افتتح الاستاذ محمد مزالى الوزير الاول والامين العام للحزب يوم 20 اكتوبر من سنة 1983 - المؤتمر الثانى لوزراء التعليم العالى العرب الذى انعقد بمدينة الحمامات تحت اشراف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم . وقد ألقى الاستاذ محمد مزالى بهذه المناسبة كلمة قيمة ضمنها - باعتبار تجربته فى هذا المجال كأستاذ أولا ثم كوزير للتربية فى فترات متلاحقة ثانيا - من الابعاد الحضارية والمفاهيم المصيرية ما جعلها وثيقة عمل استنار بها المؤتمرون وما يزالون نظرا لما حوته من أفكار وآراء أدى اليها الغوص وأعثر عليها عمق التجربة . الفكر
حسن الطالع :
انه لشرف كبير ينالنى بالدعوة التى تفضل صديقى وأخى الدكتور محيى الدين صابر بتوجيهها الى باسمكم لافتتاح هذا المؤتمر الثانى . وأود أن أرحب بكم باسم المجاهد الاكبر الرئيس الحبيب بورقيبة رئيس الجمهورية التونسية وباسم الحكومة والشعب التونسى راجيا لكم جميعا اقامة طيبة ومتمنيا لكم التوفيق والنجاح فى درس المسائل الهامة المدرجة فى جدول أعمال مؤتمركم . وانه لمن حسن الطالع أن تشاء الصدف فيزورنا فى نفس هذا اليوم الأخ العزيز والصديق الكبير صاحب السمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفه رئيس حكومة دولة البحرية الشقيق والذى تفضل بقبول الدعوة ومصاحبتى اليكم لحضور هذا الاجتماع معكم ، ولا يسعنى الا أن أضم صوتى الى صوت الدكتور محيى الدين صابر لشكره والتعبير له باسمكم عن مدى اعتزازنا بوجوده وصحبه الكرام بيننا هذا اليوم . كما يطيب لى أن أشكر ايضا - وبصفة
شخصية - الدكتور محيى الدين صابر المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم العتيدة على كلمته اللطيفة التى استوحاها من حسن ظنه بى وما هى الا موجهة الى الشعب التونسى والى المسؤولين التونسيين الذين هم معتزون بوجود هذه المنظمة ، وأعنى - المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم فى ديارهم وبين ظهرانيهم والذين يؤدون الواجب كأحسن ما يكون لا يجاد المناخ الملائم وتوفير أسباب العمل المفيد لهذه المنظمة التى نحن من مؤسسيها والمؤمنين برسالتها وبخطير دورها ودقيق وظيفتها فى النهوض بالتعليم العالى والتربية والثقافة والعلوم فى كافة أنحاء العالم العربى .
تجربة وايمان :
وإنى استسمحكم الكلمة لاخاطبكم بايجاز لا بوصفى وزيرا أول فقط ، بل بوصفى زميلا لكم سبق له أن اضطلع بمسؤولية التربية القومية والتعليم العالى سنوات وفى فترات متلاحقة ، واعتز أنى تزاملت مع الكثير منكم وبأنى دائب الاتصال بكم وبزلائكم بحكم اختصاصى فى هذا الميدان وبحكم ايمانى الشخصى بأهمية التربية فى دعم مسيرة الامة العربية حضاريا ، ذلك أن الحضارة سبب رئيسى من أسباب مناعة الأمة ، والمناعة معنوية قبل أن تكون مادية أو عسكرية ، وانها لحضارية قبل أن تكون سياسية وما ظنى - اذن - الا أن كل مؤمن بالأمة العربية وبمستقبلها لا يكون الا مؤمنا بأهمية التربية والتعليم بصفة عامة ، وبأهمية التعليم العالى والبحث العلمى بصفة خاصة .
انفجار كمى
ولا يسعنى بهذه المناسبة الا أن أقول ، بل أسجل بكل ارتياح واعتزاز التقدم العظيم الذى حققه العرب فى العشرية المنقضية فيما يتعلق بانتشار التعليم وتنويعه فى المرحلتين الابتدائية والثانوية ثم فى المرحلة العالية ، وهناك ما يسمى فى لغة المربين بـ (( الانفجار التربوى )) أو (( الانفجار التعليمى )) من حيث الكم على الاقل باعتبار عدد المدارس والكليات والمعاهد ، ذلك العدد الذى ما ينفك يتكاثر بتعدد المعاهد العليا التى تؤسس فى كل بلد وفى مختلف الشعب التربوية وهو ما يمكن التدليل عليه بالأرقام . واذا اتخذت الجمهورية التونسية مثالا أمكن التأكيد على أن هذا الانفجار المدرسى قد بلغ مستويات كبيرة اذ أن هناك اليوم تونسيا من بين أربعة يوجد فى المدارس وأن نسبة
تعميم التعليم على الفتيات والفتيان فى بلادنا قد تجاوز - على صعيد المرحلة الابتدائية الـ 85 بالمائة . وقد تحققت هذه النتيجة خلال أقل من جيل ، أى أثناء حوالى 25 سنة ، ولعمرى ان هذا ليس بصدفة ، بل انه نتاج عمل ارادى وثمرة عزيمة سياسية ، ناهيك أن أكثر من 30 بالمائة من ميزانية الدولة مخصص للتعليم والتربية وذلك على حساب ميادين أخرى اذ نحن راهنا على الانسان فخصصنا لتكوين الشباب التونسى فى التعليم بكل درجاته أكثر من ثلث الميزانية وحوالى 8 بالمائة من الدخل القومى الخام . والوثائق الدولية شاهدة على ذلك .
أما بخصوص التعليم العالى ، فقد تجاوز عدد الطلبة فى الجمهورية التونسية 40 ألفا ، وبعثت المدارس وكليات الهندسة والطب والعلوم والتقنيات فى كل منطقة من مناطق البلاد .
لندعم الكيف ونتخلص من التبعية :
ولعل الذى مازال يحتاج الى مزيد الدعم هو ما يجب رصده من اعتمادات للبحث العلمى حتى تستطيع الجامعة والمعاهد العليا القيام بواجباتها وحتى يكون التعليم العالى وسيلة خلق وابتكار وانتاج جديد لا مجرد ترديد واعادة لما اكتشفه غيرنا أو ما سبق أن نشر . فلابد أن يكون الدرس فى التعليم العالى عبارة عن خلق - بل خلقا - من لدن الأستاذ وأن يكون اضافة وفتحا جديدين لا مجرد تلقين واعادة سرد ، وانا لعازمون بحول الله على بذل هذا المجهود لأننا نؤمن بأن مصير بلادنا ومصير الأمة العربية مرتبط الى حد بعيد لا بضخامة العدد فقط ، بل بمستوى الاطارات العليا التى تمثل (( المادة الشخمة )) . وعليه ينبغى اذن أن يبلغ الانسان العربى أرفع مدارج العلم والمعرفة وأن يصبح - نفسانيا وحضاريا - قادرا على الانتاج ، مقتدرا على الخلق والنظر الى الواقع بعين وطنية ومن منطلق الأصالة والتجذر .
نجاعة التكوين فى تلاؤه مع المحيط :
وقد نشأت عن هذا التوسع الكمى هنا وهناك فى العالم العربى وعن هذه الانتصارات العجيبة العظيمة التى نعتز بها ، مضاعفات عديدة منها ما ليس مستعصيا عن الحل اذ علينا أن ندركها ونعرفها ونشخصها . ومن بين هذه
المضاعفات نذكر مثلا عدم التلاؤم بين التكوين وحاجات المجتمع ، أو ما يسمى فى لغة الاقتصاديين بـ (( سوق الشغل )) . فملامح الاطارات العليا التى نكونها سنويا لا تتلاءم ولا تتطابق وحاجات المجتمع ولا تنسجم معها لا كما ولا كيفا فى بعض الاحيان . فهناك مثلا عدد كبير من الخريجين فى الآداب ومن المبرزين فى شرح المعلقات وتحليل الخصومة بين مدرسة الكوفة ومدرسة البصرة فى النحو والفروق بين المذاهب والملل والنحل . بيد أن هذا العدد الكبير وهذا الاختصاص الذى نحتاج اليه ولا نستغنى عنه ، قد لا يجد الشغل فى الكليات ولا فى المدارس الثانوية ، لأن الشباب متجه بحكم حاجات العصر الى التقنيات والى العلوم والى الهندسة . وهكذا يتجلى واضحا أن القضية الكبرى تتمثل فى ايجاد التلاؤم بين التعليم فى حد ذاته ، وبالخصوص البحث العلمى التطبيقى ، وبين الواقع الاقتصادى أو ما نسميه - فى تونس - بالمحيط الاقتصادى واجتماعى .
وانى، وأنا أتحدث عن تونس ، فلمعرفتى بها ربما أكثر من معرفتى لأقطار شقيقة أخرى . فليس هناك تراشح أو تكامل كافيان بين التكوين وبين حاجات المجتمع . ولئن كان التكامل موجودا فانه لم يبلغ الدرجة المثالية وذلك هو الشأن مثلا فى تدريس الكيمياء أو بعض فروع الهندسة أو حتى الطب أحيانا ، أو في ميدان الفسفاط والصناعات الكيميائية اليوم ، فى حين أننا سوف نحتاج فى الغد الى عشرات ، وربما الى مئات من الاختصاصات فى مختلف الدرجات . وانا لعاملون اليوم وساعون بفضل وعى أساتذتنا وعمداء الجامعات والكليات الى ايجاد حوار ترتيبى أفقى متواصل حتى نضبط حاجاتنا ونعرف الطرف الذى سيكون والطرف الذى سيشغل ويستوعب ، بل ربما دعتنا الحاجة - وهذا قلته منذ سنوات وكتبته قبل أكثر من عشرة أعوام - الى مراجعة التعليم ومناهج مراجعة جذرية بحيث يساهم المختصون فى الصناعات الكيميائية أو فى النسيج أو فى الكهرباء أو فى أى اختصاص آخر حتى فى وضع البرامج واقرار المناهج ويساهم الطلبة والاساتذة فى الانتاج أثناء الدراسة حتى يكون الطالب والاستاذ مؤهلين ، مكونين متمازجين مع البيئة الاقتصادية والاجتماعية التى سوف يعملون فيها وينتسبون اليها حال تخرجهم من الجامعة .
انه مشكل على غاية من الأهمية حملنى يوم خاطبت الاساتذة الأجلاء فى الجامعة التونسية بمناسبة الاحتفال بالذكرى الخامسة والعشرين لتأسيسها على أن أدعوهم الى تخصيص السنوات التى مازالت تفصلنا عن عام الفين لايجاد المصالحة بين الجامعة وبين المحيط الاقتصادى والاجتماعى الذى هو حولها . وقد
حظيت هذه المصالحة بالنجاح فى أقطار أخرى ، فما ذلك بمستعص علينا ولا هو فوق امكاناتنا وانما يقتضى عزيمة سياسية فى كل المستويات ويتطلب صفة بتحلى بها العلماء الاجلاء وهى صفة التواضع والتسامح وقبول الحوار والقدرة على ممارسته . أما اذا بقى كل واحد يعمل فى برجه العاجى - ولو من دون صلف وفى كنف التواضع معتقدا أنه لا يحتاج الى غيره ولا يصغى الى همسات العصر ولا الى طلبات المحيط - فان القطيعة تبقى بالطبع على حالها . ويكون الطلبة ضحيتها ، وبالتابع قوة الأمة العربية ومناعتها والأقطار العربية وازدهارها .
ومن أسباب التشرذم أنا لا نزال تلامذة :
وهناك ما يمكن أن نسميه نوعا من التشرذم فى كلياتنا وفى جامعاتنا - على مستوى الأمة العربية - لأن الكثير منها نشأ تاريخيا بنوع من البنية الأجنبية سواء كانت انقليزية أو فرنسية أو ايطالية أو امريكية أو روسية ، أى أنها غالبا ما تكونت بالاستناد الى نموذج والى قالب والى مثل أعلى فى التعليم أو فى اللغة أو فى المناهج مستورد . وليس هذا بدعة ولا مما يستغرب وانما الذى يستغرب أننا لا نزال فى بعض الاحيان تلامذة وربما أتباعا للغير . فهلا حان الوقت - وأنا لا أتكلم الآن فى مستوى الوزراء والسياسيين بل أتكلم فى مستوى الجامعيين - لنتخلص من ضروب التبعية تلك ، وأن ننظر الى الأمور نظرة وطنية وأن نجمع كلمتنا ونتحرر عقلانيا ونعيد النظر فى برامج التعليم وبالخصوص بالنسبة للعلوم الانسانية من تاريخ وفلسفة وآداب الخ ... لأن تعليم الآداب وتلقين العلوم الانسانية ليس مجردا ولا موضوعيا ، ولا يمكن أن يكون مقطوعا عن محيط وأجواء سياسية وحضارية . فالتاريخ مثلا يكيف الاجيال وله أن يخلص الشباب من المركبات . وبقدر ما نوفق فى صنع المناهج ووضعها لتعليم التاريخ مثلا ، فاننا نساهم فى بناء أجيال عربية أصيلة مسلمة مستقلة ذاتيا وعقليا حتى تحافظ على الاستقلال السياسى الذى ناضلت أجيال من أجله ، وضحينا أثناء الكفاح التحريرى فى سبيله بالآف من الشهداء حتى تستقل الامة العربية وتقضى على الاستعمار . فكما قضينا على ذلك الاستعمار السياسى الواضح ، علينا أن نقضى على الاستعمار المستتر فى ثنايا العقل وفى خفايا القلب والمشاعر . وحتى نقف على أقدامنا ونرفع رؤوسنا وننظر الى الغير والى الخارج نظرة الند للند ينبغى علينا أن نبنى علاقاتنا مع هؤلاء على أساس جدل الأخذ والعطاء ، لا على أساس التتلمذ فى اتجاه واحد .
الابتكار ممكن بتوفر المناخ الملائم
من هنا جاءت النظرة الى العلوم والتكنولوجيا . وليست القضية قضية تحويل فقط ، بل يجب أن نطمح الى اكثر من ذلك وأن ننطلق من ضرورة خلق العلوم وابتكار التكنولوجيا ، ويكون ذلك طبعا بالتتلمذ وبتكوين شباب كفء مع العمل على التلاؤم وحاجات المجتمع . فما يصلح فى زمان أو فى مكان لا يصلح بالضرورة فى مكان آخر ، خاصة وأن التعليم الجامعى ليس دائما تعليما موضوعيا ، فالكثير من الكتل والعمالقة السياسيين أو العسكريين ، اذ يعلمون ويكونون ، لا يزهدون فى امكانية تكوين عناصر موالية لهم عقائديا أو تدين لهم بالولاء حضاريا .
ثم اننا نحن معشر وزراء التعليم والمسؤولين السياسيين - وأعلم أن وزراء التعليم العالى ليسوا مسؤولين وحدهم ، بل ان المسؤولية ترجع الى كافة الحكومات - مطالبون بايجاد مناخ قوامه الحرية والتلقائية والتسامح فى مستوى الكليات والجامعات ، اذ أن أستاذ التعليم العالى والبحث العلمى فى الكلية والجامعة كالنبتة المباركة لا يمكن أن تنبت وتينع وتؤتى ثمارها الا فى ظروف معينة . فكما أن النبتة تحتاج الى الماء والى الاوكسيجان والى الاسمدة ، فان الباحث والعالم وأستاذ الجامعة يحتاجون الى الحرية . ولا يمكن أبدا أن نتصور (( مادة شخصماء )) وأطرا عليا خلاقين مبدعين - وأقولها من موقع مسؤوليتى - الا إذا اطمان رجال الجامعة على حريتهم وتمتعوا بحد أدنى من الاستقلال فى وضع البرامج وفي التعبير وفي الاجتهاد أما وأن تفرض عليهم أمور ، أو أن يسخروا لقضية من القضايا ، فان النتيجة تكون العقم أو على الاقل ، تواضع النتائج والبحوث في العالم العربى . بينما يبتكر العرب ان هم هاجرت أجسادهم وعقولهم الى جامعات أجنبية ويصلون الى مستوى جوائز نوبل وغيرها من الجوائز العالمية . ان الشخص نفسه فى العالم العربى وفى العالم الثالث بصفة عامة يذبل كما تذبل الشجرة المحرومة من الاوكسيجان أو الماء حتى اذا فر بحريته وكرامته وهاجر واستوعبته جامعات أجنبية - ولا أذكر لكم على ذلك أمثلة ، لانكم لا شك تعلمونها - انتعش وانكب على البحث بنشاط ضمن فريق فى الكيمياء أو فى الطب أو فى مجال العلوم الانسانية وتألق نجمه فأصبح من المبدعين اللامعين الذين يشار اليهم بالبنان . فما السبب ؟
السبب أننا فى غالب بلداننا - وأقول هذا بكل صراحة - نحاول أن نسيطر على الجامعة باعتبارها موقعا مهما . كلا ، فلابد أن تكون ثقتنا بالجامعة تامة وأن
نعتمد على الباحثين والعلماء والاساتذة بوصفهم وطنيين فاذا كان الواحد منهم وطنيا مخلصا اجتهد كما يشاء وتوسع فى البحث كما يريد . فليس هناك قوة أو عصمة سياسية أو علمية منزلة تستطيع توجيه هذا العالم أو ذاك ، فى هذا الاتجاه أو فى غيره ، هذا هو الذوق السليم ، وهذا ما يجب أن نصارح به أنفسنا ان نحن أردنا فعلا أن ننهض بالانسان العربى . فلا تكون النهضة العربية المرتقبة المرتجاة الا اذا أشعت الجامعة وتألق نجم رجالها وكانوا روادا خلاقين ، وكانوا فى المقدمة متبوعين لا تابعين .
هذه هى البديهيات التى يجب أن نتصارح للصدع بها ، ونحن نرجو من قادتنا السياسيين أن يتفهموا ذلك وأن يكونوا أبرارا بالجامعة متفهمين لرجالها ومشجعين اياهم ومتسامحين معهم .
حبذا (( بيوت بحث )) أسوة بالسلف :
ان جدول أعمالكم زاخر بالمواضيع الحية ، وقد تفضل الأخ رئيس المؤتمر بذكر بعضها ، وتفضل الأخ المدير العام للمنظمة الدكتور محيى الدين صابر بعرض بعضها الآخر . وأنا أضم صوتى الى ما قاله الزميلان المحترمان ، فحبذا لو أنشئت هذه المؤسسة الجامعية الكبرى للبحث فعلا ، بل لعلنا محتاجون الى مؤسستين أو ثلاث باعتبار المناطق الجغرافية ، وذلك أسوة بدار الحكمة فى بغداد وبيت الحكمة فى القيروان . لقد كانت دار الحكمة فى عهد المأمون - أواخر القرن الثانى ومطلع القرن الثالث للهجرة - ملتقى العلماء والفلاسفة والمفكرين الذين أقبلوا أيما اقبال على علوم اليونان والروم والهند والفرس وأفكارهم فترجموا وأبدعوا . وقد تمتعوا فى عهد المأمون خاصة بالحرية والتسامح . ثم لما انقلبت الامور وأفل نجم الاجتهاد وضعفت الجرأة فى البحث وقضى على المعتزلة من يوم أن اعتلى المتوكل العرش العباسى فى عام 218 ه ، تراجع الفكر العربى الاسلامى وبدأ فى الانحسار كما يدرك ذلك الناظر فى تاريخه . فهذه المؤسسات تستطيع أن تكون بيوت حكمة لاستيعاب العلوم وهضمها تمهيدا للخلق والتجديد .
هذه جملة من الافكار صارحتكم بها لأننى بقدر ما اعتز بالتوسع المدرسى وبالانجازات الجامعية والبنايات والمخابر والكليات وعدد الجامعيين فاننى أتألم لأننا لم نستطع بفضل هذه الوسائل المالية والبشرية المتاحة من القفز قفزة تاريخية وعملاقة من حيث الكيف والبحث العلمى وأصالة الثقافة والفكر
العربيين ، ومن حيث استبقاء الادمغة وايقاف تيار الهجرة الفاحشة غير المقبولة التى تجعل خيرة أطبائنا وباحثينا وعلمائنا يتركون وطنهم بحثا عن الهواء النقى والحرية والظروف الملائمة للعمل . فتدبروا أيها الزملاء والاخوة الاعزاء فى بعض هذه القضايا ، وعسى أن نضم جهودنا بعضها الى بعض فيعى أولو الأمر منا والرأى العام عندنا ضرورة اعطاء الجامعات والتعليم العالى والبحث العلمى المنزلة المستحقة .
هذا نداء ، وليس كلمة بروتوكولية أو ترديدا لعبارات تقليدية . انه نابع من القلب وصادر عن زميل قديم جديد ، وعن مرب يؤمن بمصير الأمة العربية ، ويعتقد أن ما تردت فيه اليوم ليس قضاء وقدرا ، انما هو نتيجة لقصورنا وتقصيرنا ، وأنه اذا صح منا العزم وتجاسرنا على تشخيص الداء واهتدينا الى الدواء وتحمسنا واستبقينا حماس الشباب فى عروقنا وفى مهجنا ، استطعنا أن نؤدى لأمتنا المجيدة أجل الخدمات ونطرق أبواب القرن الواحد والعشرين وندخلها من الباب الكبير ، ونكون بذلك قد أرضينا ضمائرنا وكنا فى مستوى أمال الأجيال الصاعدة فليسدد الله خطاكم وليعنكم .

