سيادة الاستاذ الكبير عبد القدوس الانصاري حفظه الله وأبقاء ظلا ظليلا ودوحة لرواد الادب . .
من الاعماق أحييكم أجمل تحية مقرونة بالاحترام والاعتراف بالجميل وبعد : برفقة الحلقة الخامسة من لهجات بادية الجزيرة التى حظيت بتشجيعكم وافساح صفحات المجلة لما يرد فيها من كلمات تكاد أن تندثر من قلة استعمالها واندماج البادية مع الحاضرة واستعمال ما يتكلم به الحضرى من أساليب جديدة دخلت بحكم التطور والتقدم في أسماء الأشياء ، وأرجو من سيادتكم افساح المجال لما جاء من ملاحظة في قولى على الذين يعتبرون ما اذكره تشجيعا للهجة العامية وتفضيلها على اللغة العربية . . والحقيقة عكس هذا ولا استغنى عن حاشية بقلمكم تكشف الحقيقة وتؤيد ما أرمي اليه . . واقتنعت به مجلتى الحبيبة تحت اشراف العالم اللغوي عبد القدوس الانصارى ، ولا أقول هذا تملقا ولا نفاقا وانما هو الحق . . أبقاكم الله وأمد في عمركم . . والسلام .
الشريف منصور غازى العبدالله جدة - الثروة المعدنية
الطارق : قال الله تعالى ذكره : "والسماء والطارق . وما ادراك ما الطارق ، النجم الثاقب ) . . الطارق أصله كل آت ليلا ومنه النجوم لطلوعها ليلا ، هكذا قال المفسرون . وأعراب الجزيرة العربية تقول للضيف القادم ليلا : ( طارق ) . . وهو استعمال يصور الواقع بعمق اللفظ . وهذا ضرب بياني من روائع اللغة العربية التى تبين فى رسم الحروف المدلول بعمق الملفوظ وقد طبع لفظها مع أصالة الطبع العربى من القديم حتى عصرنا الحاضر . . فلم يزل الضيف مكرما . . والطارق معززا مخدوما .
وقد وردت هذه الصفة في أنشودة غناها ابراهيم بن المهدى ، كما روى ذلك الاصفهانى في كتابه الاغاني:
طرقتك زائرة فحي خيالها
بيضاء تخلط بالحياء دلالها
هل تطمسون من السماء نجومها
باكفكم او تسترون هلالها ؟
وتقول البادية للرجل المسافر : ( طرقي ) وهذه صفة دالة على أنه ضيف سيطرق باب كل من يقابله عند حاجته . . والضيف دائما هو المسافر . .
وضم : من قدر له زيارة البادية ورأى مضاربها الجميلة . . وارتوى من مائها الزلال سيرى أنه يشرب كل مشروب من لبن أو ماء باردا . . فمن أين هذا ؟ . . ولو نحث لراى الوضم أمام عينيه ويسميه بعض الاعراب ( الصفيف ) وهو اسم على مسمى . يرى أربعة قوائم من أعمدة ارتفاع كل واحدة متر تقريبا . . وعليها عيدان مصفوفة من لخيرران أو عيدان الاشجار مخللة بالأعشاب لسد الفراغ ما بين كل عود . . ويوضع على
هذا " الصفيف " أوعية الماء كالقرب . . أو لصملان - وهو ما يوضع فيه اللبن الرائب المعد ليكون صبوحا -
قال الإمام اللغوي أبي منصور عبد الملك الثعالبي مؤلف فقه اللغة وسر العربية "كل ما وقيت به اللحم من الارض فهو وضم" . . والاسم شامل لكل ما هو مصفوف مرتفع عن الارض . .
مرق : إذا مر الرجل من أمام مجموعة جالسة وكان مروره مسرعا . . يسمى مارقا . .
يقول الرجل : هل رأيت فلانا ؟ فيكون الجواب : رأيته مارقا من أمامى
وردت هذه الصيغة وأصالتها العربية على لسان سيد العرب وفصيح العربية رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث له : " يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " . . قال الشارح : ومرق السهم من الرمية خرج من الجانب الآخر . ويقول بعض الاعراب للرجل اذا استأذن للدخول : أمرق . . تفضل
المزودة : وعاء زاد المسافر .
الخرج : - بكسر الخاء وسكون الراء - وعاء آلات المسافر .
العيبة : وعاء الثياب .
هذه أسماء أوعية يستعملها البدوى في صحائه وهي غير متوفرة لدى الحاضر . . وقد تعتبر هى الطابع الأصيل للبدوى . ولم تزل مستعملة هذه الأوعية ويقال عنها بأسمائها القديمة . . ذكر هذه التفسيرات الموضحة بعاليه مؤلف " فقه اللغة وسر العربية " الثعالبي رحمه الله .
الذرى : هو ححاب يوضع على مؤخرة الذي يسلكه البادية عاده . وهو حجاب يفصل بين المار ومن بداخن البيت . . ويذرى على ساكنه من الغبار .
أحاد وصف هذا الذرى شاعرنا المعروف أبو الطيب المتنبى عندما قال يمدح سيف الدولة:
تركت السرى خلفي لمن قل ماله
وانعلت أفراسى بنعماك مسجدا
وقيدت نفسي في ذراك محبة
ومن وجد الاحسان قيدا تقيدا
اذا انت أكرمت الكريم ملكته
وان انت أكرمت اللئيم تمردا
ذر : - بفتح الذال وتشديد الراء - يقول العربى : ذرت الشمس - أى طلعت . . أول طلوعها . . هذه الكلمة مشهورة منذ البادية في هضبة نجد . . وتستعمل كوصف دقيق لبزوع الشمس وتنفسها مع الحجب . . يظن البعض انها من اللهجات العامية التى لا تستند الى أصل ولا تدل على دلالة . . والحقيقة أنها من لهجات العرب لأصيلة ، وردت على لسان الشاعر العربى المعروف أبي الطيب المتنبي عندما كلفه كافور ذكر الدار التى بناها . . قال :
نزلت اذ نزلتها الدار في
أحسن منها من السنا ، والسناء
حل في منبت الرياحين منها
منبت المكرمات والآلاء
ففتح الشمس كلما ذرت
الشمس منيرة سوداء
في ثوبك الذي المجد فيه
لضياء يزري بكل ضياء
إلى أن قال :
فارم بي ما أردت مني فانى
أسد القلب آدمي الرواء
وفؤادي من الملوك وان كان
لسانى يرى من الشعراء
ولكى نوضح تقارب المسميات والمشتبهات من ذر والذرى والذاريات الوارد ذكرها في القرآن العظيم . . فأن ذر تقع فعلا لفاعل والذرى ، والذاريات : اسم . . فالذرى : حجاب وستار . . والذاريات : هى التى تحثو وتذرو ، أى تحمل معها في طريقها الأتربة . . ودلالة كل جملة ، الحالة التى يتكلم فيها المتكلم . . ويستنبط المستمع المعنى بدقة اللفظ وانسجامه مع المعنى .
وبمناسبة هذا الحديث ، أقول : وردتني رسالة من ابن عم لى يدرس في جامعة كمبردج ببريطانيا ويحضر للدكتورية فى اللغة العربية . . يحثنى مشكورا على مواصلة هذه الحلقات . وأبدى أنه لا يشجع احياء تراث اللهجة العامية وتفضيلها على اللغة العربية الفصحى . . وأؤكد من جديد هنا أن الهدف من نشر هذه الحلقات هي اثبات ان بادية الجزيرة العربية لم تزل ولن تزال
فيها أصداء قوية من لغتها العربية الفصحى عم ما أجاحها من تيارات لهجات ولغات متعددة . واني أقارب بين اللفظ في العصر الحاضر وبين ما قاله سلفنا المجيد وأجدادنا الأماثل الذين عاشوا على أديم هذه الجزيرة وجابوا ربوعها وتحدثوا بلغة الضاد وذادوا عن حياضها من كل مفتر . . وما قصدى الا خدمة اللغة العربية وربط حاضرنا الذي يمثل الكثير فيه من حيث اللهجة والنطق والتعبير كثيرون من باديتنا . . والدلالة على صحة قولى واضحة ، من الاستشهاد على كل كلمة من الكلمات التى سردتها آنفا وفي الحلقات السابقة على آية شريفة ، أو حديث نبوى ، أو قول شاعر عربي . . ولا أقول : انني قد أصبت كبد الحقيقة بريشة قلمي . . وانما طلبت ولم أزل أطلب من كل مطلع يملك الدليل أن يساهم في نشر هذا التراث وايضاحه لقراء مجلة المنهل التى آلت على نفسها خدمة العلوم والآداب .
الخرص : في الحلقة السابقة . . تطرقت لكلمة أخرص . . وأوضحت أن البادية تستعملها من باب الحدس . . والتقدير . واستشهدت بآية من القرآن : ( قتل الخراصون ) . . وذكرت أن المعنى في الآية الكريمة : الخراص الكذاب . وقاربت المعنى بين الكذاب والحادس الذى بنى قوله على
التحذير . . الا أن بعضهم لم يعتبر هذا دليلا على صحة استعمال الكلمة بمعناها التقدير والحذر ، فعدت الى البحث حتى هدانى الله الى كتاب جليل هو " سنن أبى داود " حيث ورد فى كتاب الخراج والامارة والفئ ، منه حديث أخرجه البخارى ومسلم فى صحيحهما : ( حدثنا سهل بن بكار وأسند الحديث الى حميد الساعدى قال: غزوت مع رسول الله ( ص ) تبوك فلما أتى وادى القرى اذا امرأة في حديقة لها فقال رسول الله ( ص ) لأصحابه : ( أخرصوا ) - بسكون الخاء وضم الراء والصاد - فخرص رسول الله ( ص ) عشرة أوسق . فقال للمرأة (أحصى ما يخرج منها ) . . وأكمل الحديث حتى عاد الجميع الى المدينة ) . . ومن أراد الاستفادة فليرجع الى سنن أبى داود . . وعسى أن يكون في هذا الحديث اقناع لمن أراد الايضاح . . هذا وقد قال الشارح الخرص بالفتح : الحذر والتقدير
الخرسة : - الخرس بضم الخاء وسكون السين - هو طعام الولادة . . وهذه الحالة لم تزل موجودة عند البادية ، فالمرأة التى تضع مولودها يرسل اليها من جاراتها اكلة شهية مع الصباح تسمى الخرسة . وقد أوردها الثعالبى في فقه اللغة بنفس المعنى.

