مضت اربع سنوات منذ ان تولى الاستاذ محمد مزالى الوزارة الاولى ويحق للكثيرين فى تونس وفى غير تونس ، ان يتساءلوا عن حصيلة هذه التجربة ، وعن تصورات الرجل فى المرحلة القادمة ، بعد ان اعلن الرئيس الحبيب بورقيبة مجددا ثقته التامة فى وزيره الاول وفى كل الاعمال التى انجزها ودعا اليها ، وبخاصة مشروع الديموقراطية الجرئ والاعلان عن تعدد الاحزاب .
ان الحوار (*) مع محمد مزالى يقتضى دائما ، التنوع والشمول ، فاننا بازاء مفكر وكاتب كبير ، عرفته الساحة الثقافية العربية على مدى ثلاثين سنة ، من خلال مجلته (( الفكر )) ومن خلال الصحف والدوريات والمجلات ، ومن خلال كتبه الكثيرة ذات الموضوعات الفكرية والاجتماعية والسياسية والادبية ، ويمكن باجمال القول : انه رجل ذو فلسفة متناسقة معينة ظل يطرحها منذ فترة بعيدة ، واستطاع الدفاع عنها دائما بنجاح ، ولم تزده تجارب الايام خارج الحكم وداخله الا اصرارا واقتناعا بمفرداتها واطروحاتها .
ومن اجل ذلك فقد كان حوارنا معه متعدد الابعاد والاتجاهات ، شمل السياسة وتجربة الحكم ، وعلاقة المفكر بالسلطة ، والديموقراطية ، ومفهومها ومبرراتها فى تونس وغير تونس ، وطبيعة العلاقة التى تحكم سياسة حكومته مع الاشقاء العرب فى المشرق والمغرب ، وصولا الى تحديد موقفه الفكرى والسياسى من انواع الوحدة الداخلية التى ظهرت بالخليج العربى وحوض
ولسنا نريد حصرها فى ميدان دون آخر او قصرها على فئة دون غيرها فهى كل متماسك اذا اصابها الضيم فى ميدان او شخص او فريق ، فانما تكون حينذاك مهددة فى وجودها وجوهرها واساسها . وعبرت وقتها عن ضرورة تكييف حياتنا الاجتماعية والسياسية وفق المبادىء الانسانية التى اقرتها التجربة وحكم لها التاريخ ، فنزيل عن الامة ما كانت تقاسيه من عسف ، وننزع بها الى الانشاء والخلق فى مأمن من الفوضى والالتباس ، وليس يحفظ الحرية ويقيم النظام غير الديموقراطية . ولا يسعنى فى هذا السياق الا ان اجيب الذين ترتعد فرائصهم لمجرد سماع مصطلح الديموقراطية ، بان الديموقراطية تعلم وتلقين . ومن حق شعوبنا اليوم - وقد بلغت من النضح والرشاد مبلغا - ان تباشر امكانياتها ومقومات سيادتها بكل حرية ومسؤولية . ولنتيقن جميعا ان الديموقراطية هى المنهج الوحيد المستجيب لاتجاه حركة التاريخ ، وما عداها فمناهج مهزوزة زائلة .
وواصلت التعبير عن هذا المنحى الراسخ لدى ، فكتبت فى فترة لاحقة بمجلة الفكر ايضا افتتاحية عنونتها (( الحرية الحق )) اكدت فيها انذاك ان للحرية جانبين هما كصفحة ورقة بيضاء ، لا سبيل الى الفصل بينهما . فهى حق مقدس وواجب اكيد : مظهران لماهية واحدة وجوهر واحد اذا فقد احدهما او اختل التوازن بينهما ، انقلبت الحرية فوضى وآلت الى الاستبداد ، وفى كلتا الحالتين يهزم الانسان .
ومن هنا يترسخ لدى اكثر فاكثر ما عبرت عنه في اواخر الستينات من ان الديموقراطية بناء متواصل وعمل لا ينتهى ، والحرية انجاز ذاتى ووعى وترشد والانتخاب تعهد وتذكير ، والانسان المواطن هو المسؤول فى آخر الامر عن نفسه وعن مجتمعه ، على قدر مستواه وسعيه لرفع مستواه ، وعلى قدر علو همته ورفعته الاخلاقية تكون الديموقراطية والحرية ويكون المجتمع المتحضر .
ولا أظن المفكرين العرب : ادباء وفلاسفة وعلماء اجتماع وغيرهم .. الا متتبعين لتجربتنا على اساس هذا التوجه الذى ما نزال فى العالم الثالث - والعالم العربى جزء منه - نخشاه ونعتبره سابقا لأوانه ، حتى اضحى فى مقدمة مطالب هؤلاء المفكرين ومحور تحاورهم وكتاباتهم .
بقى ان اشير الى مسالة اخرى بدا لى ان السؤال قد طرحها ضمنيا ، وتتعلق بان هذه التجربة التى اعتبر تموها ريادية فيها من الخصوصيات ما يجعل متابعتها من لدن المفكرين - وخصوصا العرب - امرا ضروريا لانهم انما بذلك يتابعون
تجربة زميل لهم بما يجعل نتائجها تهمهم وتعنيهم بصفة مباشرة ، ويتابعونها قصد التعرف الى مدى نجاح المفكر فى التوفيق بين المنظور الفكرى الموضوعى والواقع التطبيقى المعيش ، وهنا لابد ان اتوقف عند بعض خصوصيات هذه التجربة - لا باعتبارها تهمنى - بل من منطلق مبدئى امنت به ولا ازال وقد سبق لى ان عبرت عنه فى عديد المناسبات .
فالمفكر الموضوعى رجل ذو توجهات انسانية بعيدة المرامى عميقة الاهداف ينطلق من الانسان بكل ما يحمل من تناقضات شتى وميول احيانا متضاربة ليتعرف الى مطامحه ومراميه ، حتى اذا انتهى الى ادارته وتوجيهه كان له من وسائل العمل ما يمكنه من الاستجابة لتلك المطامح واما اذا انقلب المفكر الى مجرد فنى او تقنى يصنع القوالب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الجاهزة ليلبسها مجتمعه على اساس مسبق بانها الانسب والامثل حدثت الهوة بينه وبين مجتمعه ، وعليه فهو مطالب - وهذه هى الاسس العميقة للبورقيبية - بان يعايش تطلعات افراد مجتمعه - التى لا تتجانس بالضرورة والتى هى متحركة دوما - ويترصد هواجسهم وميولهم كى يتسنى له تحديد منهجية عملية تأخذ الواقع ارضية لتنطلق باوفر حظوظ النجاح ، وانه لمن الخطا ان نعالج قضايا الانسان من زاوية ذاتية واحدة فالحلول الاقتصادية لا تكفى وحدها - على اهميتها - للاتيان على مشاكل الانسان ، فهو كائن لا تضبطه الارقام ولا تتحكم فيه العمليات الحسابية المجردة ، انه قوة تتصارع داخله المادة والروح اذا طغت احداهما على الاخرى اختل التوازن وسقط الفرد فى سلبية المردود .
انها حقيقة ثابتة فى رايى قد تعين المسؤول على اداء مهمته بنجاح ، فهو - وهو يعمل بمساعدة خبراء وفنيين ومفكرين وباحثين فى مختلف مجالات الحياة - اقرب الى القدرة على التحرك الموضوعى السليم لينزل نتائج تلك البحوث - مادية وفكرية - المنزلة الانسانية بما يحقق جدواها ويضمن مفعولها .
الايديلوجيات المستوردة مصيرها الفشل .
س : تشهد الساحة العربية منذ اكثر من ثلاثين سنة بحثا متصلا لا يخلو من صراع وعنف عن نظرية ايديولوجية او مذهب اجتماعى او سياسى وفى كل مرة تتكشف التجارب عن خيبات لا حدود لها . وانتم منذ اكثر من خمس وعشرين سنة تحدثتم عن هذه القضية بمجلة الفكر وعمقتم الحديث فى اكثر من كتاب صدر
لكم واستطعتم ان تتخذوا موقفا واضحا ، من كل الوان التجارب الوافدة والنظريات المستوردة ينبع اساسا من اصالة الانتماء الى حضارتنا العربية الاسلامية كيف تطرحون هذه القضية الآن ؟
ج : انى لا ازال على اعتقادى بان كل الايديولوجيات المستوردة والنظريات الوافدة والمذاهب المستقدمة الجاهزة انما مصيرها الفشل والذوبان ، فمثلها كمثل شجيرات ارادوا زرعها فى مناخ لا يلائمها ، وفى تربة لا تؤاتيها فكان مآلها الزوال والاندثار واما الايديولوجية الصحية والنظرية الصائبة - فى اعتقادى - فهى تلك التى يمكن تشبيهها بالشجرة الباسقة ، جذورها ضاربة فى الارض وفروعها عالية فى السماء واعدة بازهار الاثمار والعطاء فاما الجذور فهى ذلك الماضى المتاصل تراثا وحضارة فى القدم واما الفروع فهى هذا الحاضر المرتبط وثوقا بتلك الجذور التى تغذيه ليثمر زهورا باسقات تعد بمستقبل معطاء .
وانطلاقا من هذه الصورة فاننى دوما على ايمانى بان الانا الحضارية فى معناها العميق الهادف الى التمسك باصالة الذات وتاصل الكيان - هى المرتكز الانسب - بل الوحيد والارضية المثلى لكل ايديولوجية ناجحة .
وعلى خلاف ما قد يذهب اليه البعض من اعتقاد او تاويل فان مصطلحى الاصالة والتاصل لا يعنيان النظرة السلفية الضيقة بل الاصالة تحمل فى طيات مضمونها فرضية التفتح ونقول فرضية التفتح لا حتميته انطلاقا من ايماننا بأن لا يمس هذا التفتح من اصالتنا وكياننا ولا يسئ الى ذاتيتنا فالاخذ من الاخرين ضرورة لا مناص منها شرط ان نستفيد مما ناخذ مثلما ياخذون عنا ما يفيدهم فى تطورهم ونهضتهم اى لابد ان تكون العلاقة بين الانا والانت علاقة افادة واستفادة لا علاقة سيطرة وتحكم .
وعلى هذا الاساس فنحن لا نقبل بادانة الماضى ادانة جائرة كما اننا لا نقدسه نقديسا ساذجا اعمى فالحياة ديمومة متواصلة تجددها مستمر وحلقاتها مترابطة والكائن العاقل السوى الذى يحيا حاضره بحق ليس فى استطاعته ان يطمس فى ذاته ملكة التذكر وهى الحاضر الماضى ولا ان يشد عقله عن قدرة الانتباه الى واقعه وهو الحاضر الحاضر ولا ان يضيق من آفاق عيشه بالغفلة عن فسحة الامل التى هى الحاضر المستقبل .
داخل هذه الحلقات الثلاث يستطيع الانسان ان يحافظ على وحدته الزمنية ويستبقى تماسك شخصيته - وتلك دعامة الفلسفة المثلى النافذة الى اعماق الانسان - فهو يتذكر لمنافع الذكرى كما انه وفى نفس الوقت يستعد لما يتوقعه ويترجاه لانه المضطلع بتبعات المستقبل فى اطار الوفاء لروح الماضى والايمان بالحاضر المفضى الى المستقبل الاسعد .
اما هذا الصراع العنيف احيانا كما ذكرتم فى سؤالكم للبحث عن ايديولوجية او نظرية ملائمة فمرده فى اعتقادى - وقد سبق لى ان ذكرت هذا - الى زعزعة فى نفوس البعض والتفاتة الى الوراء متعصبة لدى البعض الأخر ، وهذا موروث عن عهد الاستعمار العسكرى والادارى المباشر حتى اذا جاء الاستقلال لم يستطع الكثيرون منا التخلص من عقدة ذلك الماضى ، فمنا من انبهر بالغرب وبقوته التى كانت وراء سيطرته علينا لينساق باحثا عن القوالب الجاهزة التى انتهت بتلك الدول الى مثل هذه القوة والتقدم وانتهى به المطاف - احيانا - الى الذوبان والاخذ بظواهر تلك الحضارة المادية دون الوصول الى جوانب الافادة فيها والتى يمكنها ان تتماشى وحضارته ومحيطه الفكرى والثقافى ومنهم - على خلاف ذلك - من فضل الازورار النهائى معتبرا ان الغرب مصدر بلاء وان الحضارة المادية مصدر شقاء الانسان وتعاسته رافضا التحاور معها والاخذ منها حتى بما يفيده .
من هنا نشات مدارس مذهبية مختلفة بعضها سلفى متعصب يوثر الانغلاق وبعضها انتهى الى حد الانبتات انبهارا بذلك الآخر ، وانقسم الاخيرون الى طوائف متباينة منها من اعتنق الغرب ومنها من اتجه الى الشرق للتصدى لذلك المستعمر القديم الذى ما يزال فى اعتقاده يسعى للسيطرة عليه واستغلاله تحت ستار استعمار مقنع جديد متناسيا فى الوقت نفسه نوايا ذلك الشرق الذى توجه اليه والذى يعمل لنفس الغاية .
من هنا كان الانغلاق المذهبى القاتل لدى البعض والانفصام فى الذاتية لدى البعض الآخر وكلاهما مخطئ فى نظرى .
فاما السلفيون المنغلقون فقد اثبت الواقع انه لا مناص من التحاور مع ذلك الاخر المتقدم علينا فى مجال الخلق والابتكار والصناعة فهو وان لم يكن متقدما عنا فى الثقافة - اذ لا توجد ثقافة متقدمة واخرى متاخرة بل توجد ثقافات مختلفة - فانه قد قطع اشواطا لم نبلغها نحن بعد فى مجالات البحوث العلمية
والصناعية التى تمكنه من السيطرة على الواقع والمحيط بما يفيد الانسان ومن هنا بات لزاما علينا ان نتحاور معهم لناخذ منهم فى هذه الميادين حتى نتمكن - عند بلوغنا مرحلة الخلق والابتكار الذاتى - من التخلص من كل ضروب التبعية والهيمنة .
واما التائهون وراء المستورد من النظريات والمذاهب فقد اثبت لهم الواقع ايضا انهم يستقدمون بذورا غير صالحة للزراعة فى ارض ومناخ مغايرين فكل الايديولوجيات الوافدة سقطت كلها فى هوة الاستغراب لانها غريبة تزيد فى غربة المواطن فينفرها ويتخلى عنها ، فهل يمكن للشيوعية مثلا ان تنجح فى بلد عربى مسلم وهى التى ما تزال غريبة فى البلدان التى اعتنقتها منذ عشرات السنوات ؟ بل انها راحت تتراجع من حين لاخر فى تطبيقها لعدم تلاؤمها وحقيقة الانسان وميوله .
من هنا يتراءى لى - وهذه قناعتى - ان لا مجال للبحث طويلا ، والصراع مطولا ، فلنا فى حضارتنا وتراثنا العربى الاسلامى ما يكفينا مؤونة شقاء البحث دون جدوى فربط حلقات (( الحاضر الماضى )) بـــــ (( الحاضر الحاضر )) بـــــ (( الحاضر المستقبل )) هو الارضية المثلى لاستنباط الايديولوجية المثلى التى تمكننا من الحفاظ على اصالتنا دون العزوف عن ضرورة التفتح المفيد . فنكون بذلك قد حافظنا على (( الانا الذاتية )) والاخذ من ذلك (( الآخر )) بما يفيدنا فى المستقبل فى اطار تحاور متكافئ لا تداس فيه شخصيتنا ولا نكون لذلك (( الآخر )) تابعين .
على درب التكامل
س : بعد تجارب الوحدة السابقة وضروب الانتكاس التى اصابتها ، تقوم الآن محاولات جادة ، لاقامة انواع من الوحدة (( الداخلية )) بين عدد من الدول العربية ، تتشابه فى الارض والعادات ، وتتقارب فى المنحى والاتجاه ، ظهر منها الى حد الآن ، (( مجلس التعاون الخليجى )) و (( تكامل وادى النيل )) بالمشرق ، ومشاريع (( وحدة المغرب العربى )) بالمغرب .
ما هو رايكم اولا : فى مشاريع الوحدة الداخلية هذه ، وعلاقتها بالوحدة العربية الشاملة ، كهدف نهائى لجماهيرنا العربية ؟
وثانيا : ما هو تصوركم لاقامة (( وحدة المغرب العربى )) ؟
ج : سؤال على غاية من الدقة والاهمية ، يدفعنا الى تقويم الماضى ، واستقراء الحاضر تحسبا للمستقبل ، ولقد اشرتم فى هذا السؤال الى ضروب الانتكاس التى أصابت التجارب الوحدوية السابقة . ولسائل ان يتساءل عن الاسباب التى أدت الى هذا الفشل . وما ظنى بالجواب صعبا ، فكل محلل للواقع ، نافذ الى أغواره كان يتوقع هذه الانتكاسة ، فقد كانت هذه التجارب متسرعة قوامها العاطفة ولا يدعمها العقل والتخطيط المنهجى الذى يعتمد المرحلية المدروسة التى اثبت المجاهد الاكبر جدواها سواء اثناء الحركة التحريرية او خلال بناء الدولة المستقلة ، وقد كان بورقيبة رجل المرحلية المنهجية أول المفكرين الذين لم يتحمسوا لهذه التجارب الوحدوية الاندماجية المتسرعة ايمانا منه بانها تجارب هشة لن يكتب لها النجاح ، ولا اظن فائدة فى الاطالة ومزيد التفاصيل فى هذا الباب لان الحقيقة معروفة من لدن الجميع .
بيد انه لا يسعنا الا ان نحكم العقل للاستفادة من هذه التجارب السابقة من منطلق القناعة بان الفشل مفيد اذا ما حاول الانسان الغوص فى كنه العلات والمسببات التى افرزت ذلك الفشل او تلك الانتكاسة فيتجنبها ضمانا لتحرك مستقبلى ناجح .
اما اذا استقرانا واقعنا الذى نحن عليه اليوم ، فاننا نلاحظ محاولات جادة وهو ما اشرتم اليه فى سؤالكم وعبرتم عنه بالمحاولات لاقامة انواع من الوحدة (( الداخلية )) بين عدد من الدول العربية هى متشابهة لتقاربها جغرافيا فى الارض والعادات ، على غرار (( مجلس التعاون الخليجى )) و (( بلدان حوض وادى النيل )) و (( بلدان المغرب العربى )) واما عن رايى فى هذه المحاولات وعلاقتها بالوحدة العربية الشاملة ، فاننى اعتبرها كما قلت خطوات جادة على درب التكامل العربى الشامل ، جديتها تكمن فى كونها مبنية على منهجية مرحلية رصينة تنطلق من الواقع - عبرة باخطاء الماضى - على اساس الدراسة الموضوعية البعيدة عن لغة العواطف والشعارات ، لتطوعه خدمة للاهداف المنشودة فى مأمن من الزلات والهفوات .
واذا اخذنا بناء (( المغرب العربى )) مثالا ، وقد طلبتم رايى فى هذا الخصوص وهو ما ينسحب بالضرورة على محاولات اخواننا فى المشرق ، فانه لا يسعنى الا ان اذكر بما قاله المجاهد الاكبر الرئيس الحبيب بورقيبة يوم 10 افريل من سنة 1981 بمناسبة افتتاح المؤتمر الخارق للعادة للحزب الاشتراكى الدستورى
فقد أكد بقوله : (( إننا نعتقد أنه من الحتمى ، آجلا ان لم يكن عاجلا ، أن تندرج ، مع أشقائنا ، نحو تنظيم شؤوننا المشتركة ، باحدى الصيغ التى يقع عليها اختيارنا. حتى لا يبقى كل قطر ، فى مواجهته للانواء الخارجية ، وحيدا معزولا ، محدود الطاقة ، ضعيف النفوذ )) مضيفا فى هذا الصدد (( والاقرباء اولى بالمعروف ونعنى القرابة فى المكان ، كبلاد المغرب الكبير او بلاد الخليج ، مثلا ، فقد يكون من الايسر ان تقام بين المجموعات القليلة اواصر تعاون وثيق ، تندرج فى اطار اوسع ، لابد ان يشمل بصورة من الصور البلاد العربية كافة )) واطلق المجاهد الاكبر ، باعتباره عميد المجاهدين فى هذه المنطقة ، وعميد الرؤساء العرب ، نداء مناشدا اخوانه فى بلاد المغرب العربى ان يتجاوزوا ما يفرق بينهم ، فيغلبوا ما يجمع بين شعوبهم من تضامن ، لا فقط عبر التاريخ ، بل ايضا فى اتجاه المستقبل لصنع المصير الذى لا يكون الا مشتركا ، بحكم تشابك المصالح بين دول المغرب ، فى كل المجالات )) .
واضاف سيادته مؤكدا (( ومهما يكن من امر ، فان ضمان التوصل للعمل المشترك ، سواء بين دول المغرب ، او بين سائر الدول العربية شرط لا غنى عنه لبناء قوتها فى الداخل ، بالتنمية الشاملة ، وشرط كذلك لا غنى عنه لبناء قوتها فى الخارج بتاليف جبهة منسجمة المصالح ، عتيدة النفوذ فى كل المجالات )) .
من هذا المنطلق البورقيبى الحكيم ، امنت ببناء (( المغرب العربى )) وتشييد صرحه ، هذا البناء الذى يعتمد المرحلية اسلوبا ، وهو ما عبر عنه فخامة الرئيس بصيغة (( التدرج )) والحتمية هدفا مصيريا ، وهو ما اكد عليه سيادته بمصطلح (( شرط لاغنى عنه )) وغاية حضارية على اساس (( مواجهة الانواء الخارجية فى جبهة منسجمة المصالح عتيدة النفوذ فى كل المجالات )) .
واذا عدنا قليلا الى الوراء ، فاننا نجد ان فكرة وحدة المغرب العربى فى الاربعينات والخمسينات ، وان كانت قبل كل شئ تجسيما لوحدة الحركات التحريرية الثلاث ضد الاستعمار ، فانها كانت راسخة فى النفوس لدى شعوب المنطقة بوقوفهم فى وجه المستعمر الذى سعى الى فصل هذه الرقعة من الارض العربية عن سائر الوطن العربى . وما هذه الوقفة وما صاحبها من رد فعل عنيف الا تعبير عن تمسك اهل المغرب العربى بهويتهم فى انتمائهم للحضارة العربية الاسلامية .
وما ان ظفرت الاقطار المغربية باستقلالها حتى عكفت بحكم الظروف والاولويات الى البناء والتنمية الداخليين . فلم يكن لها من المسبقات والمرتكزات التى توفرت لمجموعات التعاون الجهوى فى الدول الغربية والشرقية ، ما يمكنها من ولوج مرحلة التكامل والوحدة بكل سرعة . فقد كنا ننطلق بزاد من المرتكزات طفيف وأعمال فتية نسلك بها سبلا جديدة ملألم بالعقبات والمزاق لـ . وانطلقنا من موقع التبعية فى السيادة والسياسة ، ومن مركز الارتجال والضعف فى البناء الاقتصادى والاجتماعى ، وكنا فى بداية امرنا من ممارسة شؤوننا بانفسنا ، على سبيل غير مرسومة ولا اختيارات فنية مسبقة ، ولا كفاءات فنية موفورة ولا مهارات مترشدة بالممارسة ، مزودة بالتجربة . ثم كان علينا ان نوزع السعى فى واجهات متعددة ومجالات متنوعة تتساوى قضاياها فى الاهمية والتاكد ، لا نملك ان نرجئ بعضها وننصرف عن بعض سواء فى المجال السياسى لوضع اسس الدولة وتوفير اجهزة الممارسة الدستورية والادارية ، او فى المجال الاقتصادى والاجتماعى والثقافى والتربوى ..
اما اليوم ، وقد بلغنا من التقدم اشواطا على مختلف الاصعدة ، فقد بات لزاما علينا ان نعود الى ما اقررنا ولم تسعفنا الظروف بالمضى فيه ، اى ان نعود لنتمسك بروح ميثاق طنجة التى تتمثل فى العزيمة السياسية الراسخة لبناء وحدة المغرب العربى على اساس احترام الكيانات القائمة والعمل على الاندماج المتزايدة ، المحكم ، المبنى على الدراسات العلمية فى مختلف الميادين ، حتى نمهد الطريق للاجيال القادمة لتتوفق تدريجيا بالمغرب العربى الى الاتحاد ثم الوحدة .
ومن هنا وجب الحذر والتانى ، واجتناب الارتجال : ضمانا لسلامة المسيرة واننى فى الوقت الراهن من المؤمنين - من منطلق مرحلى - بضرورة التعاون الشامل ، العميق ، الجدى والصادق الذى يفضى الى ما اسميه بـــــ (( الوحدة الوظيفية )) التى ترتكز على تشعب وتداخل وتكامل المصالح الاقتصادية والتجارية وغيرها واقامة المشاريع الثنائية والجماعية كما يتوجب علينا من هذا المنطلق التدريجى ان نوحد مناهج التربية لدينا باعتبارها خير وسيلة لهذا التقارب المنشود ، والحوار النفسانى والروحى بحيث تتلقى الاجيال الصاعدة نفس المعلومات بنفس الروح والاتجاه فتؤمن بنفس القيم وتسعى الى بناء المستقبل المشترك كافراد اسرة واحدة منها متماسكة ، كما بات ضروريا ان نعمل اكثر فاكثر على صعيد التكامل الاعلامى فنتبادل البرامج الاذاعية
والتلفزية ونعد لبرامج مشتركة تزيد من تقريب شعوب المنطقة بعضها الى بعض ويزداد هذا المطلب اليوم الحاحا ، وقد توفرت امكانات التكامل ومرتكزات البناء المشترك من ناحية واصبحنا نعيش عصر التكتلات الدولية والمجموعات الجهوية التى لا يمكن ان نخاطبها مخاطبة الند للند الا اذا كنا متحدين . فنحن نتفاوض اليوم مع تلك المجموعات غربا وشرقا فرادى مقسمين ونتنازع عزلا مستضعفين وبيننا من دواعى التناصر والقوة طاقات لا تنضب وامكانات لا تجحد ونسيج من الروابط متماسك على مر الاحقاب والاجيال .
ولا شك ان المتتبعين للأوضاع الدولية اليوم والمحللين لها ينظرون الينا بشئ من العجب فى امرنا قد يصل الى حد الاحتقار ، فاذا ما تابعوا مسيرتنا سيلحظون ما قصرت دونه همتنا من البناء المشترك رغم ما يربط بيننا من ماض مشترك وحاضر مشترك ومستقبل بالضرورة مشترك اضافة الى لغتنا الواحدة وديننا الواحد ، سيلحظون بتعجب فى امرنا دون شك خصوصا وهم يتابعون مسيرة التكامل والتضامن بين شعوب وامم مختلفة لا تجمعها غير المصالح المشتركة والوقوف ضد تحديات العصر والتقارب الجغرافى أحيانا .
خلاصة القول : إن (( المغرب العربى )) وهو ما ينسحب فى رايى على تجارب اخواننا فى المشرق - فكرة مستقبلية واقعها فى القلوب ويجب تجسيمها شيئا فشيئا على صعيد الوجود .
ومما لاشك فيه ان العلاقة بين هذه التجارب (( الداخلية )) او الجهوية بالمفهوم الجغرافى للكلمة - ترتبط عضويا ببناء الصرح العربى الشامل مثلما اكد ذلك المجاهد الاكبر بقوله (( فقد يكون من الايسر ان تقام بين المجموعات القليلة أواصر تعاون وثيق ، تندرج فى اطار اوسع لا بد ان يشمل بصورة من الصور البلاد العربية كافة )) .
بورقيبة انسانا ومفكرا ومناضلا .
س : يلاحظ المتتبع لتاريخ تونس الحديث ، ان صلتكم بالرئيس الحبيب بورقيبة ، جد ممتازة ، ترتفع الى مستوى الابوة ، كما صرح فخامته فى احدى المرات ، وان شخصيته العظيمة لتحتل فى وجدانكم منزلة خاصة ، لا تدانيها منزلة اخرى . هل يمكن ان تحدثونا عن شخصية الرئيس الحبيب بورقيبة وعناصر جاذبيتها الفكرية والادبية والانسانية ؟
ج : ان يعتبر المتتبعون لتاريخ تونس الحديث ان صلتى بالرئيس الحبيب بورقيبة ممتازة ترتفع الى مستوى الابوة ، فتلك حقيقة لاغبار عليها ولا لبس فلقد تشبعت بالمبادئ البورقيبية ، ونهلت من هذه المدرسة الفريدة من نوعها منذ صغرى الى الآن ، وتتبعت بالتحليل والتعمق اسس وابعاد هذه المدرسة التى ترعرعت فيها ، وسبرت اغوارها وكنهها الانسانى العميق .. انها مدرسة الحكمة والواقعية التى تنطلق من الانسان خدمة للانسان . تلك هى دعائم الابوة التى نزلتنى منزلة الابن المتشبع بمبادئ ابيه .
اما ان تطلبوا منى الحديث عن شخصية بورقيبة وضبط عناصر جاذبيتها ، فاننى أجد نفسى أمام عقبتين : عقبة ضيق المجال الذى لا يسمح بالاحاطة بمختلف جوانب هذا الرجل العظيم ، وعقبة العجز عن الكلام وايجاد الكلمات والمصطلحات اللغوية التى تنزل قائد الجهادين منزلته الحق .
فاذا انطلقنا من وجدان الرجل ووقفنا عند ماهية ذلك (( القائد الانسان )) الذى يتالم لالام شعبه ويفرح لافراحه . ومن اجل هذا الشعب تحمل اتعاب المنافى وويلات السجون اثناء الحركة التحريرية ، ومن اجل حرية ابنائه قطع المسافات الطويلة داخل البلاد وخارجها متحملا مشاق السفر واخطاره ، ومن ذا الذى من التونسيين ينسى الاعوام العشرة التى قضاها بين سجون تونس وفرنسا وينسى رحلته على الاقدام من تونس حتى مصر من اجل قضية بلاده .
وبنفس العزيمة والوفاء لشعبه واصل مسيرة الجهاد الاكبر لبناء الدولة العصرية ، وارساء مقوماتها بما يحقق لها المناعة والازدهار . وعلى هذا الاساس كان بورقيبة ابا لكل التونسين آزروه أيام الكفاح وايدوا منهجه ووقفوا صفا واحدا وراءه لدحر المستعمر وتحقيق الاستقلال ، وواصلوا المسيرة على وفائهم لزعيمهم الحكيم الذى عرف كيف ينتهى بالقضية التونسية الى شاطئ السلام دون كبير خسائر ولا ثقيل اعباء فانطلقوا مؤمنين يستمعون الى ندائه فى بناء الدولة وتطويرها على درب التقدم والتشييد .
ومن عناصر الجاذبية ايضا فى شخصية الزعيم بورقيبة الذى يعتبر احد العظماء القلائل في هذا القرن : انه رجل شجاع لا يخشى الموت في سبيل الحق ، ويقدس المغامرة فى سبيل العدل ، وهو ما جعله لا يبالى بسطوة المستعمر وجبروته ، بل تحداه ووقف فى وجهه غير عابئ بالمخاطر ، ايمانا منه بعدالة القضية وقدسيتها .
وحب بورقيبة للانسان ، لا يتوقف عند حدود حبه لابنائه من التونسيين بل يتعداه الى حب الانسان حيثما كان . وهكذا تراه دوما الى جانب القضايا العادلة فى آيه بقعة من الارض ، فهو مؤمن بنبذ حب الذات والغاء الانا فى سبيل اسعاد الغير .
اما عن حكمة هذا الرجل الفذ وبعد نظره ، وواقعيته فى معالجة القضايا ، فتلك حقيقة يدركها القاصى والدانى ، الخاص والعام فهو رجل المرحلية المدروسة ، المبنية على استعمال العقل وتحكيم المنطق ، ويكفينا هنا ان نذكر بحقائق ثلاث :
أولاها : كنا ذكرنا أسلوبه فى معالجة القضية التونسية وفق هذا الاسلوب ليخرج منتصرا دون خسائر او تكاليف .
ثانيتها : موقفه الذى سجله التاريخ اثناء الحرب العالمية الثانية اذ امر بالوقوف الى جانب الحلفاء - وفرنسا احدى هذه الدول - والتصدى للنازية . وقد كان موقفه شجاعا وحكيما فى وقت تميل فيه الاغلبية الى كراهية المستعمر الفرنسى باعتباره عدوا . وقد ارتكز موقفه هذا على بعدين اثنين : احدهما منطقى يرى حتمية هزيمة النازية وثانيهما مبدئى باعتبار النازية مذهبا معاديا للانسان .
واما ثالثتها : فتلك المتمثلة فى رحلته للشرق الاوسط سنة 1965 والاصداع برايه بكل شجاعة مناديا بتطبيق قوانين ولوائح الامم المتحدة التى اقرت تقسيم فلسطين ، وكان موقفه حكيما وشجاعا ايضا : حكمته فى اعتماد منهجية المرحلية التى جربها وادرك جدواها ، وجانب الشجاعة فيه انه جاء فى ظرف طغت فيه الحماسة وسادت لغة العاطفة حتى باتت ترمى صاحب التحليل بالرجعية وتتهم مستعمل العقل بالخيانة . ولا اظن اليوم اى عربى الا معترفا بحكمة ذلك الموقف التاريخى الذى لم يدرك البعض كنهه فى ذلك الوقت .
ومن مميزات شخصية بورقيبة انه الرجل المفكر على الدوام ، لا يؤمن بالقوالب الفكرية والنظرية الجاهزة . على هذا التطور المستمر انبنت البورقيبية تتابع الواقع بالتحليل المتواصل ، وتسعى الى الاحاطة بمشاغل الانسان دون انقطاع لتنطلق من الواقع فى تكييف توجهها واستنباط ادوات العمل الملائمة لهذا الواقع المتجدد والمتحرك .
ذكريات مع طه حسين
س : تحتفل الان اوساط ادبية عديدة ، بالذكرى العاشرة لوفاة الدكتور طه حسين ، والذى نعلمه انكم ارتبطتم معه بعلاقة حسنة ، فكرية وشخصية ، وكلنا يذكر تقديمكم الممتاز له ، فى السنة الاولى من استقلال تونس ، باحدى القاعات الكبرى فى العاصمة ، بحضور الرئيس بورقيبة والوزراء والسفراء ، واهل العلم والادب والثقافة .
كيف ترون الآن طه حسين بعد الغياب ؟
ج : لا يزال عميد الادباء العرب ، يحتل منزلة خاصة فى نفسى وفكرى ، فهو الاديب المبدع فكرا وتجديدا واضافة ، وهو المفكر الشجاع الذى صدع بمواقفه الادبية والسياسية دون خوف او خشية ، ولم اكن مطلعا على ما كان يكتب طه حسين مثل رجال الثقافة فى تونس بل ان روابط خاصة بينى وبينه تمت وشائجها بعد استقلال تونس وتكوين اول حكومة وطنية برئاسة الرئيس الحبيب بورقيبة ، وكنت فى سنة 1957 مدير ديوان الاستاذ الامين الشابى وزير المعارف وتقرر قبل ذلك بعث دار المعلمين العليا فى اكتوبر 1956 وهى اول مؤسسة تعليمية جامعية تبعث زمن الاستقلال ، وتدعيما لهذه المؤسسة دعونا الدكتور طه حسين لرئاسة لجنة الامتحان لطلبة السنة الاولى الدارسين بهذه المؤسسة واول فوج تخرج فيما بعد منها ، وقد اشرف الدكتور طه حسين حينذاك على لجنة الامتحان ولمس ما كان عليه مستوى هذه الدار مما جعله يصرح بذلك علنا فى جريدة مصرية .
وكانت هذه المناسبة هى التى قام فيها الدكتور طه حسين بمحاضرته الشهيرة فى تونس بعنوان (( رحلة فنية )) نظمتها جمعية قدماء تلامذة الصادقية وكنت انا الذى توليت تقديم المحاضرة فى قاعة البالماريوم التى كانت تعج بالحاضرين ثم عرفته فى مصر فى ديسمبر 1957 عندما انتظم بالقاهرة المؤتمر الثالث للادباء العرب وحضره الاستاذ محمود المسعدى الذى القى دراسة بين فيها ان الاديب يجب ان يكون حرا وان الالتزام ليس هو الالزام مما اثار خاصة حفيظة الاستاذ سعيد العريان قائلا له : اذا أنت لا تؤمن بالقومية العربية لماذا جئت الى هنا ؟!
وقد جعلنى هذا الهجوم اتحمس للرد رغم الحاح الاستاذ محمود المسعدى بلزوم الصمت وبينت لهذا المتحمس للقومية العربية ان الاستاذ محمود المسعدى مكافح وطنى وانه الى جانب نضال السياسى فقد كان مناضلا نقابيا وهو الذى خلف الشهيد فرحات حشاد فقيد الوطنية الذى قتلته اليد الحمراء وهى منظمة سرية بعثها غلاة الاستعمار فى تونس ومهمتها التخلص من الوطنيين التونسيين بالقتل وبث الرعب فى صفوف المواطنين . وأذكر ان الدكتور طه حسين قال لنا بالفرنسية عند انتهاء الجلسة : (( Pourtant il n'a pas ètè payè ça )) أى ومع ذلك فانه لم يدفع له شئ ليقول هذا .
فعلى صعيد الابداع الادبى والاضافة لاجدال فى ان طه حسين يستحق ذلك اللقب الشرفى ، ذا المعنى البعيد ، وهو.. عميد الادب العربى .. فقد اثرى هذا الاديب الفكر الادبى بعطاء غزير ذى محتوى تجديدى رفيع ، واعطى للنقد الادبى بعدا جديدا يعتمد مناهج البحث الحديثة ، التى تعتمد فى دراسة الاثر ، واقع بيئة صاحب ذلك الاثر والعوامل الموضوعية المؤثرة فيها ، ومن هنا كان .. شكه فى الادب الجاهل .. او بعضه معتبرا ان هذا البعض لا يتلاءم والبيئة الجاهلية وعقلية اهلها وطبيعة حياتهم ، كان يتشكك فى نزول شخصية عنترة العبسى الى هوة الضعف العاطفى وهو بطل الجحفل والهوجاء .. او كان يستعمل احد شعراء الجاهلية مثلا عبارة الزهر وهو الذى يعيش فى غياهب الصحارى القاحلة
ورغم انه وقف عند حدود مجرد الشك باعتباره الطريق الى اليقين فى كل بحث فقد ثارت ثائرة بعض اعدائه وتالبوا عليه ، وقد وحدوا فى ذلك مدخلا للاساءة لرجل عبقرى تجاوزهم عطاء وتجديدا ، ولكنه صمد فى وجوههم وتصدى لهم جاعلا من مواقفهم سلاحا لفائدته لا لفائدتهم ، فراحت الايادى تتلاقف هذا الاثر وتتداوله لتتفحصه وتتابعه .
ومن مميزات هذا الاديب المفكر ايضا انه وقف بكل شجاعة ايضا ، يجابه بعض اساتذة الازهر متجاوزا نظرتهم فى التحليل والتفكير ، اذ غالبا ما كانت الدراسة تعتمد السرد والحفظ دون استعمال العقل أو الترو والتمحيص . وقد جاء موقفه هذا منذ صغره ، قبل ان يتحول الى الغرب لبواصل دراسته فى باريس ، وقد ازدادت هذه التجربة انفتاحا ، وصلت فى بعض الاحيان الى حد الانبهار والاغتراب . ولكنه سرعان ما استرجع توازنه مدركا تباين الحضارات واختلاف الثقافات ، مع بقائه على ايمانه بضرورة التفتح على تلك الحضارات والاخذ منها بما يثرى الفكر العربى ويدفع به الى الامام .
ومن انجازات طه حسين التى سوف يذكرها له التاريخ دوما ، هو مناداته بتعميم التعليم ومجانيته فى مصر لما عين على راس وزارة التربية ، معتبرا ان التعليم هو الكفيل وحده برفع مستوى الشعب وتشريكه فى مسيرة النمو والتقدم .
غارودى والاسلام
س : منذ سنوات عديدة كتبتم مقدمة للترجمة العربية لكتاب حوار الحضارات .. للفيلسوف الفرنسى روجى غارودى ، حللتم فيها بعمق منطلقات الحوار بين الحضارات ، واشدتم فيها برؤية هذا الفيلسيوف الذى يحاول اشادة روح التعاون والاخاء والتفاهم بين كل سكان عالمنا هذا ، المهدد فى كل لحظة بالخراب والدمار . ولاشك انكم تابعتم تطور هذا الفيلسوف ، والبيانات التى اصدرها يشرح فيها حقيقة اسلامه ، والكتاب الرائع الذى وضعه ادانة للصهيونية وجرائمها فى القديم والحديث ، وما صاحب ذلك من حصار المرجل ، ومحاولة تطويقه بمختلف التهم والاباطيل . كيف ترون هذه القضية ؟
ج: كانت منطلقات روجى غارودى ، الفكرية منذ البداية ذات ابعاد انسانية عميقة ، وهو ما دفعنى الى الاهتمام بما يكتب وبدا ذلك عندما كنت طالبا بالصربون فى اواخر الاربعينات ، وكان فى تلك الفترة وما بعدها شيوعيا وعضوا فى المكتب السياسى للحزب الشيوعى الفرنسى .. وغارودى لم يتوقف به الترحال عند حدود الايمان بالمثل السامية - وهو الذى عايش كل الاديان بالتحليل والتمحيص حتى انتهى الى اعتناق الاسلام - بل سعى جاهدا الى ايجاد ارضية قد تزهر فيها تلك المبادى لتصبح واقعا ملموسا .. وكانت رحلة البحث عن طريق الخلاص مثيرة .. فيها من العطاء الفكرى الابداعى ، الشئ الكثير ، حتى جاء اليوم الذى انجلت فيه الرؤية امام الفيلسوف الفرنسى ليعلن اسلامه ففى هذا الدين وجد المبادئ التى ملأت ذهنه ، ومن خلال تعاليم الاسلام تاكد من حقيقة مثله ، ذلك ان الانسان فى القرن العشرين ، رغم سيطرته على قوى الطبيعة ، وتاثيره فيها لا يزال سعيه الى .. المدينة الفاضلة .. بطيئا غير مواز لغزوه لمحيطه والسيطرة عليه ، وليس من شك فى ان الانظمة الاقتصادية والسياسية ، مهما بلغت من تقدم مادى ، تبقى دون المطلوب ، ان هى لم تف بحاجة البشر الى هذا الزاد الذى يغنى عنه خبز ولا تعوضه مادة ونعنى الغذاء الروحى والشعور بالحرية والكرامة واستقلال الراى .
فبعد تجربة ايديولوجية ذات منظور مادى ، وبعد البحث فى الاديان الاخرى . شعر غارودى بان مثله تتجاوز هذا الاطار المحدد فحلق فى فضاءات ارحب واشمل .
وشخصيا لم يفاجئنى تطور هذا الفيلسوف ، اذ كنت منذ البداية قد اعتقدت فى ايجابية محاور تفكيره ووضوح منطلقات رؤيته .. واخيرا بدأ غارودى بوجه اتهاماته لاعداء الانسان ، ويفضل جرائمهم وممارساتهم الوندالية ، غير عابئ بتهديداتهم وحصارهم ، لان ايمانه بالمبادئ التى يدافع عنها قد غدا عميقا ..
جائزة الملك فيصل العالمية
س : مع كل سنة يتجدد حديث الادباء والكتاب العرب عن جائزة .. نوبل .. والحيف الذى تعاملهم به لجنة الجائزة ، منذ تأسيسها الى اليوم ، ومن نحو آخر ، فان المملكة العربية السعودية اسست منذ سنوات قريبة جائزة عالمية باسم ، جائزة الملك فيصل العالمية ، ينالها الكتاب والعلماء والدارسون حسب مقاييس موضوعية ، لا اثر فيها لعصبية عرقية او سياسية ويتردد اليوم ، على السنة المثقفين انكم احد المرشحين الكبار ، لنيل هذه الجائزة باذن الله .
أولا : كيف تنظرون لامر جائزة (( نوبل )) ؟ ثانيا : ما هو تعليقكم على ترشيحكم لجائزة الملك فيصل العالمية ؟
ج : نحن نعلم ان عوامل كثيرة ، يجب ان تتوفر للاديب حتى يبلغ القصد ، ومنها العامل النفسانى - وهذا ينطبق على كل مجالات الخلق بما فى ذلك الابتكار العلمى - الذى لابد منه لكل ابداع ادبى وحركة ثقافية ، والثقة فى النفس وفى عبقرية القوم التى من دونها يزهد الاديب فى العطاء والانتاج .. فالجائزة عالمية كانت او اقليمية او محلية هى حافز مادى لا محالة ولكنه معنوى قبل كل شئ ، اذ هو يثير فى نفس المفكر الحماسة ومعانى التنافس الشريف والتبرير فى فنون الابداع والاضافة واحتلال منزلة مرموقة فى نفوس المعاصرين وتقدير المجتمعات .. وجائزة نوبل انطلقت فى الاساس حبلى بهذه المعانى الانسانية السامية وعلق عليها الادباء والمفكرون والعلماء فى كافة انحاء العالم
أمالا عريضة لكنها حادت عن مرماها الرفيع فى بعض الاحيان ، وقد يكون المفكر العربى سقط بذلك من حساباتها ، رغم ان أمتنا تزخر بالمبدعين الدين اثروا الفكر الانسانى ، واضافوا الى الحضارة الكونية - وعلى كل اتمنى ان يبقى لهذه الجائزة بعدها الانسانى النزيه ، فيجد فيها المفكر العربى حقه المشروع .
اما (( جائزة الملك فيصل العالمية )) فقد بعثت لتكون مثالا عمليا للاشعاع والنزاهة والتجرد لما تحمله من قيم انسانية رفيعة ، وما تدعو اليه من مبادئ لا اثر للتعصب فيها - وقائمة المحرزين عليها تشهد بذلك - واعتقد جازم الاعتقاد ان وزنها قد غدا مؤثرا فى ساحة الفكر العالمى اما فى خصوص الترشيح للحصول عليها ، فليس لى انا ابداء الراى فى الامر ، فمهمتى تتوقف عند حدود الخلق والمساهمة الفكرية بصدق وايمان واخلاص . وكان ذلك ديدنى منذ نعومة اظفارى ولن يزال بحول الله .
لغتنا العربية يسر لا عسر .
س : انتم على خبرة وافية ، ومعرفة جيدة بعمل المجامع اللغوية والعلمية العربية ، اذ انكم عضو عامل بمجمع اللغة العربية بالقاهرة ، وعضو بالمجمع الاردنى وكذلك بالمجمعين العلميين ببغداد ودمشق ولكن عددا من المثقفين العرب - احدهم الشاعر عبد المعطى حجازى - يلاحظون ان هناك استعمالات لغوية قديمة وجديدة فى تونس ، قد لا تكون مفهومة او مستعملة فى بعض الاقطار العربية الاخرى ، فهل ترون وانتم مفكر ومعجمى فى آن ، ان الوقت قد حان لبعث مجمع لغوى تونسى ، يقنن الاستعمالات الصالحة الدقيقة وبنسق اعماله مع باقى المجامع العربية الاخرى ، مع العلم ان الملك فهد ، اصدر امرا بتاسيس مجمع لغوى سعودى منذ مدة قريبة او كيف ترون الامر ؟
ج : اريد ان الاحظ لكم اولا ان الشعب التونسى يجيد العربية ، واغلبنا قد حفظ القرأن فى الكتاب ثم لا ننسى ان حملة بنى هلال وبنى سليم فى القرن الرابع والقرن الخامس قد عربت سكان الجنوب التونسى بالخصوص بنسبة مائة بالمائة . ومازالت اللهجة فى هذه الجهة فصيحة فى اغلبها وقد حاولنا منذ ابتداء الحركة الوطنية بقيادة المجاهد الاكبر الحبيب بورقيبة ان نخرج اللغة العربية من الانغلاق الذى يريد البعض ان يفرضه عليها فرضا ، لاننا نعتقد ان
اللغة العربية لابد لها من مجاراة الحياة والتعبير عن واقع الناس وانا هنا من مناصرى ما ذهب اليه الدكتور طه حسين حين قال ما معناه : ( لغتنا العربية يسر لاعسر ، ونحن نملكها كما كان القدماء يملكونها ، ولنا ان نضيف اليها من المصطلحات والاستعمالات ما نحن بحاجة اليه وان نحذف منها ما لم تعد لنا حاجة به ) ومن اجل هذا عبنا على كتابنا استعمال لغة متحذلقة مصطنعة ، وهى لغة ان قدر لها ان تعيش منذ اربعة او خمسة قرون ، فانها لم تعد متماشية مع هذا العصر ، ونادينا تبعا لكل ذلك باستعمال لغة حية باتم معنى الكلمة تحتل منزلة الوسط بين اللغة القديمة الصعبة والعامية المسفة .
ولكن هذا لم يمنع البعض - وهم قلة قليلة من الانغلاق داخل قوالب لغوية عتيقة ، او النزول الى الاسفاف العامى .. ومن هنا ربما كانت نابعة عن ملاحظات بعض الاخوة من المثقفين العرب . لكنها ليست موضوعية صرفا ازاء واقع لغوى متطور نعيشه فى تونس .
ولا اظن ان الظرف يفرض ايجاد مجمع لغوى تونسى ، رغم ان الفكرة فى جوهرها مفيدة للغة العربية ، وربما سنحت الفرصة لتحقيقها مستقبلا خاصة انه تم منذ سنة بعث المؤسسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات ودعيت (( بيت الحكمة )) اسوة بما عرفته القيروان عندما كانت عاصمة اسلامية لافريقية ومنطلقا للفتوحات حتى الاندلس ومركزا مشعا للثقافة والحضارة العربية الاسلامية . وهى تعنى ايضا بالمصطلحات ولها وجهة مجمعية ثابتة .
تعاون ممتاز
س : اهل الانصاف يعترفون ان حكومتكم انجزت اعمالا جبارة مشكورة لتمتين اواصر القربى والاخوة ، مع كل الاشقاء العرب ، وانها بذلت من الدعم والعون والجهد للقضية الفلسطينية ما لم يعد خافيا عن احد . ما هو المدى الذى بلغه التعاون الاقتصادى والثقافى مع المملكة العربية السعودية خاصة . وباقى الدول العربية عامة ؟
ج : اود بادىء ذى بدء ان اؤكد ان ما قامت به الحكومة التونسية من مجهودات لتمتين اواصر القربى وتوطيد عرى الاخوة بين الاشقاء العرب فى المغرب والمشرق العربيين انما هو من منطلق ايماننا الثابت بان مصيرنا واحد
وان مستقبلنا واحد ، فاذا ما اصاب احدنا - لا قدر الله - ضر كانت له انعكاساته علينا جميعا وما وقوفنا بحزم وصدق لا يتزحزحان الى جانب القضية الفلسطينية العادلة الا من من من منطلق هذا الايمان . فما يعنى الاشقاء الفلسطينيين ، يعنينا بالضرورة وقد وقف المجاهد الاكبر - منذ ان زرع الاستعمار الغربى الجسم الصهيونى الدخيل على جزء من ارض فلسطين - يفضح هذه الممارسات ، لم يثنه الاهتمام بالقضية التونسية عن الالتفات ومناصرة القضية الفلسطينية واننا اليوم لا نزال على موقفنا مؤمنين صادقين نؤازر اشقاءنا وفق تصورهم لمخططات النضال ، نمد لهم يد العون دون تدخل فى قراراتهم او فرض وصاية عليهم مكتفين بابداء الرأى كلما طلب الينا ذلك والحكم فى النهاية لاشقائنا عما ناتيه نحوهم من مجهود .
واما ان تسائلونى عن تعاون تونس مع الاشقاء العرب ، والمملكة العربية السعودية بخاصة فانه لا يسعنى الا ان اؤكد ان تعاوننا مع كل الاشقاء مثالى يرتفع الى مستوى ايمان الجميع بمصيرنا المشترك خصوصا فى ظرف طغت فيه التكتلات واتضحت فيه ملامح السيطرة والهيمنة على البلدان المستضعفة فى الارض .
ويتنزل تعاوننا مع اشقائنا السعوديين المنزلة الممتازة ويعود ذلك اساسا - علاوة على نفس ايماننا بحتمية المصير الواحد - الى ثقة اخوتنا فى المملكة فى النظام التونسى حكومة وشعبا ، وما تتسم به بلادنا من استقرار وجدية فى العمل والتعامل مع الاشقاء . وتتضح هذه الثقة من اقبال المستثمرين السعوديين على بعث المشاريع الاقتصادية فى بلادنا ، كما بعثنا مؤسسات مالية مشتركة للاستثمار مثل (( بيت التمويل التونسى السعودى )) الذى سوف يلعب دورا اقتصاديا هاما فى تمويل المشاريع وبعثها .
وما ينطبق على المملكة العربية السعودية ينسحب ايضا على الاقطار الشقيقة الاخرى مثل دولة الكويت التى يجمعنا واياها تعاون وثيق بلغ شوطا ممتازا اذ بعثنا بنكا استثماريا مشتركا الى جانب اقبال المستثمرين الكوتيين الاشقاء على تركيز بعض المشاريع الاقتصادية التى تعود بالفائدة علينا جميعا .
وما دمنا نتحدث عن تعاون تونس مع كل الاشقاء شرقا وغربا فلا يسعنى إلا ان اذكر بالانجازات المشتركة التى تحققت على صعيد المغرب العربى فى ظرف وجيز يعود تاريخه الى معاهدة الاخاء والوفاق التى ابرمت بين تونس والجزائر
والتى انضمت اليها موريتانيا الشقيقة فقد بعثنا مشاريع حدودية مشتركة وحققنا تسهيلات كبرى فى مجال التبادل التجارى على اساس التسهيلات الجمركية .. كما بعثنا بنكا تونسيا جزائريا مشتركا يتولى تمويل او المساهمة فى تمويل المشاريع الاقتصادية الثنائية ومن اهمها معمل محركات ديزل . بساقية سيدى يوسف ومعمل للاسمنت الابيض بفريانة .
كذلك الامر فى مجالى الثقافة والتربية ، فقد قطعنا اشواطا هامة على صعيد توحيد المناهج التربوية ، وخصوصا مع الاشقاء المغاربة وعلى مستوى تبادل البرامج الثقافية وترويج الكتاب بين مختلف اقطارنا ..
وانها لخطوات عملاقة نقطعها فى ظرف وجيز ، نتمنى ان تتدعم مع مرور الايام خدمة للمصالح المشتركة .
كلمة إلى كل العرب
س : اترككم لتوجهوا كلمة الى اخوانكم العرب فى كل مكان ؟
ج : اترجى ، بل واناشد كل عربى فى المشرق والمغرب - مواطنا كان ام مسؤولا - ان يشعر بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه للاسهام فى البناء العربى المشترك وما المجهود الذى يبذله كل منا على الصعيد المحلى ، داخل كل قطر ، بروح وطنية مسؤولة الا لبنة من لبنات البناء الجماعى تسهم فى اقامة الصرح المشترك . ولنتاكد جميعا بان مصيرنا واحد ، وان مستقبلنا واحد ، وان قوتنا لمجابهة الانواء الخارجية تكمن فى تضامننا وتلاحمنا لتحقيق مزيد التكامل .
ولا ننس ان اتوجه بكلمة الى الصحافيين العرب حيثما كانوا ، شاكرا اياهم عما يبذلون من مجهودات بروح وطنية مسؤولة ، ومناشدا اياهم مواصلة الجهد بنفس العزيمة والثبات فى نطاق مهنتهم الدقيقة الشاقة ، بعيدا عن تاثيرات النظريات ومحاولات التسميم الوافدة من هذا المكان او ذاك .
وليوفق الله كل العرب الى ما فيه خدمة الامة العربية .
