في كل زمان رجال صالحون خيرون يؤثرون على انفسهم من لا يعرفونهم فيقدمون كل ما يحبونه لغيرهم ادراكا منهم لاهمية نفع الآخرين الذين يحتاجون لمزيد العون والمساعدة همن لديه امكانات وكفاءات تؤهلهم لاعطاء ذلك وغيره حتى اذا ذهبوا عن الدنيا بقي ما قدموى لهم حاضرا بين ايديهم وبارزا بعدهم يلتمسه كل من تصفح تلك السطور التى صنعتها ايديهم وتركتها نفوسهم السخية بما قدمته للانسانية ابتغاء الرخاء والرفاهية والأزدهار لها . فعبرت هذه الاهداف مع السنين والاجيال تستحوذ على المشاعر الطيبة التى تكبر كل عمل صالح وتجتذب النفوس المتوددة لعمل الخير ، وستهوى القلوب المتطلعة لمن يعمل من اجل الانسان ورفع هستواه ليكون الانسان هو الذى يردد صدى ذلك العامل الذى خلد عمله واصحب اسمه الذكر الجميل الى ما شاء الله . ان كل عمل قيم مكسب من مكاسب الحياة وبه يذكر الانسان بالخير في الاجيال اللاحقة فمعن بن زائدة يضرب مثلا فى الحلم . وعنترة بن شداد في الشجاعة وحاتم الطائى فى الكرم ولاجله اكرم النبي محمد صلى الله عليه وسلم ابنته ومن معها عندما جاءت له مسببية وقال لها : لو كان ابوك مسلما لترحمنا عليه .
وشأن هؤلاء كغيرهم من الذين قام التاريخ على اكتاف اعمالهم نزادهم عملهم الخير
أعمارا على عمرهم الفانى . وفى هذا يقول الشاعر العربى أحمد شوقي :
دقات قلب المرء قائلة له
ان الحياة دقائق وثوان
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها
فالذكر للانسان عمر ثان
وما هو العمر الثاني للانسان غير الذكر الحميد الذي يتوخاه كل ذى سمع وقلب ومن أجل هذا صار كل عاقل يتمنى ان يذكر بالجميل .
وعلينا ان لا نذهب بعيدا فان لدينا انسانا مثاليا هو الشيخ الاجل محمد بن ناصر بن على بن على بن احمد بن على بن حسين بن عبد الله بن نمر بن عايد بن عفيصان ( وعفيصان من سكنة الاسلمية
من قرى الخرج بنجد ) وقد ولد فى قرية العوامية احدى قرى القطيف عام ١٢٧٧ ه ونشأ نشأة صالحة واخذ دروسه الاولية فيها ثم غادرها للعراق وأكمل دروسه الفقهية واخذ بعدها يدرس بعض أجزاء الطب الذى فرضه عليه دينه وضميره من خدمة دينية وانسانية لامته ووطنه وابناء جلدته الى ان مات فى ٩-١٠-١٣٤٨ ه عن عمر يناهز الواحد والسبعين عاما قضى جنه فى خدمة الصالح العام . فشق رمسه في قلوب الناس باعماله الطيبة التى سيطر بها على جوانح بعض الناس الذين يكنون له كل احترام وتقدير . وما كان تقديره مقتصرا على من نال شيئا من خدماته بل شمل اولئك الذين لم يدركوا عهده ايضا والناس من طبعهم ان يعجبوا بالفضيلة أيا كان مصدرها .
وفضائل صاحبنا لا تزال ملموسة ومنافعه باقية وذكره مرددا صباح مساء على افواه الذين استفادوا من حياته وذلك عندما تلم بأحدهم وعكة طال علاجها من ببن الطبيب دون جدوى فانك تجد مآثره ظاهرة مما يجعلك تدعو الله سبحانه بان يتعمده تعفوه برحمته ورضوانه .
ونحن وان فاتتنا رؤيته فاننا نستانس بالأحاديث التى تتناول تحليل شخصيته متناصلة على السنة العلماء والمتثقفين واعيان البلاد والنقاة من المعاصرين مما لا يدع مجالا للشك في صحتها . ولو انها جاءت من غير هؤلاء لحسبتها ارتجالا او خيالا او مبالغا فيها والله سبحانه وتعالى يمن على من يساء من عباد . دنيويه الحكمة ( ومن يؤت الحكمة فقد اوتى خيرا كثيرا )
كان ابن نمر لا يأخذ مقابل ما يعمله شيئا بل يعطى المريض ان احتاج قيمة الوصفة التى يركبها له اذ كان رحمه الله تعالى يعالج الامراض المستعصية بنباتات الارض من الفواكه والحشائش وغيرها فيركبها مع بعضها احيانا على صفة العقاقير واخرى طازجة حسب ما يطلبه علاج المرض . وقد يروى لك من انتابه مرض وشفى بعلاجه وصفاته ما حدث له في ذلك وكثيرون لا يزالون احياء يرزقون ومنهم تلامذته الذين درسوا عنده اللغة والفقه فهؤلاء يذكرون لك انه عالجهم عن امراض كثيرة مختلفة اكثرها وفقه الله فى شفائها وقضى عليها بدون أشعة او تحليل وكان بمجرد جسه النبض يعرف الاصابة والداء العياء فيعطى الدواء ويأمر المريض بتناول أنواع معينة من الطعام وينهاه عن اكل أنواع اخرى وقد يطمئنك المتحدث لك عن مزاياه بقوله اننى لما عجزت عن العلاج في بلاد كالبحرين وغيرها جئت اليه ولا أمل لي بالشفاء ، بعدما أخفق اطباء ماهرون مثل (ديم وهريسن ) من انقاذى مما مسنى من الضر الذي كنت اعانى آلامه عدة سنين وحينما بدأ علاجي لمست الشفاء ، وقد شفيت من المرض المستعصى فعلا على يديه وبادريته العربية البسيطة . وانما هى المبررات لمن يجحد الفضيلة التى وجدت وتحقق كيانها فى الحياة وصارت مضرب الامثال واوصدت على المنكرين الابواب والدروب .
هذا ومع الاسف الشديد فان مؤلفات الفقيد التى يطلبها الناس وقعت فى يد لم تحافط عليها مما جعلها تفقد . وقد خسر الطالب فوائدها ولم يبق منها الا شئ
بسيط يذكر مسطورا او منوها عنه ، في بعض كتب ادباء القطيف واكثر ذلك منظوم شعرا وهو مقصور على فلسفة التشريع والقواعد واحكام الدين والتدليل على اثبات الخالق العظيم . وهذه الابيات هى من منظومة تربو على مائتى بيت يدحض فيها اقوال الجاحدين لذى الجلال والأكرام وهي بعنوان ( في معرفة الحادث والقديم )
وفى حدوث ما ترى في اللاحق
دلالة على حدوث السابق
فخذ مثالا تهتدى به لما
شابهها كذاك ما تقدما
من نطفة تكون بعد علقه
فمضغة فأعظمما مخلقه
فتكتسي لحما وجلدا وشعر
وبعدها أعطاه سمعا وبصر
ويلبس القوة والحيالا
والعقل والتدبير والكمالا
وكل هذه الامور حادثة
وان تكن في غير ذيها لابثة
وهكذا الامثال للامثال
الى انتهاء مبدأ الاحوال
ثم يأخذ في اقواله ليبين ان ما يدعيه الجاحد أفك وان الله واحد احد . وهو الخالق الوحيد للكون ، والكون حادث بما فيه من مكان وزمان وعقل وغيره :
وهكذا التركيب والتحويل
ومثلها التحديد والتمثيل
وكل ذى والغير بين لمن
يكون من ذوى العقول والفطن
والخوض في تفصيل ذي اللوازم
يوجب فتح باب كل لائم
فكل ما سوى الجليل قد وجد
حدوثه كما ذكرت فاعتقد
فالعقل والامكان حادثان
كالكيف والمكان والزمان
فلم يكن لبث ولا امتداد
ولا تباين ولا اتحاد
اذ ان ما ادى اليه وهمكم
عليكم يرد فهو مثلكم
كما اتى من اقرب العبيد .
واعلم العالم بالتوحيد
فلو فرضت فقد كل ملزم
لكان فى القبول اى ملزم
كيف ونور الاهتداء قد سطع
والحمد لله على ما قد جمع
واسأل الولى بالانعام
ان يقضى الحسنى الى الختام
بهذه الروح التى وفقها الله جل وعلا استطاع ان يعالج المريض لا من الامزاض بالجسمانية فحسب وانما اضاف اليها معالجة امراض الخبث والالحاد ايضا . واى مرض اخطر على الانسان من هذا المرض الذي يقضى على آخرته اذ الامراض الجسمانية وان قضت على صاحبها فقضاؤها على حياة محدودة لا مناص له من مفارقتها وان لم يكن بهذا فبغيره ثم يستمتع بعدها بحياة خالدة خالية من جميع الامراض والآفات ولا شئ يقضي عليها ابدا ان كان سليما من تلك الامراض التى تقضى على
هذه الحياة التى يجب ان يعمل لها الانسان ليبقى حيث بقاؤه لا يكلفه شىء اكثر من انه بقى نفسه شر تلك الامراض بتجنبه معاصى الله واتباع اوامره ، وهذا شئ لا يعجز اى انسان ما دام يطمع فى تلك الحياة الباقية التى فيها يكون مطمئنا على سعادته وسلامته ان المرض مقلق ومن أجل هذا فان كل مريض الجسد في الدنيا يبذل كل ما يملك لنيل الشفاء بل ويستقرض ما امكنه القرض ويضحى بكل شئ فى سبيل حياته . ولكن ممن يستقرض من خسر الآخرة ؟ ومن ينقذه ولو افتدى نفسه بملء الارض ذهبا ان كانت له ثروة ؟ وانى له ذلك وهو يأتي اسيرا غاريا لا يملك حتى الكلام الا من بعد ان يؤذن له ، لان حرية التصرف انتهى عهدها من : قبل ذلك اليوم انه لم يحسن لنفسه من سبق له ما يهلكها ويفقده طبيبها من بعد ما كانت لديه اطباء ماهرون كثيرون ينصحونه ويوجهونه بالموعظة والحكمة والتذكير ومنهم محمد بن نمر الذي قصد بعمله تطبيق الحكمة القائلة : ( رب كلمة احيت سامعها ) وكيف لا يتبع الحكمة كهذى وهو بالغ من العلم درجة عالية فى الفقه والشريعة ؟ وبالرغم من انه كان كفيف البصر منذ صغره غير انه يكتب على مسطرة إذا لم يجد احدا يكتب له ما اراد : وهو الى جانب هذا كله كان ملما بتصريــــــــــــف الشؤون الحربية ، اذ دبر ( ١) لاهل القطيف التصدى لصد الهجوم الذى قامت به البداة
من بني خالد عام ١٣٢٦ ه عنوة وذلك عندما اختلفوا مع الحضر من اهالى مدينة القطيف وجاءت بنو خالد بكثير من القبائل لمحاربة اهل المدينة ولكن بفضل الله تعالى الذي الهم محمد بن نمر التخطيط لاحباط ذلك الهجوم كانت العواقب سليمة والخسائر طفيفة لا تذكر بالنسبة لطول مدة المعارك التى استمرت نارها مشتعلة المدا يقارب أربع سنوات ولم يستتب الأمن فى ربوع البلاد الا من بعد مبايعة اهل القطيف لجلالة المغفور له الملك عبد العزيز آل فيصل الذى عمل بجميع نفوذه وقواه للقضاء على جميع الوان الفوضى والاضطرابات حتى جعل البلاد ترفل فى بحبوحة من نعيم الاستقرار والسلام .
هذا وكم وددت ان يكون الموضوع اكبر بكثير من الاستفاضة فى معلومات تركها هذا الرجل الذى كانت حياته نافعة واعماله مفيدة وآثاره قيمة ولو بقيت وجمعت مخلفاته وطبعت لكانت كنزا ثمينا يضاف الى الثروة الاسلامية التى تتضخم بالموارد المشجعة على الاستثمار ، رحم الله الففيد وعوض الامة الاسلامية بالخلف الصالح من العلماء الباقين العاملين وبمن هو أعم نفعا انه سميع مجيب .
القطيف

