بقلم الاستاذ
تمهيد : الحديث عن الأدب المهجرى ذو شجون . فهو شعر الحياة والفطرة . وشعر الحب والموهبة . انفرد أدباؤه عن غيرهم من الأدباء العرب بالتحديد فى الموضوعات ، والتجديد فى الصيغة الشعرية التى قادها الشاعر أمين الريحانى فى شعره ونثره و « والنثر » الذى ابتكره أديب المهجر اللامع جبران خليل جبران فى الكتابة الادبية الحديثة، فاتسم أدبه بالتغلغل الموسيقى فى اللفظ ، والتعمق فى مجال التصوير ، بدلا من الغوص فى الفكرة لانه قوى الانفعال ، واسع الخيال ، الصورة النفسية طابع شعره ونثره .. أرسل أدبه فى سماء العالم بعاطفته الحرة وأسلوبه الجميل ، ومغزاه الرفيع بنبضات من الحكمة التى صبغت أدبه ، فاحتذاه فى الاسلوب كثير من الأدباء الناشئين .
نشأته وحياته : ولد فى قرية بشرى وهى قرية لبنانية، عام ١٨٨٣ م فاستنشق هواءها الطلق ،
درس فى مدرسة الحكمة اللبنانية، ثم رحل هو وأخوه وأمه وأختاه الى « بوسطن » عام ١٨٩٥ م وما عاد من لبنان الى أهله الا وهو يحمل حظا وافرا من العلوم الابتدائية العربية الى جانب اللغة الانكليزية التى عرف مبادئها برعاية أخيه فى « بوسطن » ..
ولقد أقام فى باريس شهرا واحدا وهو فى طريق عودته الى أهله ، وما وقعت قدماه على أرض أمريكا الا والنبا المفجع يطرق مسامع اذنه بوفاة اخته الصغيرة . وبعدها بعام واحد دثر أمه بكفن الموت . ووارى جسم عماده اخيه « بطرس » التراب ، ولم تبق معه سوى اخته « ماريانا » التى أدمجت ليلها بنهارها فى سبيل جلب القوت لتغذية اخيها الوحيد ولاجل حياته معها فنسجت الصوف وغزلت المخيط ، وهما فى دارهما الحقيرة.
وما ان بلغ العشرين من عمره حتى سكب ألحانه السكرى بخياله فى الواحة الفتية وعصر فكرته فى جريدة « المهاجر » ومجلة « الفنون » ثم امتهن « فن الرسم » مهنة رسمية حتى أبرز الواحه لاول مرة فى معرضه الذى أقامه فى مأواه ليكتسب منها ويعيش مرتاح الضمير مغتبط الانفاس ، فلم تلق ألواحه رواجا للبيع اللهم الا زوارا احتشدوا فى قاعة معرضه وفيه التقى بعاشقة فنه « ماري هاسكل » التى تعرضت على حقيقة مبدئه ونظرته الى الحياة وحياته المؤلمة من خلالها الواحه « عودة الروح الى الله » و « الاجساد العارية » و « رمز الموت والالم» وبدأت صداقتهما لقرابتهما من الفن والالم اللذين ربطا أواصر الصداقة الحميمة بينهما، فبعثته على نفقتها الخاصة الى باريس لدراسة الفن فى كلية الفنون الفرنسية عام ١٩٠٨م وهناك تعرف على مشاهير أدباء وفنانى
فرنسا .. وآب وهو يحمل شهادة الامتياز على أربعمائة طالب .. وأصبح عضوا فعالا فى الجمعية الفنية بفرنسا ، واشترك فى أفخم المعارض الدولية . فعرفه الفن الامريكى والفرنسى فنانا ماهرا ، حتى نظر الى الفن نظرته الى الحياة فقال : « الفن هو الحياة والحياة هى الفن »
.. وعند أوبته من بلد الفن ، طبع على يد « هاسكل » وجبينها قبلة الشكر والصداقة ولكنها طعنته فى كبريائه طعنة نجلاء، أرادت أن تؤدى به إلى الانفصال عنها، فأبت الزواج منه للمرض الذى ينخر فى جسمه ويفتت رئتيه .. ومع هذا لم تحرمه عطفها بل سار مرتبه الشهرى الذى صرفته له فى طريقه المعتاد. فغادر «بوسطن» الى نيويورك عام ١٩١٢ م وفى قلبه محبة صديقته .. وفى عينيه دمعة اخته ليعيش هناك بفنه وأدبه .. والسبب الذى دفعه الى ان يكتب بالانكليزية بعض كتبه هو تقسيم روحه الفنانة الشاعرة على العرب الامريكان فهضم أبناء لغته ثقافته وتمتع مجتمعه الامريكى بفنه .. فجمع فنه بشعره برأى صديقته « هاسكل » التى هذبت مؤلفاته الانكليزية وعظمه الادب الامريكى حتى أطلق عليه لقب « نابغة الشرق » ومنذ ذلك الحين أتفق مع زملائه الادباء لتأسيس جمعية أدبية لادباء المهجر .. ففى منزل جبران تم الاجتماع واتفقوا جميعا على أن يقوم بالعمادة صاحب المنزل وأن يكون مخائيل نعيمه مستشارا وكل من : نسيب عريضة ، ورشيد ايوب ، ووديع باحوط ، وايليا ابو ماضى ، والياس عطاالله ، وندرة حداد - أعضاء . أما وليم كانسفيلس فانه اختير خازنا لهذه المؤسسة وكان ذلك فى عام ١٩٢٠ م واصدروا فى
اجتماعهم قرارات منها الاهتمام بنشر مؤلفات أعضاء الجمعية ، وترجمة الكتب الاجنبية الهامة الى اللغة العربية ، وجعل مكافآت مادية للادباء والمشتركين تشجيعا لهم وان يطلق على الجمعية اسم « الرابطة القلمية » .
آثار جبران : حينما شرع جبران فى تحصيل رزقه بنشر مقالاته وكتاباته فى جريدة « المهاجر » ومجلة « الفنون » أصدر كتابه الاول « نبذة فى الموسيقى » ثم « عرائس المروح » الذى اتسم بالادب القصصى ، أما «المجنون» فكما قال فيه مؤلفه بعدما تأثر بالشاعر الفنان الانكليزى « وليم بلابك » .. «الجنون فى الفن ابداع ، وفى الشعر حكمة »
وعندما صدر كتابه « الاجنحة المتكسرة » أعجب المجتمع العربى بمظهره دون جوهره ، فارتاح لهذا الاعجاب لانه كان يحب الاطراء ويستمتع به ، وقال فى نفسه : « ويحى بين شعب يحب قشورى، أما لبى فليس يدركها» وألف « العواصف » على أثر المجاعة التى ألمت باخوانه اللبنانيين عندما حمى وطيس الحرب العالمية الاولى وبين فيه حنينه الى الوطن واعجب بالنبى العربى الكريم وابدى
حبه له وشغفه بمجد الاسلام وله ديوان شعر ملىء بعواطفه وهواجسه الحارة ، وحسه المرهف ، والى جانب مؤلفاته السالفة الذكر له مؤلفات عديدة نخص منها : «دمعة وابتسامة » و « المصطفى » و « البدائع والطرائف » و « الارواح المتمردة » .
وفى عام ١٩٣١ م كان بعض اعضاء الرابطة القلمية محيطين به وهو طريح الفراش يردد حشرجة الموت فى وصيته بالاهتمام بالرابطة لانها الوحدة الجامعة للأدب العربى فى المهجر ، وأطلق على زملائه تحية الوداع بابتسامة تألقت فوق وجهه الشاحب اللون ، وأسدل عينيه القدر المحتوم تاركا وراءه صديقته الامريكية ، واخته اللبنانية اللتين سهرتا على حياته وخلقتا منه جبران خليل جبران .
(القطيف ) ( القلعة ) - السعودية

