الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

لن تكون الأنوثة قدري

Share

الصفعة العشرون .. الرجل ما بعد  ..يقبع أمامى كطيف ميت هرب لتوه من مقبرة متهدمة القبور ..ممسوخ المعالم . مسلوخ الشخصية يترنح وسط أكفانه المهترئة . ببلاهة يرنو الى . بسماجة يلتهم سحنتى . يبتسم مكشرا عن أنيق مذببة كرؤوس سهام صلبة الحديد .

السجار يتململ بين أصابه الغليظة التى نخر التبغ أظافرها ، وصبغها بصفرة باهتة كوجه عجوز دمرتها السنون تنتظر قوارب الفناء لتعبر بها شواطئ الأمان .

الأنوار تسطع في كل مكان الا فى قلبي الذي ظل مظلما ، لا روح فيه ولا حياة كبيت خرب مهجور أصبح وكرا لغربان الأسى .

الضجيج لا يخفت . الضحكات تعلو من كل جانب . مخمورة . مسعورة ، فيها عهر وفيها دعارة ، ورغبة حيوانية تهفو الى منطلق . نماذج نساء نصف عاريات يتبخترون عبر الموائد ، وليمة من اللحم الملون متخمة الدنس . عبيرها المخنق الشذي يكتم أنفاس الليل المنتحبة بصمت . يغرقها فى شلالات الدم القاني المتفجر من عيون السكارى المعربدة عبر الصدور المتوثبة النهود . تتمايل فوق خشبة الحياة ، لاهية ، عابثة..لا مبالية بمأساة الحياة .

المهزلة العشرون  ..النكسة ما بعد..  والرجل .. وأنا أنفث عمري المشحون يأسا ومهانة ، دخانا كثيفا يأكل من لحمى ، ويرتوى من روحي المطوقة بكلاليب القهر والخضوع . والليل والهمسات المتقدة نهما تلغ لثمة من اللحم الاسمر العالق بستر الليل كلعنة نقشت على جبهة الزمن لا تمحى .

وحدة قاتلة تمحقني . تفتت بقية اوهامي المولولة فوق تلال الوهم المهدمة ، وصدى نحبب أخرس يزمجر بأعماقى ، يفجر براكين غيظي وحنقي .

تخرق أفكارى حشرجة مطربة تنوح كبجعة مفجوعة اختطف الأعصار أطفالها ابتسامتها الحقيرة الذل تكتسح حيرتى . تخدش سحنة رفضى . أتعلق بجسمها المصطخب الحركات وهو يرتعش كفزاع طيور تعبث به الرياح . لا أفهم  ما تقول ، إنما يزداد عواؤها أنينا . ويزداد نشيج التائهين فى ادغال الفاقة يغرق الكون حولى فى يم دموع كافرة الشجن . واناأكاد اصرخ . أهوى على الارض صريعة انهيارى ويأسي .

الهيكل المتحرك  كطيف ميت هرب لتوه من مقبرة متهدمة ، يرنو الى بدهشة ثعبان محبوس . يقدم لي الكأس ما بعد الثلاثين .

أرشقة بنظرة بلهاء تقطر غيظا وحقددا . آخذها ورغبة تحثني أن ألقى بها فوق وجهه المسلوخ القسمات .

.زجاجات الشمبانيا تقفز على الركح . تركع تحت قدمى البجعه المفجوعة تخط فوق مخالبها اعجاب السكارى الذين بترت أفكارهم تخمة العبث . يصك سمعي نهيق ملايين الحمير الآدمية الجائعة . تتصارع في اصطبل الوجود . تبحث عن حفنة شعير تسد بها ثقب جوفها المتشنج جوعا ، ولا تجد شيئا .

أتدحرج إلى الارض وزوبعة التصفيق ترجني . يركلني خيالي هاربا . الهيكل يبتسم . يهمس . تذوب همسته فى بوتقة الضجيج والهناف . تتسكع عيناى وسط الغابة الكثيفة ، المزدحمة بالحيوانات الباسمة بقذارة منغمسة في بحر رجسها الى الاعناق فى زهو مقرف ، قاتل .

تلسعني  كلمات بغيضة الرنين : " ماذا تفضلين عقد جوهر أم حلية من الماس ؟ أطلبي أيا أغلى درة لمحتها عيناى .. أنا عبد طلباتك ، وامانيك ".

أطرد ابتسامته بتحد بائس ، وقافلة من الزنوج العراة الممزقى الأجسام تراوغ مقلتي ، تطارد مارد تخمة كان فى اندلاع حرب مجاعتهم سببا . " في مستنقع الفسق تصادر كل الامانى . ويصبح الذل أغلى رداء يتلفع به أسير العمر ليسير مصلوبا على رأسه فى مدينة الزيف واللامبالاة . أرمي بما

فى الكأس على وجهه ، قبل أن ألقى بها على الارض  ..أدوسها برجلي . لا أحد ينتبه . الكل عيون مشدوهة ، منغرزة فى اتجاه الراقصة التى بدأت تتلوى كبواء افريقية مزركشة الالوان .

كتلة اللحم تتثنى . تتمايل كساحرة شريرة ترقص على وقع لحن بدائى . صرخة حواء وهي تقدم أكلة طازجة الى آدم المتوحش النهم .

الاوراق النقدية تتطاير فى الهواء . الهمم تبتر بخنجر المال . الاحاسيس تبقر بمدية العبث . وهي تتلوى . وآلاف الآبار البترولية تزدرد خيبتها بمرارة ترثى ذهبها الاسود المبعثر أوراقه فوق صدور المومسات .

يقفز شيخ معمم ، منمق الوجه بالتجاعيد كفرد يعاني ويلات ألم سرى . تبرق لؤلؤة مفجعة البريق في يده اليمني ، بينما تبقى تتصارع مع أصابعه اليسرى ، سبحة مزدوجة الشخصية ، تبحث عن نفسها فى دهاليز التناقض ولا تلقاها .

يلقى بحبة اللؤلؤ في منعطف صدر الحية الملتوية أمامه بفجور شهى ، بعد أن يختلس قطعة من النهد المتراقص بمكر نادر ، وقد شل بريق اللؤلؤة الفتاك ، سباق الاوراق النقدية .

تترك الركح لتتكوم قبالته ، عاصفة من المطامع لا تنشد هجوعا . كتلة من الرواسب ، والخبث الانثوى الرخيص .

يقهقه مزهوا بانتصاره و" يافا " تحترق فى عتمة دخان السجائر المتصاعد .. والاراضى العربية السليبة تتناحر فى جوف زجاجة الشمبانيا ، الرابضة أمامه باستسلام مضجر .. تندب جنين وطن مات مخنوقا من قبل أن يولد . ترافق و ثبتها الجنائزية صرخة آلاف الاطفال المشردين القابعين تحت الخيام الممزقة ، ينتظرون اغاثة دولية لا تأتي . يعلكون فضلات شعارات تحشو بطونهم بمسامير القحط والمهانة ، يلوكون ترهات حصدتهم دهرا بمناجل الوهم والترقب المر .

تخمة + مجاعة = عدل ..فسق + تحفظ = زيف وفضيلة فاجرة الاهواء . . فقر + ثراء = المساواة الحقيقية!!

في ظلمة ليل العبيد تبزغ شمس الاسياد . وفي حلبة المحرومين ، المطاردين من القدر ، ترتع خيول العسف الالاهى ، والتعنت الانسانى . هذه ملحمة العصر المتحضر . وشعار العالم المجرور من أنفه ، اللاهث نحو فجاج التدهور .

أحاول أن أهرب  أفر بعيدا عن قلعة الغزاة . قدماى تترنحان ..ظلال حمر تجهر عيني كشياطين فارة من جحيمها تصفعنى بغل شرس . ترتطم جباه فى طريقي . ضحكات مسعورة تحاصرني ، تفوح منها رائحة الكبت العربي المتوارث عبر العصور .

ألعق دمي المتساقط من يدى المشروخة . جرحها الساخن لا يؤلمني . تلكع يد ظهري بشهبة جشعة تخاذل سنوات من المعاناة والنزاع يتكدس تحت قدمى . يلتهم مصيري المغتصب . أتف باحتقارى فى وجهه الفاقد الرجولة . أهرب وشبح العروبة المتناقض الزيف يتبخر فى الفضاء . مشهرا رمح القيم المنكسر السنان .

أركض وفظاعة عصور من الضنك والصراع تتبعني .. تسد دروبي . تجرجرني أحزاني الى الخلف .. أركض وقلبي الذبيح يحتضر فى المسالك الضبابية ينعي مدنا استوطنها القهر .. ويرثى عوالم احتل مثواها التعسف والهوان . تطاردني الهزيمة ما بعد ..تصادر أيامى . تنصب لى مقصلة تمور فى رحم تربتها ثورة حاقدة الرفض ..

رفضت أن اكون بضاعة بيد سفاح فاجر . صرخت . حاولت أن أمحق الجميع برفض . بصقة على وجهى . ركلة على قفاى ، وهوى السوط يشوى جسمى الرافض الهزيمة .

سقطت أتمرغ في بركة ذلى تحيط بى ضفادع العجز تنقنق بمعزوفة يأسى المقتولة الايقاع .

ابتسم سماسرتي وهم يزجون بي في سوق الدنى . ارتمت على أذرع فولاذية الملمس ، كبلتني بأغلال الرضوخ ، لتدفعني غصبا نحو قافله العبيد . تكومت بقايا رفض في عربة الفسق تندب بصمت حياتى المتهشمة . جابت بى العربة منعرجات مدينة القحط  ..تلهث خلفها كلاب المجاعة تلسع جسمى من حين لآخر بسوطها الملتهب .

غرز السمسار براثنه فى جرح كتفي المفتوح الاشداق . تألمت فى سرى ، وطريق الخلاص قد أوصد فى وجهى بشراسة ملحدة . تأوه عمرى فى عويل أخرس ، انهال السوط على ثانية يقمع بوادر ثورتى . يدس انفي فى التراب

"عندما يصبح الانسان أرخص بضاعة فوق رف الوجود ، يغدو الرضوخ أسهل سبيل يسلكه العاقل المسلوب الكرامة ..المغصوب الكبرياء.." بكيت حسرة والعيون تفتك بى . تنهب جسمى  ..وأحلامي تولول فى دياجير مهانتى .

تعالت الاصوات منفرة ، لئيمة . خبيثة تساوم أنوثتى . جس أحدهم بطني . كاد يقتلع آخر نطفة من صدرى باصبعه الخشنة تسكعت نظرات آخر بين.. زفر شفتيه . بحلق بعينيه . ثم دس صرة فى يد جلادي المنتفخ الاوداج ، تبادلا بعدها تكشيرة متواطئة .

جرنى من شعري ليرمينى خلفه على ظهر الجواد الشامخ الهيبة . تشبثت به ورفات أيامى تهرب نائحة . اختلط صهيل الجواد ، بنباح الكلاب ، بنحيب حواء الموؤودة المستسلمة الرافضة النزوح الى مقبرة الانوثة . وقد تكورت في مهجتى كلمات همجية الوقع تشكنى بآلام لا حصر لها .. عندما يتوغل العهر فى النفوس ، يكون الانسان قد تسلق آخر درجة من سلم الانحطاط البشرى .. وتكون القيم قد أغرقتها دماء المبادىء الطعينة النازفة تحت أقدام الجلادين الجياع ..

نبح سيدي طربا وهو يتفحص بضاعته . حاولت اخفاء آثار وشم السوط على جسمى . بحثت عن ردائى الممزق . لم أجده . جذبني اليه بفظاظة متنمرة : جسمك يا حسنائى نازف الجراح .. لكن لا يهم ..انا اهوى الدماء المنسابة من النهود الجريحة . متعتى امتصاص الدماء ..ما أروع قطرات الندى المنهمرة فوق أوراق الورود العطشى ..تعالى..

ارتمى على كالصقر الظامئ والعالم الحر يتكسر قطعة قطعة كزجاج داسته حوافر خنازير برية.. أجيال من الجوع العربى تحترق فى صحراء قاحلة جف نبع بترولها . وأنا أتمزق بين يديه . ومنقاره يلعق دمى . أرنو الى وجهه . ابحث عن نفحة حنان فى ليل ملامحه المتوقدة  ..لا تلمح عيناى غير اكوام نهم بدائى حيوانى الجشع . أبحث عن قلبه . أحاول أن اخاطب عقله ..لكنى لا

أجد سوى رمال ساخنة تردمني في جوفها المستعر . كلما حاولت الصعود الى فوق .. لا يبغى هو الا النزول الى تحت ! !! أنا اصبو الى الاعلى . . وهو يهفو إلى الاسفل !! دوما الى الاسفل ؟ !!

ارتميت الارض ايكي وقد تعبت من التسلق الى الفوق ، والنزول الى الهاوية . فجأة وجدت نفسي مع أشلاء آدمية باهتة الصور .. مطموسة المعالم . نظرن الى بحقد خامل وعشرات الغربان الناعقة تعشش فوق رؤوسهن المشروخة صفعتهن بصمتي وانزويت فى الركن أجمع شظايا حواء الموؤودة عبر الزمن .

البكم يلجم الجميع . نظرت الى الجدران ، كانت مزينة بمئات الالسنة . دقت بابر القهر فوق الحيطان المغسولة بالدماء والدموع .

ركلتني نظرة راكدة الحزن من عين أنثى فاقدة الانوثة " تلك آلسن قطط حاولت ممارسة متعة المواء ، فالتهمتها سكين القصاب الحادة . الخرس هو قدر الاناث الفاقدات الانوثة فاصمتى أيتها الرافضة المخبولة" أطبقت فمي ووحوش لا مرئبة تتواثب فى الهواء ، تراوغ لحظة غفوة منى لتقتلع لسانى تزين به الجدران الدامية العطشى ..

آزحف نحو درب الهروب وزئير جلادي يشحن ضمير الكون بلعنه قذرة المنبت ، تحفر خنادق العدم تحت قدمي.. وكياني يرشح بذلي ..

أركض والليل معي يضمد بيد جراحي النازفة.. ويحفر بيد اخرى جحورا صغيرة فى ذاتي يحشوها بجراذين العجز والتعاسة .

تلتقفني  ذراع نصف حانية . أبكي وكبريائى تخر صريعة أمام عسف المبادئ الملفقة . تراودني فرحة سراب مخادع . أبتلع فتات رفضى . أرفع رأسى الى فوق أنشد الامان . انتزع مسحة طمأنينة . ينزل برأسه الى تحت . تحوم نظراته النهمة حول مكان ما !!

أدفعه عني ولواعج نكستى تساندني . يقع أرضا . أرفسه برفضى . أعود  أركض تهدهدني خيبة حياتي المجهوضة ، وصوت مخنوق لعذراء ثكلى بهمومها ، ينتحب . يلغم صدر القمر الميت بآهة ملتاعة تفرقع بلهيب مدمر .. تنسف أعين أشباه الرحال الذين لا تجذبهم سوى المغاور السفلية ، فلا يرفعون النظر الى ما فوق أبدا ..

أشاه الرحال الذين لا يعترفون بالحب ولا بالشعور . يدوسون جوهر الاشياء بأقدامهم ، ويخرون صرعي أمام بريق القشور . لا يقدسون من الانوثة سوى المتعة المجردة من الجنس  ..والانوثة المسلوبة من الانوثة!! من يومها

وأنا أترقب الموت . أناديه . أترصده . يوم عرفت أن قدر الانثى بضاعة تباع وتشترى فى سوق الخناء . تباع بالمزاد العلنى . تساوم بالجنيه والدولار . . تغلف بورق شفاف لتقدم الى غبي جشع محشو الجلد بالاوراق النقدية .. منصهر القوى بوهج أكياس الذهب .

عرفت أن الانوثة قدرى ، فكسرت أغلال الحياة كي أتحدى أبالسة الموت . أراودها فى كل لحظة . أجلدها برفضى . أتلذذ بارتياعها . أنتشى بفزعها الاحمق . أرش وجوهها بنيران هزيمتى ..

وكان لا بد أن أرحل . لا بد أن تعود حواء الموؤودة الى القبر الذي رصدت له . أدفن حياتى فى حفرة نقية التربة . أنسى ، ولا أتذكر أبدا أن مدينتى ما هى غير غابة شاسعة مملوءة بذكور بلا رجال . وأشباه رجال بلا عقول . وإنان بلا نساء ونساء مهشمات الكبرياء بلا مصير .. والكل ضائع فى متاهات الهوس واللا معقول .. يتزحلق نحو هوة الاندثار .

اشترك في نشرتنا البريدية