الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

لمن نكتب الشعر

Share

فى هذه الدراسة كان من المفروض أن تكون كلها شخصية - وما دامت القضية هى مفهوم الشعر - ولمن نكتب الشعر ؟ التجات الى بعض الشعراء كي استدرج آراءهم في هذا الموضوع . لتكون نابعة من ذات الشاعر - والآراء تختلف فى أى موضوع كان

قبل أن نتساءل لمن نكتب الشعر ؟ أقول ما هو الشعر ؟ قال الاستاذ الشاذلى القليبي في كتابه " نظرات فى الشعر " :

- الشعر مغامرة وجودية ، تخص علاقة الفرد بالواقع أو بغيره أو بالمجتمع ، وأهم عنصر فى الشعر هو الجهد الذى يعانيه الشاعر للتغلب على ما يجده فى نفسه تجاه هذه الضغوط الخارجية - والتغلب على ما يجده فى الواقع من نقص وفى نفسه من عجز ، وفي الزمان من قهر . "

- ورأيى الخاص هو أن الشعر صبغة فنية بمذاهبه والوانه وأغراضه وهو مظهر الثقافة العربية ومرآة لحياة الانسان العقلية والاجتماعية - يصنع نفسه بنفسه وننسج ثوبه بيديه وراء ستار النفس حتى إذا تمت له أسباب الوجود واكتسى رداء النغم ارتجف أحرفا تلهث على الورق - والشعر كالموسيقى والرقص والرسم ، هو فن من بين الفنون - والفن هو تهذيب وصقل وجهد متصل وتحسين مستمر

وفى الفن كما فى الطبيعة وفي القصيدة كما فى الوردة وكما فى اللوحة لبارعة ، وعن نزار القبانى فى كتابه " طفولة نهد " ص ب - ج ، يقول :

الشعر ليس اكثر من كهربة جميلة تصدم عصبك وتنقلك الى واحات مضيئة مزروعة على اجفان السحاب ، الشعر فن والتذوق الفنى كما قال الفيلسوف الايطالى كروتشة فى كتابه ( المجمل فى فلسفة الفن ) هو عبارة عن حدس غنائى ، والحدس ilition هو الصورة الاولى للمعرفة وسابق لكل معرفة ، وهو من شأن المخيلة ، وهو بتعبير آخر - الادراك الخالي من أى عنصر منطقي .

- اذن حسب البحث أقول : إن الشعر لا يتصدى دراسة مظاهر التجربة الخارجية لا التجربة ذاتها ، كما يدرس العالم النفسى نتائج الغضب والانفعال والسرور على جسد الانسان ، وكما يدرس علماء الفيزيا آثار التيار الكهربائى من ضوء وحرارة وحركة - هكذا تدرس آثار التجربة الشعرية فى العالم الخارجى أى بعد انتقالها من جبين الشاعر الى الورق .

حسب رأيى كل الفنون نهيئ لها الزمان والمكان ، نتحكم في برامجها ، نضرب لها البداية ونحدد لها النهاية ، الا الشعر فهو يهزا بالحدود وهذه الهينمة الشاعرة لا تعرف موسما ولا موعدا مضروبا ، فكأنما هي فوق المواسم والمواعيد - وإن أراد أحد أن يتجاهل قيمة الشعر - فهذا من الخطاء لانه قضية من قضايا تراثنا - يتجدد ، يتطور ويتغير فى معانيه وصوره كما يتغير الزمن فنحس بشئ جديد ، هى المتعة الفنية والقدرة الخلاقة التى تنتج عنها مشاعر رفيعة ترتفع فوق كل الضرورات - تلك القدرة الفائقة التى يبنيها الشعر وهي كامنة فينا نحن ان اردنا القول.

إذن لمن نكتب الشعر ؟ إنه سؤال يطول حوله النقاش والشاعر في حد ذاته يتساءل لمن هذه الاشعار ؟ والقارئ يتساءل بدوره ما الفائدة منها ؟ ولماذا يتكاثر الشعراء ؟ يقول نزار القبانى : من نفس الكتاب ص - م :

لم اكتب الشعر لفئة من الناس روضوا خيالهم على تذوق الشعر وهيأتهم ثقافاتهم لهذا - إنى أكتب لاى انسان مثلى يشترك معي في الانسانية وتوجد بين خلايا عقله ، خلية تهتز للعاطفية الصافية ، وللوحات المزروعة وراء مدى الظن " هكذا يريد نزار أن يكون الفن ملكا لكل الناس - كالهواء وكالماء وكغناء العصافير يجب أن لا يحرم منه أحد

وإثر هذه الكتابة كانت لى وقفة مع الشاعر محمد المرزوقي وما دام صاحب شاعرية غني بشتى الافكار تحدث لى فقال :

- الشعراء قسمان : قسم " برعاجى " لا يهتم الا بنفسه فينظم الشعر طبقا لأحاسيسه ونوازع نفسه وهذا يمكن أن يقال فيه ينظم الشعر لنفسه ، لكن بالرغم من انطوائه ونظم اشعاره لخاصة ذاته ، فان ذلك لا يمنع بعض المعاني التخيلات الاجتماعية ، من التسرب الى شعره مستوحاة من البيئة التى يعيش فيما - والقسم الثاني - اندمج فى الوسط الذى يعيش فيه وتعمق فى شعبيته فاصبح مرآة لمجتمعه يحس باحساس شعبه ويتقمص نفس المشاعر التى يحملها ، فنظم ما يكتبه نتيجة لتلك المشاعر والاحساسات وهذا هو الشاعر الحق لأنه كانسان لا يمكن أن يعيش لنفسه فقط بل هو فرد من مجتمع يشمله ما أصابه من خير وشر وهذا هو الانسان الحق ، الطبيعى الذى عرفه ابن خلدون بقوله " الانسان مدنى بالطبع " فهو ينظم أشعاره ويستوحيها من وسط اجتماعى معبرا عن خواطر اجتماعية فى قوالب فنية يضفى عليها نصيبا من الجمال التعبيرى ومن خيال لامع وهو لا يكتفى بوصف ما رأى وما سمع بل يجتاز ذلك الى النقد والنصح والتوجيه بأسلوب جذاب يجعل لشعره وقعا في النفوس ، وأحيانا يمجد الفردية بينما فى ظروف أخرى يمجد الجماعية

- وأضيف الى هذا الكلام قولى : إن الشعر موهبة غير أن هذه الموهبة لا ثلبث أن تتحول عند صاحبها الى ممارسة ودراسة طويلة لتقاليد ومصطلحات موروثة فى تاريخ الفن ، والشعر ليس عملا سهلا ساذجا كما يعتقد كثير من الناس بل هو عمل معقد غاية التعقيد وحسب الدراسة تبدو كلمة الشاعر معناها العالم والشعر معناه العلم- والعلم كما هو معروف يدخل فى باب الصنائع وهو فضيلة تتغنى بالقيم الروحية المطلقة ، والشاعر يحس بكل جارحة من جوارحه فيسجل شعوره ويعبر عن غبطته وطربه ويبحث عن الحقيقة المثلى فى تنظيم أشعاره ويحاول أن يدرس أسرار الناس وغوامضه الذاتيه ويتوغل فى الاشياء الملموسة وان كان هذا الشاعر الحق يكتب لجميع الفئات فعليه أن يبحث عن المثل العليا وعن الحقيقة المطلقة وان لا يبقى جامدا أمام ما يذهله ويربكه ولا خاشعا أمام غوامض الحياة - والشعر من طبيعته -

( الانطلاق والتمرد ، ولا الاستسلام والاستكانة ( حتى يستمد شعره من المعرفة العليا ، كما قال " افلاطون " إن المعرفة " تصعد من المحسوس المعقول وتخضع الاولى للثانية " - وتتجلى المتعة الجمالية التى نحس بها عند قراءة الشعر ، هي فى انصراف الشاعر الى التأمل والمعرفة بكيفية التقاط الافكار المبتكرة التى تهزه وتهز القراء كي تكون اشعارة قوية ومتميزة فيها حافز لمضاعفة الجهد وتطوير القدرات الابداعية حتى يقيها من الجمود لتكون ذات

القيمة المضمونة ما دام ابن بيئته ولسان حال مجتمه - هذا الشاعر هو إنسان ذو موهبة خاصة تغدق عليه أشعارا تزخر بكثير من المعانى الانسانية تحفل بصور شتى ، من صور النفس فى مختلف أحوالها وشؤونها ، والشعر الذي يأتي على لسان حاله هو كلام ، قوامه العاطفة والخيال والموسيقى وهو غريزة تفجر ينابع موهبة اى انسان ذى حساسية مرهفة - اذن لمن يكتب هذا الانسان ؟ أحسب بصورة قطعية وأؤكد رغم أن الآراء اختلفت فى هذا القول . انه يكتب لذاته أولا يكتب ما يخالج نفسه من قلق وتشاؤم ثم بعد ذلك ينطلق نحو المجموعة التى تعيش حواليه ليعبر عن معاناة الفرد ، عن مشاغله ومشاكله فيصور لنا مختلف تقلبات الاوضاع الاجتماعية وقضايا الساعة - هو يكتب لجميع الطبقات ، للطبقة الشغيلة والمثقفة منها - لمن يفهمه ويستهويه شعره بما فيه من معان - ففي بعض المناقشات يجد السامع نفسه فى دوامة ، وتشغل باله قضية المفهوم ، الاتى

هل الشعر وظيفة ذاتية أم اجتماعية ؟ وهناك من يؤكد بأن وظيفة الشعر يجب أن تكون اجتماعية ولا شئ سوى ذلك - أقول ربما صحيح لان الفرد هو المجموعة ، والانسان لا يليق به أن ينسى ما يحيط به والشاعر كالمطرب والممثل يعيش لجمهوره - لكن من الخطا ، ان نرفض الوظيفة الذاتية لان الشاعر قبل كل شئ ينطلق من ذاته من المحيط الذى يعيش فيه ، من مشاكله لا هنالك دافع شخصية صادقة تنفجر من أعماقه فيكتب شعرا دون مسبق بحث عن أفكار أو معان - والشاعر قبل أن يرضى الناس ، يرضى نفسه وتكون صورة مما يكتبه ، ولكل منا ميزته الخاصة ومنهجه الذى يسلكه فى حياته وكتاباته - فالمطرب مثلا : نراه يتأثر بشاعر ما ، فيغنى له دون أن يجدد اشعار غيره - ولكل مطرب جمهوره الخاص الذى يهواه ويفضله عن الآخر لان المجتمع فى حد ذاته لا نراه فى صورة واحدة ، فهو ينقسم الى عدة اقسام - فمشاكله تتنوع وأحزانه تختلف وكذلك افراحه ولكل منا حساسية خاصة .

والشعر يؤدى وظيفة فى كل المراحل ويتطور ، وسنة الحياة هى التجديد فكم بودى ان تكون هذه المخطوطات زاخرة بمعان متينة حية وصور صادقة خالية من كل زيف ونفاق حتى يشعر باطمئنان نحو ما يقدمه ، معبرا عن حركة الواقع حتى يكون قادرا على الاحتفاظ بشاعريته الكامنة فى ذاته والارتباط بواقع المجتمع يستمد منه خلاصة الحياة ومن مشاكله اشعارا قادرة على السمو بذلك الواقع المستمد من البيئة التى يخوضها يوميا - فلا عجب إن لم نجد فيما يكتبه ما يطابق الواقع الانسانى

فمنذ الجاهلية نعرف أن الشعر ناتج عن شعور غريب يداهم صاحبه دون مسبق اعلام ويفرض وجوده ويحتل كل مكانة فى حياته - وأقول بانه فى بعض الاحيان يحرر أفكار الانسان ، ويتيح لكل فرد أن يرتاح الى نفسه لانه يكافح العنف عن حكمة جديدة ، فتتألف الافكار ويصور لنا الرقه والحرية والحساسية والحب ويجعل من المستقبل صورا شتى ، وهو ليس مجرد صدى لاحساسنا ولا مجرد تعبير عن مشاكل اجتماعية ولا أداة عمل خاصه للحياة الجماعية ، فهو أيضا يصور لنا ذاتيتنا الثقافية ولا غنى لنا عنه لانه صورة صادقة تنذر بعواقب سيئة او خلاف ذلك - تنذر بانتفاضات مفاجئه فى اى زمان ومكان ، فهو اذن مساعد ضرورى ان اردنا ما دام فنا من الفنون يقوم بمصلحة ما - وان كان البعض لا يعترف بما يكتبه - فلا بأس فهو لم يجبر أي انسان ان يقرأ ويفهم أشعاره هو لم يكتبها ليستجدى بها عطاء كما قال أبو القاسم الشابى "

شعري نفائة صدرى             إن جاش فيه شعورى

لا انظم الشعر أرجو           به رضاء الأمير

بمدحة أو رثاء                   تهدى لرب السرير

لا أقرض الشعر أبغى          به اقتناص نوال

والشعر فى نظرى كالسنما والمسرح تدرس مواضيعه وتنقد بقطع النظر عن صحابها واتجاهاتهم حتى نستنتج العلاقة الاخلاقية والفكرية المكتسبه من الجملة كل حسب نظرته ، لان كل واحد منهم ينصرف الى أحاسيسه الباطنية مهما كان نوعها سواء أكان ذلك تفاؤلا وسرورا أو تشاؤما وسخطا عل الوجود والناس ، وكل منهم يقع على مفاهيم جديدة تحدد ما يصبو اليه من قضايا اجتماعية تشغله طويلا فيسير فى الخط السوى الالتزامى الذي سطره لنفسه لان ذاك له احساس شديد بالقضايا الانسانية العادلة ، وفي نظري ماذا يجد الشاعر فيما يكتبه للطبقة الكادحة بما فيها من أبطال ما يجديه أن يمدحهم ؟ هل تتغير حاله هذه أو تلك ؟ وهل تنقلب الاوضاع ؛

للكادحين ولهم خاصة - أقول أجل ، أنت يا من تريد أن يكون الشعر للكادحين ولهم خاصة - أقد لك : ان الشعر ليس بأداة حرب ولو نزل الى الميدان بما فيه القديم والحديث لتحرر السجين وساد السلام فى أنحاء العالم - اذن لا نستطيع أن نحكم على الشاعر أن يكتب لهذا أو لذاك بل علينا أن نقول له بأن يكون شاعرا طبيعيا فى مواقفه العاطفية والاجتماعية - هناك من يقول بأن هذا الشاعر أنانى

والآخر عاجز لان شعره غامض - بكل صراحة هذا خطأ لأن المجتمع ينتمي الى طبقات وهناك من يحبذ الغموض لانه يجد لذة فى التعمق والبحث كى يخرج منه بنتيجة ما - والآخر يفضل اللغة السهلة والعبارة الواضحه والتصوير البسيط ، كما يفضل صنف من الجمهور الاغاني الشعبية . والشاعر في حد ذاته يختلف عن الاخر . فهذا يندفع فى وصف الواقع كما هو بعيدا عن التكلف بطريقة فردية من نوعها ، بسيطة حتى ينأى عن الذوق والآخر تراه أكثر منه ابداعا وموهبة ومعرفة بفنون القول كى لا يكون شعره ضعيفا ركيكا وهذه الموهبة هى التى دفعت بالشاعر الى معرفة قوانين هذا الكون وسنن الطبيعة فهو لا يعتصر الشعر او يتطلبه ، لكنه يتولد فى نفسه ثم ينبجس على لسانه فى أية ساعة ، فيسافر بخياله ويترك أفكاره لعفو الخاطر ومحض المصادفة اذن لا تطلب من الشاعر أن يمدنا بحقائق كالحقائق العلمية

فهو من باب الصنائع ووسيلة لغاية ما - فلو نعود بخطوات الى الوراء ،أيام ابن هاني الاندلسي وابن دراج القسطلى واحمد بن شهيد ، ونرى كيف اتخذ الشعراء فى القديم ، الشعر وسيلة للتقرب الى الحكام وكبار القوم بمدحهم ووصف مجالسهم وقصورهم ومعالم الحضارة فى بلادهم حتى كان الشعر طريقة الى الثراء والجاه والنفوذ بفضل لسان الشاعر . يلهج بما يختلج فى فؤاده نتيجة تلك الروح الشاعرية الموهوبة المتأملة فى نفسه - فكلما تذوقنا الشعر وأحسسنا بأننا فى حاجة اليه فهمنا بأنه تعبير جميل عن الشعور الصادق يجرى كالدم فى جسم صاحبه فينطلق هذا الاخير يصدر عنه الشعر دون تكلف لانه فى الحقيقة موهبة طليقة تجتاز المستحيل فى بعض الاحيان . والشاعر الحق هو الذي يعبر عن الشعر تعبيرا حرا وصادقا فيه دقة الوصف حتى تكون قصائده ناطقة فى تلمسها المشاعر الحقيقية غير المزيفة ويبتعد عن الثرثرة اللفظية والتقليد والابتذال - استمع الى " محمود البارودى(* )

يقول :

- الشعر ديوان أخلاق يلوح به             ما خطه الفكر من بحث وتنقير

كم شاد مجدا ، وكم أودى بمنقبة            رفعا وخفضا بمرجو ومحذور

- فالشاعر في نظري قبل أن يكون صاحب رسالة قومية هو ابن الحياة كأنها الناس ، يعبر أولا عن ذاته وعن ظروفه ثم عن خبايا الانسان وسر العالم والكون ، والشعر قبل ان يكون ترفهة هو ضرورة هامة لتوسيع مدارك القارئ حتى يتيح له وضوح الرؤية ويدفعه الى التعمق والتطور وقد قال : نظمى خليل عندما نظر في شعر أبى القاسم الشابى

- كل انسان له فى هذا العالم رسالة يؤديها ورسالة الشاعر أسمى الرسالات فهي رسالة العالم الاسمى للعالم الارضى وما الشاعر الا رسول امن يحمل هذه الرسالة - فهو الشخص الوحيد الذى يتصل بالعالمين عالم السماء بروحه واحساسه وعالم الارض بجسمه ومادته " فبودلير ينصح الشاعر بالبعد عن كل نزعة عاطفية ذاتية والانصراف الى المخيلة الناصعة التى تستطيع فى رأيه ان تنهض بواجبات لا تقوى عليها العاطفة كما يقول فى احدى رسائله : انه يعتمد أن تكون أعماله الادبية غير شخصية ، أى تكون قادرة على التعبير عن كل الاحوال الوجدانية التى يمكن ان يحس بها الانسان والاحوال المتطرفة منها بوجه خاص والشعر لا يكون شعرا بحق حتى يثبت مقدرته على ان يضع القلب فى حالة حياد - انظر ما قاله " الدكتور عبد الغفار مكاوى "

الشاعر يكتب لجميع الناس يرضى بعضهم ويسخط بعضهم والشعر فى صميمه يؤكد قيمة العالم وجدارة الحياة وتجربة الانسان - والشعر فى صميمه احتفال وثناء ، عبد وغناء - بهجته ليست مجرد لذة - شكواه ليست مجرد بكاء بأسه ليس مجرد قنوط واستسلام

الشعر نظام حتى ولو عبر عن الاضطرابات والظلام الشعر أمل حتى ولو صرح من اليأس " .

الى حد الآن لم أقتنع وتساءلت ما قول القارىء فى الغموض ؟ فى الشاعر الذي يبتعد عن المواضيع السياسية ؟ وبدت لى هذه القضية عظيمة تستحق لدرس طويلا حتى يقتنع الجميع - فالتقيت مع الاستاذ رياض المرزوقي تحدث لي فقال :

1) قضية الشعر الذاتي قضية زائفة ، فكل الشعراء يكتبون من ذاتهم ويوجهون كتاباتهم الى ذاتهم ، ولكن ذاتهم هذه هي فى واقع الامر جزء من بيئة تفرض نفسها ، بيئة لها مقومات وخصائص ومميزات من حيث المجتمع والاقتصاد ، والسياسة ومن حيث النظريات والمعتقدات ومن حيث المناخ الفكرى والثقافى ، والشاعر بالضرورة يعبر عن هذه البيئة

2 ) وممثل هذه القضية فى الزيف قضية المضمون والشكل ، فهل فى مكان الشاعر مثلا ان يكتب شكلا فقط ، فحتى جماعة ( البرناسيين ) وأهل ( الفن للفن ) لهم مضمون وإن مختلف التقسيمات : الشعر يصدر عن العقل أو العاطفة أو عنهما معا ، أو عن الخيال . الخ ، ليست سوى تقسيمات خارجية شكلية تنسى ماهية الشعر ، وتهمل انتماءه الى الانسان بكل جوانبه فى تعددها وتناقضها وتمزقها وصراعها

3 ) الغموض مسألة نسبية ، فاذا كنا نعنى بها الرمز قصدنا اتجاها قائم الذات يتوجه إلى جمهور معين لا يكون بصفة حتمية عموم جمهور القراء ، أو المتذوقين ، واذا كنا نعنى ما تفشى فى الاشعار الحديثة وخصوصا أشعار الشبان من التواء ، وانعدام للتصريح فذلك له أسباب عدة أهمها العجز عن التعبير ، فمن لا يملك القدرة اللغوية ، ولا يكون ما يريد التعبير عنه واضحا فى ذهنه ، لا يمكن أن يوصل المعنى بصفة سليمة الى القارىء ، كما ان بعض الشعراء في الشرق والغرب مرضى بأدواءمنها عقدة الاضطهاد ، والرغبة فى التمثيل - في تمثيل أدوار الطلبة - ورأى فى القضية :

لست سوى محب

عبر عن شعوره البسيط

بأبسط الكلام ! "

4) السياسة ، يقول رياض المرزوفى هى آفة العصر الحديث ، فكل شئ " تسييس " ، وعلى من يتخذ موقفا سياسيا أن يضطلع بمسؤولية الكلمة " و ألا يخشى فى الحق لومة لائم " ، فمن السهل أن نصيح عندما نامن . أو نحمل السلاح فى الصالونات الوردية أو فى مقاهى شارع باريس ، ومن اليسير أن نلصق شتى النعوت بمن لا يجرى مجرانا ، وان نقسم الناس الى رجعيين و " ثوريين تقدميين " ، ومن أصعب الصعاب أن نحمل على كاهلنا نقل الحرف

" لأننا نعلن ما نكتب دون أى لبس

لأننا أشعارنا واضحة كالشمس

نعتونا بالرجعية "

ضحوا بنا على مذابح " الثورية "

" قولوا عنى ما تبغون .

رجعى قلق مجنون

ما تحكون

اهون من موت الاستقرار "

ثم إن الشعر السياسي - اذا أريد له أن يلعب دورا - تحتم أن يكون مباشرا لا التواء فيه ، ولنا فى الشاعر المصرى أحمد فؤاد نجم مثال واى مثال 5) والشعراء كثيرون ، ولكنهم عند القتال " قليلون " ، فقد اختلطت اليوم مفاهيم الشعر ، وأصبح ترصيف كلام وأي كلام ، أو هذيان ، أو سب وشتم شعرا :

" تضحكنى ثرثرة الشعراء

يضحكنى الطعن فى الخلف

تضحكنى أوراق اللف

تعد قصائد عصماء

وقضية جدوى الشعر بل جدوى الادب بسطت عدة مرات ورأى بعضهم فى الشعر آنية زهر ، ورأى آخرون فيه بندقية - والجواب أبسط من هذا فقول الشعر للشاعر أمر حيوى ، كالأكل ، والشرب ، والتنفس ، ولكنه يختلف عند القراء حسب اختلاف انتماءاتهم ، ومشاغلهم يمكن أن نجد فيه ما نجد فى فن الرسم والنحت من تسام وتذوق ، وانصهار ، ويمكن أن نرى فيه اداة لاثارة الافكار والقضايا ، ويمكن ان نعتبره عنصرا من عناصر الشخصية الثقافية والتراثية للامة ، ورأي أنه كحجارة المعالم الاثرية ، أو اللون البراق لسيارة جديدة ، أو نبضة فرح ، جزء في حياة الانسان الوحدانية والذوقية والذهنية ، ومقومة من مقومات الحضارة البشرية

والكتابة تكون للحميع او لا تكون ، لكن على الجميع التسلح بالثقافة ، والادراك والذوق لفهم الشعر وقبوله :

الحرف عذاب ومصيرى

وصراطى يعبر بسطورى

وشعورى

ينزف فى هذى الاشعار ! "

وأخيرا أقول بأن الشعر ليس بفلسفة ولا الشاعر بفيلسوف . لمن نكتب الشعر ؟ هي قضية النقاش فيها حاد ومثير ، ولكل رايه أما أنا فقد أبديت رأيي ببحث بسيط فى هذا الموضوع وعلى ما اظن يلمحات كانت مقنعة ، الجواب عن هذا السؤال واضح تماما

اشترك في نشرتنا البريدية