الحلقة الحادية عشرة
قحز : القحز بفتح القاف وسكون الحاء هو : الوثب والقلق . . قحز - بالفتح - يقحز قحزا قلق ووثب واضطرب هكذا جاء فى لسان العرب وقال رؤية : -
اذا تنزى قاحزات القحز يعنى شدائد الامور . وفى حديث ابى وائل : أن الحجاج دعاه فقال له : أحسبنا قد روعناك ! فقال ابو وائل : أما انى بت أقحز البارحة اى انزى وأقلق من الخوف . . وقحز الرجل فهو قاحز اذا سقط شبه الميت ، وقحز الرجل من ظهر البعير يقحز قحوزا : سقط . وهى كلمة فصيحة مشهورة على ألسنة اعراب البادية فى وسط الجزيرة العربية ، وبالاخص هضبة نجد ، ولم تزل شائعة الاستعمال . . يقول الرجل لصاحبه . . تقحز اليوم يا فلان . . أى هل انت اليوم مسرور . . ويظهر لى اختلاف المقصود بين قول الشارح فى اللسان وبين ما تتلفظ به أعراب اليوم فهم يقولون : هل أنت تنوز . . وهى بمعنى القحوز . . وقد جاءت فى شرح حديث أبي وائل السابق . .
غبش : الغبشة - بضم الغين - : ظلمة آخر الليل وهى ظلمة يتخللها نور ضعيف يبشر بقدوم الصباح ، وهو وقت محبوب عند البادية رجالا ونساء حيث يصحون من نومهم مبكرين فى مثل هذا الوقت ويحلبون نوقهم وأغنامهم ، ويسرحون بها الى محل العشب والنبت المختلف بعد أن يؤدوا ما عليهم من فرض الصلاة . . ويعيبون من ينام فى مثل هذا الوقت ، ويحكمون عليه بفوات الخير . . لان الخير فى التبكير قال الثعالبى فى فقه اللغة وسر العربية : ( الغلس والغبش آخر ظلمة الليل ) . .
أوجس : أوجس . . كلمة شائعة الاستعمال عند البادية عربية فصيحة . . قال سعدون العواجى من شيوخ عنزة فى كتاب ابطال من الصحراء - ج ١ - لمؤلفه الامير محمد بن أحمد السديرى . . قال :
أوجست من حر الليالى سعرها
وذكرت طيب أيامنا الفايتاتى
ونشدت وين اللى ينثر حمرها
وقمت أتذكر وين حروة شفاتى
اللى الى جاء الخيل خبث كدرها
صونه ذعار القرح الصافناتى
هذا شاعر من صميم البادية ، جاءت الكلمات على لسانه سجية وفطرة عربية بدون تكلف . . ألهبت الآلام والهموم شاعريته ولم يذكر فى الحياة ومن سيرد له عزته وهيبته الا ابنه . . وجاءت الكلمات فى شعره سلسلة . . حر الليالى . . ما يحس به الانسان من حزن اذا ارخى الليل
سدونه وتذكر الرجل ظلم من ظلمه والحيف الذى حل به . . انه حر . . لا تطفؤه برودة مكيف ودوران مروحة كهربائية . . انه حر نار تتضرم فى الحشا وتشعل القلب لهيبا ( سعرها ) . . هيجان الحر قال الله جل ذكره (( واذا الجحيم سعرت )) وقال جل اسمه (( ان المجرمين فى ضلال وسعر ) . .
بالله أى سألتك به . . وتقول البادية للشعر . . نشيد يتناشدون به بينهم فى الاسمار . . ( ينثر حمرها ) الاحمر هو دم الابطال لا ينثره الا بطل مغوار ، أصبح السيف عبدا طائعا بيده . ( نثر ) تساقط ذرات متتابعة . . ويقول بعض أعراب نجد : ( كب ) بضم الكاف وسكون الباء . . ويختلف المعنيان اختلافا بسيطا . . فالنثر ارسال المنثور بدون تنظيم ولا حدود بعكس الكب فهو اسقاط المكبوب من عل الى أسفل يكبه على وجهه . . ( الحروة ) الحدس وقيل : المكان الذى أجد فيه ضالتى ونشدتى . . ( الصافنات ) : هى الخيل وقد وردت أصالتها فى القرآن الكريم ( اذ عرض عليه بالعشى الصافنات الجياد ) قال االعلامة حسنين مخلوف فى كتابه صفوة البيان . . الصافن من الخيل القائم على ثلاث قوائم وقد أقام الرابعة على طرف الحافر يقال . . صفن يصفن صفونا فهو صافن . قال مؤلف مختار الصحاح : الصافن هو الذى يصف قدميه . جاءت هذه المفردات فى ثلاثة ابيات من شعر سعدون العواجى أحد أبطال هذه الجزيرة ولو تتبعنا اشعار قساورة الجزيرة لوجدنا ما يملأ الاسفار ، عربى اللفظ والمعنى . . أصيل الطابع والجرس . .
وبالمناسبة وقد تطرقت لكتاب ابطال من الجزيرة . . أقول : ان هذا الكتاب قمين
بالاطلاع يبين للشباب حياة اجدادهم وبطولاتهم بأسلوب مرن شيق . . قصص واقعية لا يشوبها تضليل خيال ولا تدمغها وصمة باطل ولا نفاق . . تحكى شجاعة العربى على أرضه ومن أجل عرضه . . وتبرز معالم الانفة والاصالة والحمية والنخوة . . وناهيك بمؤلفه . . ذلكم هو الامير محمد السديرى الشاعر الذى طوع الحروف لتعبر عن الحكمة وحسن القافية . . والأمير الذى عرف أسلوب الادارة الحكيمة وعايش فى ربوع الجزيرة وعرف ما اعتراها من غنى وفاقة . . منذ كانت فى تفرق شملها حتى وحدها صقرها المرحوم الملك عبد العزيز ثم جاء عهد النهضة الكبرى الذى يقود قطارها (( الفيصل )) البانى . وهؤلاء السديريون وقفوا يعاضدون أسرة البناء والخير . . من هذا جاء الكتاب بدون نزوات ، يحكى الواقع ويسطر خطوط الروعة والتضحية فى تاريخ البطولات .
سبر : بالفتح نظر بتمعن : أسبر اين يتجه القوم ؟ . . أسبر قدوم العدو . . كلمة عربية تستعملها البادية . . جاء فى مختار الصحاح : سبر الجرح : نظر غوره ، وبابه نصر . والمسبار بالكسر ما يسبر به الجرح .
ورى : يورى النار أى يشعلها . جاءت فى فقه اللغة عند ترتيب سياقه اسماء النار . . قال الله جل ذكره فى سورة الواقعة : ( افرايتم النار التى تورون ) . الآية .
حاد : بالفتح . . مال . . يقول العربى حد جاى . . أى مل جانبا . . واستظل بالظل . .
جاءت فى شعر ابى الطيب المتنبي عندما مدح أبا الفوارس دلير بن لشكروز وكان قد جاء الى الكوفة لقتال الخارجى الذى نجم بها ، من بنى كلاب ، وانصرف الخارجى عن الكوفة قبل وصول دلير اليها ومطلعها :
كدعواك كل ، يدعى صحة العقل
ومن ذا الذى يدرى بما فيه من جهل
تقولين ما فى الناس مثلك عاشق
جدى مثل من أحببته تجدى مثلى
حتى قال فى مدحه :
عفيفا تروق الشمس صورة وجهه
ولو نزلت شوقا لحاد الى الظل
شجاع كأن الحرب عاشقة له
اذا زارها فدته بالخيل والرجل
ونى : بالفتح من الونى وهو الضعف . . تقول الاعراب اذا اصابها تعب ونصب : انا ونيت . . اى ضعف حيلى ولا اقدر على السير . . وعند التأوه والاستعجاب . . تقول الاعراب : يا ونتى . . جاءت هذه الكلمة فى معلقة النابغة الذبيانى الشاعر الجاهلى المعروف . . قال :
جاوزته بعلنداة مناقلة
وعر الطريق على الاحزان مضمار
تجتاب أرضا الى أرض بذى زجل
ماض على الهول هاد غير محيار
إذا الركاب ونت عنها ركائبها
تشذرت ببعيد الفتر خطار
تجتاب تقطع وتجوب . . علنداة ، شديدة وهو وصف للناقة الذلول . .
( مكة المكرمة )

