذ أمد طويل إلى يومنا هذا .

نعم لقد مضى على شاعرنا الفحل نصف قرن وهو يقول الشعر . يقوله فى

كل الاغراض والمقاصد ، ويقوله فى كل الظروف والمناسبات . ففي ديوانه الفخر والرثاء ، وفيه الحب والغزل ، وقد قاله فى الجد والمزاح وفي الكلم والمواعظ وفي وصف الطبيعة والشؤون الدينية ، وطالما سجل فيه تاريخ مدينته الخالدة " القيروان " وتاريخ معالمها واعلامها وتاريخ أمته التونسية وأعمال أبطالها . ولم يمر حادث الا سجله ، ولم تأت ذكرى الا شارك فيها ، ولم توضع خطة من خطط النهوض الا حرض على الاقبال عليها ونوه بما يرجى لقيامها من  تقدم وإزدهار ، وكان يعرف أن الشعر ديوان العرب يحرص أن يودعه كل مفاخر أمته وانتصاراتها وكل آلامها وآمالها على حد قوله مخاطبا الشعر :

سجل صحائفك الغرا لتمليها

                  فأنت يا شعر للاجيال راويها

وغن ألحانك السكرى لتسكبها

                      فى مسمع الدهر ألحانا بغنيها

فأنت صناجة الدنيا وموقظها

                      من غفوة تتهاوى فى مهاويها

وأنت قيثارة الفصحى اذا انسجمت

                       أوتارها كنت شاديها وحاديها

والشاذلى عطاء الله معدود من الشعراء الروحيين الذين يمجدون الدين وشعائره ويكثرون من ذكر الروح التى تظمأ إلى الملا الاعلى إذا طغت عليها المادية فتفقدها شيئاً من هدوئها وهداها ، يقول عن صفاء الروح فى شهر رمضان :

حلقت في السما تسبح لله مع الفجر في ظلال الغمام

ورنت للجمال تسكبه الشهب فتروى به النفوس الظوامي

وارتوت بالنمير ترشفه الروح وتطفى به ضرام الهيام

هكذا تفزع النفوس الى النور اذا طال سيرها فى الظلام . .

وهو يرى أن الكون مسير بشعلة الروح ، وأن هاته الشعلة هى التى تعيد الخرير إلى الجداول ، وتنشر الاريج بين الزهور ، وتبعث الابتسامة فى كل الثغور .

قال فى قصيدة دنيا الشاعر :

لما شعلة الروح المضمخ بالجمال وبالعطور

أعد الخرير الى الجداول والأريج الى الزهور

وأبعث من الجذل البرئ الابتسامة فى الثغور

واسكب رحيقك يوقظ الهمم الكسولة والشعور...

على أننا نرى حب الطبيعة والافتتان بها واضحا منذ أشعاره الاولى فهو يملأ دنياه ويوحى الى روحه بالسر الخفئ : فالبساط السندسى الذى رشه قطر المطر ، وهمسة الاوراق حين يهزها الريح ، والعشب الذي يكلل هاماته التلال ، والعندليب الذى يهتف على الغصن ، وبسمة الفجر وروعة الصبح ،

وأطياف النور وانسكاب ضياء البدر ، كل ذلك وأشباهه تبعث فى نفسه الاحلام وتجلو له الالهام وتولد فى ذهنه رفاف الفكر فاذا دنيا الشاعر :

صارت به خفاقة فى الجو أحلام الخيال

وحلاله الالهام سر الكون فى وحى الجمال

وأحس فى كنه الحياة حقيقة فوق المثال

وسما الى الافق البعيد وسار يخترق الظلال

وأصاح للسر الخفي وراح يطلب الكمال

فتذوق اللحن الشجى وعب من فيض الجلال . .

وهذه نفحة نلمح من خلالها اثر الشابى الذى كان شاعرنا مفتونا به فى ذلك الوقت مثل ابناء الجيل . وقد ظل مغرما بالطبيعة مجيداً لوصفها لكنه استقل بطريقته فيها فجاءت فى اشعاره الاخيرة عذبة الالفاظ جميلة الاسلوب تتزاحم فيها الصور الشعرية والخيالات الانيقة . وهذا النوع من الشعر كثير فى أوائل قصائده الوطنية مثل هذه الابيات فى قصيد " عيدنا الوطني" .

ألم تستضى بالنور من طلعة البدر

                وترتشف الانداء من مبسم الفجر

ولم تر طيف النجم فى غسق الدجى

               يطل على الإكوان من فجوة الستر

ألم تسمع الالحان فى روعة الضحى

                   يرجعها الشحرور فى ضفة النهر

ولم تنشق الورد المبلل بالندى

                يضمخ جو الروض بالارج العطرى

ألم تنتعش تحت الخمائل بكرة

                  بلطف نسيمات أرق من السحر

ومثل هذه الابيات فى قصيدة الذكرى الثانية لعيد الجمهورية :

ظل يداعبه النسيم فتنتشى

                     أرواحنا بأريجه الفواح

ويعب من فيض الجمال فتطف

                   ئ الظمأ الموجح في كؤوس الراح

وتخاله من نفحة الفردوس يحمله

                    ا يا الشعاع على بساط صباح

ويلفها الفجر المضمخ بالندى

                       فى موكب من نوره الوضاح

ويظلنا الفنن المحمل بالجني

                     فنصيب من زهر ومن تفاح

ونهيم باللحن الشرود تناسقت

                       نغماته من بلبل صداح

ويضمنا الروض الموشي برده

                     ببدائع من سوسن وأقاح

ويهيجنا الشوق الملح الى الحمى

                       وتهزنا النسمات في الإصباح

فتحلق الارواح رغم قيودها

                       وتصير فى الاحوا بغير جناح

فنرى الجمال يرف كالزهرات لفت فى خمائل روضها ووشاح

وفى قصيدة " يانافخا فى الشعب " :

الروض أهدتك العبير زهور

                 واستقبلتك لدى الأصيل طيوره

وهفت نسيمات العشي اليك وافترت عن الورد الندى ثفوره

والشمس تسحب فضل ذيل مذهب

                      وشاه من تبر الاصيل جريره

والنهر يخفى من لواعج حبه

                     ما تم عنه أنينه وخريره

وحفيف أجنحة كان ظلالها

                     أطياف فردوس تجلت حوره

طورا تحلق فى الغمام وتارة

                    تهوى الى قعر يشف غديره

فتعب من بلوره وتداعب الرقراق من سلساله وتثيره

والحوض دفاق المسيل كأنه

                    ذوب اللجين صفا وراق نميره

نسج النسيم عليه من أمواجه

                       زردا بدت أعجازه وصدوره

فترى الكواكب تستحم بمائه

                      ليلا ولكن للاصيل بدوره

والجو عطرى الاريج تألقت

                      قسماته لما توهج نوره

فكان سحرا من " زرود " مسه

                       فتراقصت أوراقه وزهوره

وفي قصيدة " ياحامي الدستور " :

حي الرياض وطيرها الصداحا

                   وانشق عبير زهورها الفواحا

وأستوح شعرك من أهازيج السما

                        نغماً رقيقاً ساحراً مفراحا

ومن الضيا والفجر يسكب ذوبه

                           نوراً فيغمرها ربي وبطاحا

صغ من جلال الكون أروع حلة

                      وأرسم ظلال جمالها ألواحا

وفى إحدى قصائده فى " مولد الرئيس" :

قف على شاطئ الرباط الجميل

                        وتفيأ ظلاله فى الاصيل

وانتعش بالرقيق من نسمات الفجر فوق الرمال تحت النخيل

حيث يبدو الشعاع أنصع من ثلج على متن لا زورد صقيل

يتهادى مثل النسائم فى الروض تندت برشح جو بليل

أو كطيف مجنح بخيوط النور ينساب في المصيف الجميل

وعذارى الخيال فى رعشة الفجر تراءت على ضفاف المسيل

زرقة فى السماء وفي الماء حتى

                    فوق هام الربى وبين السهول..

الخ . .

هذه نماذج قليلة تعمدنا فيها اطالة العرض والاقتباس لندل على هذا الاتجاه الواضح فى شعر شاعرنا ولنشترك معاً فى الاستمتاع بها . ويخيل الى ان الشاعر يعمد اليها عمدا ليرضى رغبة فنية ملحة عنده ويحشد لها كل طاقته

التصويرية ويتخير لها اعذب الالفاظ وانقاها . وهي نماذج تدل أيضاً على حب أصيل للجمال فى كل مظاهره فى الكون يعرضه الشاعر فى لوحات ملونة  واصباغ زاهية منسجمة بما تشتمل عليه من أضواء وظلال ينسقها ذوق رفيع وتسجلها حاسة حادة تحسن اختيار اللفظ العذب الدقيق والصورة الموحية ، والديباجة الحريرية حتى لكاننا عدنا فى بعض المقاطع إلى اندلس إبراهيم بن خفاجة أو بغداد أبى عبادة البحترى .

على ان الذى عرف به شاعرنا واستنفد فيه اغلب اغراض شعره هو هذه الوطنية الملتهبة ، وهذا الحب العظيم لبلده ولكل ما فيه من قيم ومعالم وأمجاد وكل من بناه من رجال وابطال ، وفي رابى ان الاساس الذى تقوم عليه عبقرية  شاعرنا والمفتاح الذى يفتح لنا معالم شخصيته واتجاهات ذهنه ويجعلنا نفهم العوامل التى كونت شاعريته ودفعته للاستمرار على قول الشعر كل هذه السنين الطويلة هو هذه الوطنية الملتهبة لقد قال الشعر فى أول الأمر لينفس به عن كربه ، وعن هواجس نفسه المكبوتة ، ويشكو فيه آلامه وآلام شعبه المصفد المغلول ثم استمر يقول ، وكسر القيد ، وجاء الانتصار . ولأمر ما كان هو اول الفائزين فى مسابقة الشعر فى عيد الاستقلال الاول بققصدته بل بمعلقته الميمية التى حوت واحدا وثمانين بيتا كلها نخوة وفرح وابتهاج.

ولامر ما تعلق بفخامة الرئيس الجليل ذلك التعلق الكبير الذي ظل فيه الشاعر وفيا للقائد العظيم طيلة هاته السنوات الاحدى عشرة لا يني يمجد فى شخص امجاد بلاده ، وفي تعداد مآتيه ومواقفه تحقيق أحلامه وأمانبه ومثله العليا . تلك هى فرحة رجل الفكر بلقاء رجل العمل الذى يترجم في دنيا الواقع ما كان الذي يقول للرئيس فى عيد النصر الأخير :

يا حبيبا أحببت فيه بلاد

              حب من يعبد الجمال ويعشق

كل عز رجوته لبلادى

                بيديك الكريمتين تحقق

ووطنيات شاعرنا تشمل كل مظاهر الحياة القومية ودواعيها وجوانبها السياسية والأدبية والثقافية والاقتصادية وما تستدعيه من اعياد وافراح ومباهج او تشتمل عليه من ماس واتراح واحزان . هل استرجعت ثكنه " مونتزان " الرهيبة التى كانت معتقلا ومكان تعذيب للاحرار :

أيا معقلا قد كان بالامس مطبقاً

                     تحطم فيه الحريات وتنسف

ويلقي به الاحرار جنده

                وحراسه أدهى وأقسى وأعسف

دخلناك بالامس البعيد أذلة

                  ولكن دخول اليوم بالعز أشرف

وجئناك والجيش العدو يسوقنا

              الى ساحة التعذيب والسوط يندف

صفحنا وأغضبنا لاجل بلادنا

                   ومن شيم الاحرار أن يتعففوا

هل هتف الشعب فى كل مكان مطالبا بالسلاح لتحرير اجزاء الوطن وثغوره الباقية فى يد المستعمر :

يا شعب ان كنت الحريص على البقا

                        حراً ، فهئ للدفاع سلاحا

وأعدها من كل نوع شوكة

               جبارة تحمي الحمى والساحا

في الجو كالرجم المؤججة اللظي

                      ترمي شهاباً صاعقاً مجتاحا

والبحر كالابراج تقذف بالشظى

                  حمما يعود به الردى سياجا

والبر كالاساد تعمل في العدا

                      ظفر الصراع ونابه السفاحا

هل طالب الشعب بالجلاء في مظاهرات صاخبة :

ومن حق هذا الشعب أن يطلب الجلا

                 وأن يرفض الاشراك في أرضه رفضا

وأن يطرد اللصق الدخيل فلا يرى

                  لاشباحه النكراء في داره نغضا

وقد وطد العزم الاكيد على الوفا

                 لتونس لا يبغى على عزمه حضا

هل تمخضت المطالبة بالجلاء عن مظاهرات بنزرت ومانتج عنها من ضحايا ، وما سقط فيها من شهداء :

لم يذهب الالبان من شهداك

                    عبثا ولكن فى سبيل علاك

ولو أستطاع الشعب أن يفديك بالآلاف من أبنائه لفداك

ولود أن يحميك يا اختاه من

             عسف الدخيل وأن يصون حماك

بنزرت يا نغما يرف قصائدا

                   غنى بها الاحرار من شعراك

قسما بثغرك والجمال يحوطه

                    فيذوب فيه تزمت النساك

ما نامت الخضراء فى أحشائها

                    حز السيوف ووخزة الاشواك

هل جاء عيد النصر :

هذا هو العيد فليرفع له العلم

                     ولتعل فى جوه الالحان والنغم

أليس عيداً ؟ وهذا النصر توجه

                     وفرحة الشعب ثغر باسم وفم

عيد أعاد على الخضراء بهجتها

                    فعادت العزة القعساء والشمم

هل عاد عيد الجمهورية :

يا يوم عيد الجمهورية هذه

                  ذكراك للعزمات خير لقاح

جددت عهداً لم نزل منه على

                      ذكر ترددت مساء صباح

ألقى بك الملك العضوض وشاحه

                       عن منكبيه فبات دون وشاح

هل تكتلت الجهود ووجهت كل الطاقات لما اسميناه " بالتصميم " فى سبيل تحقيق نهضة إقتصادية :

بنجاح التصميم نكسب حربا

                       وبصقل العقول ننقذ شعبا

وبرسم التخطيط للمثل العليا

                         نقيم البنا قويا وصلبا

وبرفع لمستوى العيش فى الشعب تزول الفروق والميز غصبا

وبناء الشعوب أصبح فنا

                 كبناء القلاع صخراً وصلباً . . .

هل كرم الرئيس الشعراء الذين كان لهم مجال فى النضال القومى :

فى تونس كعبة الشمال

                ونقطة الزحف للخلاص

ومطلع النجم والهلال

                 اذ تفخر الدور والعراص

تجاوب الشعر للنضال

                ونال حظا من القصاص

ساهم فى غمرة الكفاح

                   وذاق لونا من المحن

ونال توسيمة الجراح

                  شهادة من يد الزمن

وكان فى موكب الصباح

                 يحدو بمن حرروا الوطن . . .

وقل مثل ذلك فى سائر الاغراض القومية كالاعتداء على الساقية وعند تأسيس الجيش الوطني وتنصيب المجلس التأسيسى والاحتفالات بمولد الرئيس وزياراته للقيروان فهو بحق حادى ركب التحرير فى مراحله الحاسمة ومسجل حياة تونس الوطنية ومواقف رئيسها التاريخية واعماله البطولية فى شاعر حماسى صافي الديباجة متدفق من نبع غزير وشاعرية جياشة تفيض بالحب والنخوة والاخلاص .

ولا ننس أن نضيف إلى هذه الوطنية الكبرى وطنية أخرى لا تقل عنها حماساً وإخلاصاً تلك هى حبه لبلده " القيروان " واعتزازه بمعالمه وإعلامه لقد اشاد شاعرنا بماضى القيروان وحاضرها فى كل المدة الطويلة التى اشتغل فيها بنظم الشعر . ولا اعرف شاعرا سواه من ابناء القيروان تحدث به عنها على حب القيروانيين لمدينتهم وكثرة تغنيهم بامجادها .

وهذه نماذج من حديث الشاذلى عطاء الله عن القيروان ، يقول فى قصيدة " حياة تنبثق " :

خصت القيروان بالشرف الاسنى وزادت في

فخرها وعلاها

لم والنور فى مطالعها الغرا

                   وشعر النبي تحت ثراها

وجلال التاريخ يضفى عليها

                    حللا لم يزل يشع سناها

بلد للفخار فيه مقيل

                  ومبيت ورتبة لا تضاهى

لم تزل روحه على رغم ما لاقته فى وضعها وفي مستواها

سل عن القيروان مكتبة الدهر

                     وسل ما به زكا محتواها . . .

ويقول عن رسالة القيروان فى العالم الاسلامى :

هذا هو البلد الامين وهذه

                    أصداؤه ورسومه الخرساء

بلد اقام الدين فى محرابه

                    فعنت لعز جلاله العظماء

أصغت له الدنيا وحج لركنه

                 العلماء واختلفت له السفراء

ومضى يؤدى للشعوب رسالة الاسلام حيث الفتنة العمياء

مجد لو اشتغلت به الاسفار لاستعصي على صفحاتها الاحصاء

ويتكلم على لسان المدينة الخالدة فيجعلها تقول:

اننى القيروان باعثة الرواد للخافقين عرب وفرس

أنا أم لخير بنت وظئر

                  القمت ثديها ولائد عبس

بلبانى غذوتهن فاصبحن

               ورشح الصدور حكمة قس

وباشاعة من النور بددت ظلاما لم يجل من قبل شمسى

قيم خلدت وجودى وضمتنى الى الخالدين من فجر أمس

يا رعى الله ما مضى من عهودى وطوى الدهر من مجالس أنسي

يوم كنت الشعاع فى القبس الوهاج ألقي الضيا على كل طرس

أدبى نابض العروق وفني

                  ألبسته الاذواق أجمل لبس

وعلومي ردت على العقل ما قد

                        سلبوه من بعد نقد ودرس

دع بعوثي ودع فتوحات جيشى

                  وكفاحي في يوم روع ويأس...

ويقول عن الدور الذى لعبه جامع عقبة فى نشر العلم والفقه بالمغرب والاندلس :

من بيتها المعمور شع النور فانتشرت على افريقيا الاضواء

وتوافرت حلق الدروس فأمها الطلاب واحتكت بها الادلاء

فى كل ركن منبر لمدرس

                      وأمام كل دعامة قراء

بيت يشع العلم تحت قبابه

                       فتضاء منه القبة الزرقاء

ورحابه للدين والدنيا معاً

                    وهنا الصلاة وههنا الافتاء...

وحتى بركة الاغالبة - وهي من اثار القيروان الشهيرة - لا تفلتها ريشته الفاحصة اليقظى فهو يتحدث عنها فى قصيدته اليائية :

هذه البركة التى تتحدى

                      بتصاميمها الزمان العتيا

ظللتها الادواح من وقدة القيظ فكان المقبل ثم شهيا

وتغنى الهزار فوق غصون الايك لحنا منغما موصليا

فاذا هيأ الاصيل لركب الشمس في الافق هودجا عسجديا

سكبت فى المياه ذوب نضار

                     وكستها وشاحها القرمزيا . .

اما اعتزازه برجال القيروان واعلامها فهو اشهر من ان نشير اليه ، وقصائده فى هذا الباب تعد بالعشرات وآخر ما قرأنا له من ذلك قصيدة نفيسة عامرة الابيات اشتملت على اربعة وثمانين بيتا ، نظمها بمناسبة الاحتفال بتجديد مقام الامام سحنون فى صيف 1965 وضمنها حياة الامام العظيم صاحب المدونة بكل تفاصيلها كما لم تفته الاشادة باشعاع امام القيروان على المغرب والاندلس خلال القرون . ومما جاء فيها قوله :

هنا فى ربوع القيروان وأرضها

                  وبين العراص العامرات الاوانس

وفي الجامع المعمور في بيت عقبة

                   وتحت القباب الشم بين المحارس

جرى المنهل العذب الذي ضربت له من العدوة القصوى كبود القناعس

هنا كان سحنون الامام يجول في

                    تلاميذه الافذاذ جولة فارس

هو الحجة الكبرى لمذهب مالك

                   ومن فيضه تروى جميع المفارس

فمن هذه اللمحة الوجيزة نرى بكل تأكيد شاعراً ملء اهابه يسيطر الشعر على كيانه ويدبر حياته من الداخل بصورة لا ارادية ، أن صح هذا التعبير فقد كان يمكنه مثلا ان يشارك فى الاحتفال بتجديد ضريح سحنون بكلمة نثرية يضمنها حياة الامام ويتحدث فيها عن رحلاته لطلب العلم ويصف اعماله . ومآتيه فى حياته الطويلة العريضة ، لان النثر اليق بتسجيل اطوار تلك السيرة الحافلة . لكن شاعرنا لم يفكر الا فى نظمها قصة شعرية رائعة وكانها ملحمة صغيرة واختار لها من القوافى اصعبها مقادة . وهذا يدل على انه يتبع الطريق الصعبة التى تمليها شاعرية متحفزة دائماً ، وان تلك الطريق هى أقرب الطرق إلى قلبه .

فالشاذلى عطاء الله شاعر مطبوع على قول الشعر ، مسوق اليه سوقا ، سواء أحب أم كره ، ينفس به عن نفسه كما ينفس غيره عن خواطره باي لون من الوان التعبير .

ولكن ما هى مكانته بين الشعراء المحدث منهم والقديم ؟ اقول بكل اخلاص ان مكانته هى الصدارة وان امثاله فى المعاصرين قليلون . ومن صفات شعره الروعة ومتانة السبك وسلامة الذوق واختبار الكلمة الملائمة للغرض المختار . ولا اتمالك مرة اخرى من عرض امثله لهذه الصفات فى غرض من الاغراض التى كثير ما نظم فيها وهو مخاطبة الشباب بمناسبة اعياده ومهرجاناته فلنستمع اليه يتحدث عنه ثائراً ، مكسرا قيوده ، محققا عزمه هازئا بالصعاب والاهوال ، محلقاً في الفضاء بجناحيه القويين :

كسر القيد ثم هب طليقا

                   ومشى للعلا يشق طريقا

وانتضى عزمه أحد من السيف وأقوى من الشهاب بريقا

وتحدى الصعاب فى غمرة الخطب وقد كاد هوله أن يحيقا

لا يبالي وعزمه يفلق الصخر أرحبا مشي به أم مضيقا

مد فى واسع الفضاء جناحين يطيقان في السما التحليقا . .

هكذا يرى الشاعر الشباب فى غمرة الخطب ، حتى اذا انجلت الغمرة وقطف النصر من قتاد المآسى - كما يقول - أصبح شباباً مهذياً طيباً عاملاً  للرقى :

كان بالامس ينشر الرعب والموت ويفرى الفرى ويذكى الحريقا

ثم أضحى كنسمة الفجر فى الروض أذاعت فى الإفق مسكا فتيقا

أو كضوء الصباح فى موكب الصبح يمس الزهور مسا رقيقا . .

وهو الذى يخاطب الشباب بهذه الابيات الحماسية الرائعة :

يا شبابا دماؤه لهب النار اذا شب في الهسيم الحصيد

لك عزم كأنه ثورة الاعصار يجتاح راسخات السدود

علمتك الاحداث كيف تلاقي

                       عنت الدهر فى ابتسام الجليد

بلورتك الصعاب فانصوير المعدن عن جوهر عزيز فريد

ولقد نلت بالنضال جزاء الصبر مجداً يفوق مجد الجدود...

ويقول إيضاً للشباب حين يتراءى له الوطن فى الغد كما سيصنعه هذا الشباب وكما يحب الشاعر ان يصنعه فى الغد :

أنت ظل بقى من الوهج اللفاح أن طوحت بنا الفلوات

ولقاح العقول ان أجدب الذهن وظلت لحالها المشكلات

والذى يرتقى به الوطن الغالي وتسمو بعزمه الدرجات...

ولا شك عندى ان الشاذلى عطاء الله يتعمد اختيار الاوزان الفخمة والقوافى العويصة ، زيادة عنايته باختيار الالفاظ الانيقة العذبة ، حتى اذا ذيل شموسها واستقاد جامحها ادركته نشوة الفنان فقال :

عددت من شعراء الجيل مذ هتفت

                        سواجعي ببديع من أغانيها

أو قال عن نفسه :

لأجاد حتى لا يشق غباره

                    وغداً المجلى : شعره وشعوره

وتلك هي فرحة الفحل القادر على خلق الجمال وابداع الجديد في دنيا التعبير والشعر ، وبعد فهل وفقت لاعطاء صورة عن شعر الشاذلى عطاء الله فى هذه الكلمة العاجلة ؟ فى رأيى أن الصورة تبقى ناقصة اذا لم نتحدث عن الاغراض الاخرى التى نظم فيها شاعرنا شعره ، فلقد شارك في الذكريات التى أقميت لاعلام العلم والأدب من القدماء والمحدثين خلال هذه السنوات الطويله .

ولقد رئى كثيرا . رثى زعماء الوطنية ومشاهير التونسيين كما رئى كثيراً من اصدقائه الراحلين ومراثيه ، كما عرفتها ، مفعمة بالحكمة والعاطفة والاخلاص ، وهناك أغراض أخرى نعرف انه نظم فيها الكثير الجيد غير انه لم يتح لنا الاطلاع عليها خصوصاً اشعاره الوجدانية التى تمتاز ، بالحرارة ورقة التعبير ، وما سمعناه منها جدير بان يسلكه فى عداد شعراء الغزل المجودين . ولكن هل يوجد للشاذلى عطاء الله شعر اجتماعى ؟ هذا النوع الذى يتحدث فيه الشاعر عن حياة المجتمع فى عصره فيصف جهاد الطبقات الكادحة  وصراعهم اليومي لتحقيق العدالة الاجتماعية فى مجتمع يمتاز بالقسوة والتكالب والجشع . وهل له اراء فى مسائل اجتماعية تدعو للتقدم وتحقيق الحرية الفكرية وتعليم المرأة وغير ذلك من القضايا الاجتماعية كما لا نعدم مثل هذا الشعر عند معاصرية ؟ الحقيقة انى لا استطيع الجزم بشئ فى هذه الناحية فليس لدى للحديث عن ارائه الا شعره المنشور ، ولم الح على الصديق ليطلعني على ديوانه المخطوط أو مذكراته لان ارى ان كل شعر غير منشور وكل رأى غير ما ثور فى حكم المعدوم . ومن احرص من الشاعر على بنشر انتاجه اذا أراد ان يعرف الناس رايه فى مسألة بالذات وكيف يعد قائماً بنشر رسالته التى اعدته لها الحياة اذا هو طواها فى بطون المخطوطات ، مهما انتحل لطيها من الاسباب والمعاذير ، وهل يكون لديه اليقين ان اثاره ستنشر من بعده وقد رأى رأى العين كيف تتلاشى الاثار او تقبر فى بلادنا بعد ذهاب اصحابها . وهذا يقودنا ، فى نهاية هذه الكلمة الى تقديم رجاء ملح لشاعرنا الوطني الكبير ، هى ان يمتعنا ويمتع الاجيال الصاعدة بطبع دواوينه واثاره ونتيجة ماكد فيه ذهنه وقلمه فى ليله ونهاره فالصعوبات قد ذلك والعراقيل قد ازيلت كما يعلم ونعلم وله الشكر سلفاً . والسلام عليكم ورحمة الله .

اشترك في نشرتنا البريدية