الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

لن التقي بها

Share

كان راكبا دراجته " ذات المحرك " ، و كانت تنهب به الارض بسرعة أدهشته ؛ . . و أبت يده أن تر أف بالمنبه رغم الاخطار المتوقعة . . . أما الريح فكانت تصفع وجهه بشدة الى درجة أنه يغمض عينيه وبقيت الدراجة تنهب به الارض حتى ألفى نفسه يسير بسرعة جنونية في طريق ملتفة بأشجار عالية ، متعانقة . . و شاهد الاوراق الصفراء تتناثر ملتوية ، ملتمعة في طريقه . و أحس - وقتها فحسب - أنه في فصل الخريف . . .

وتعجب من لمعان هذه الاوراق الصفراء ؛ تعجب لانها اسلمت للفناء وهي غير ذاوية ، . . و تذكر أن هذه الاشجار من النوع الذي يحتفظ يخضرته طيلة فصول السنة . . . وبدت له هذه الاوراق متمردة ، فيها من معاني البطولة. . ،  لقد منحتها أمها رحيقها و لكنها اختارت الفناء رغم توفر أسباب العيش الرتيب . . . و ابتسم اذ أعادت هذه المشاهد الى ذاكرته تلك الفتاة التي راقصها البارحة في احدى الحفلات الخاصة . . ،  ابتسم لان هذا اليوم الخريفي سيجعلها تتذكر بلدها وشدة البرد هناك . . .

وكان لا يدري هل أصاب المرمى عندما ابتسم لها . . ، و لكنه لم يفكر و هو يقوم بهذه الفعلة بأن أعماله منافيه " للاخلاق " رغم علمه - منذ البدء - أنها متزوجة . . .

نعم لم يفكر في شيء حتى أنه أحس أن وحدته الهائلة قد تحولت الى قابليه جوعى ، تتوهج في اعماقه وتبحث في تعطش عن قلب مرهف ، عاصف الخلجات ، تسكن له ...

... و أحس بسخافة سلوكه فصمت منقادا لهواجس الحرمان تغازل خاطره ليختلق احداثا وقصصا كثيرة ،  قصصا تراقص مخيلته وتتلاعب بأحاسيسه ثم تتلاشى متبعثرة في زوايا نفسه . . تتلاشى لييأس فيسأم وجوده ويلفه صمت رهيب...

قال لزميله انه تعرف بإحداهن ، . . وانها جميلة و . . و . . . ثم صمت فجأة .

نعم صمت فجأة لانه تذكر انه قال لزميله مثل هذه العبارات الجوفاء مرارا بنفس الحرارة...

و احس أنه قضى ايام حياته كلها كاذبا وأن مدلولات الاشياء حوله من جنس هذا الكذب وليست لها وحدة ذاتية قارة تبرز نوعها الاصيل في صفته الازلية ، و الابدية...

لقد قال مرارا أنه آحب و لا يمكن له - على الاقل - آن يحب بمثل هذا الحب " العنيف "... و لكنه يعود ، هو نفسه ، ليناقض كل هذا بنفس الايمان والحرارة اللذين أحب بهما ...

... و سألها هل تحبه ؟ فهمست له بأن يصمت ،  . . وسكن وهو يتأمل هذا التناسق الذي جانس هيكل هذه المرأة . . سكن و هو يتأمل المرأة في روعة انذهالها ... و أخذت له يده و قالت : انك شرقي العواطف ... فابتسم .

كان يفكر ، و هو يغادرها ، في أمر القصة التي ستكتنف حياة هذه المرأة ، نعم قصة لم تعشها بعد ، و لا تعرفها أو تعرف عنها شيئا و انما ، هي تستعر في أحشائها . قصة ستولد ، لا محالة ، ستولد لتبصق بها في تيار اللامفر . . ، اللامفر حيث الهزة المنفعلة ، و الوقدة العارمة ...

و ألفي نفسه يفكر في الانانية وفي اشياء أخرى من هذا الضرب ، و تخيل انه أحد المقربين لهذا الزوج . . . هذا الزوج الذي سيعيش درامة مؤلمة ، لا محالة درامة ستحول كل المفاهيم التي اكتسبها من الحياة والوجود . و المرأة الى مدلولات عجيبة نعم الى مدلولات عجيبة وسيجد لها منطقا ... و هكذا أخذ يحكم على هذه المرأة بكل يسر وسهولة وتأكيد قائلا : انها المرأة . . ،  هي هي عبر التاريخ ...

قال لزميله : انها آلام هائلة تلك التي تغمرنا اذا لم نحسن الاختيار فنخطىء المرمي ؛ . . تلك الالام المطاردة التي نحس بها أمام الفشل . . . فشل معركة التلاؤم والانسجام و . . التفاهم . قال له : ذلك ليس لاحساسنا بخطئنا أو لتصورنا الهزيمة و انما لشعورنا أن الطرف المقابل هو وحده الجانبي ...

...كان يشاهد جمعا من الرجال و النساء في المحفل . . ، وكانت الموسيقى من النوع الهادىء تهدهد الاحاسيس في خلجات رقيقة . . وكان بعضهم يرقص وبعضهم الاخر يتحدث أو يغازل . . ، وكانت فاتنة المحفل في مقرها مع زمرة من جميلات المرقص ، . .  وكانت الانظار تنصب نحوها في تسبيح خشوعي

بائس..، فالكل يشتهيها بعاطفة فوضوية ،.. يشتهيها لان مثل هذه المجالس لا يرجع أمر مواقفها الى مشاكل غرامية أو سوابق عاطفية وانما الى انتصارات مؤقتة ومفاجآت طارئة ليس من ورائها جدوى.. أو مفر...

...كان يراقصها وكانت ملتصقة به..، وكان يشاهد (( الازواج )) تتهادى في رفق تحت أشعة النور الكهربائي الباهتة..، وكانت الليلة حافلة .. حافلة بكل معاني اللذة والنشوة...

ونسى أنه يراقصها للمرة الثانية .. و طارحها أشياء كثيرة وكانت ساكنة على كتفه، .. و في لحظة هدوء هافت أمسكت له يده وقادته الى مقعد..

قالت له : لقد أخذت ألاعب هذا الصباح أختي الصغيرة وكانت سعيدة الى أقصى حد او هكذا تبدو ... و لكن سذاجة حركاتها و عفويتها وبراءتها جعلتني أعتقد بأني اذا ما أردت أن أكون سعيدة فلا بد أن التجئ الى الوهم..، اي أن لا أفكر. لان الطفلة التي بدت لي سعيدة لم تفكر في السعادة أو هل هي سعيدة أم لا ، أو لماذا هي هكذا... فهي ساذجة ، فقاطعها : ولكن في سذاجتها وسعادتها ضربا من الشيء العميق، العميق الى درجة أنه لا يدرك أو يفهم (( وانما يعيه الفرد في قرارة ذاته )). أما أنت فإنك لا تستطيعين أن تكوني مثل هذه الطفلة !... قالت : لماذا؟... و لكنه لا يدرى ...

التفت اليها فابتسمت له ، فأشار عليها بأن تستمع الى اللحن الدافىء الذي ترسله الاسطوانة.. و لكنها أخذت ترمقه في صمت و شرود... فهي تعلم بأنه يريدها ، يريدها فحسب ولكنها تعلم ايضا أن هذا لا يغير شيئا... وغالبتها دموعـها وهي تستحلفه بأن لن يقابلها أو يحاول لقاءها...

...كانت نسيمات الفجر تتخلل جسمه وكانت دراجته تطوى به الارض طيا و نسيها و هو ينظر الى أشعة النور المنبعثة من الاعمدة المنتصبة على حافتي الطريق..، نعم نسيها...

ولما استلقى على فراشه كان يتمتم : (( سوف أنساها كما انسى كل شيء في حياتي : )) لانه كان في قرارة نفسه مؤمنا بأنه لا يمكن له أن يكون أحد أبطال قصتها... قصتها الوجودية .

اشترك في نشرتنا البريدية