(الحلقة الثانية عشرة)
نبز : النبز هو تلقيب الشخص باسم يعيبه ويكرهه . . نبز فلان أخاه . . أى لقبه باسم يكرهه . . وهى عربية فصيحة تقولها اعراب الجزيرة العربية وقد جاء الاسلام بتعاليمه السمحة وآدابه الرفيعة العالية . . ونهى عن التنابز وجرح شعور الاخ المسلم بما يكره من الالقاب . . وتسميته باسمه الذى عرف به بين مجتمعه واهله . . وكان هذا النبز شائعا من ايام الجاهلية ابان المنازعات القبلية وقيام شاعر كل قبيلة باخراج عيوب ومساوىء القبيلة الأخرى .. حتى حل الاسلام فى ربوع الجزيرة وارشد الناس الى الحق والمحبة والالفة ولم تزل أمثال هذا النبز معروفة في الوقت الحاضر ولكن بطريقة غير محرجة ولا مخجلة للملقب . . وقد وردت أصالتها في القرآن
الكريم . . قال الله تعالى اسمه : ( يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالالقاب بئس الاسم الفسوق بعد
الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ). أنها تعاليم سماوية رفيعة وعلاج للادواء الاجتماعية التى تبعثر الصف وتهدم البنيان . جاءت فى أحكم بيان وأفصح تبيان .
ملص : كلمة عربية فصيحة لم تزل البادية تلهجها على بيانها وروعة تعبيرها ودقة ايضاحها وهكذا تميزت اللغة العربية عن باقى اللغات بالتعبير الحسى ودقة الوصف والإيضاح عن المتكلم عنه . . جاء فى لسان العرب : أملصت المرأة والناقة وهى مملص رمت ولدها لغير تمام والجمع مماليص .. وقال الليث اذا قبضت على شئ فأنفلت من يدك قلت أنملص من يدى انملاصا وانملخ بالخاء وانشد ابن الاعرابى :
كان تحت خفها الوهاص
ميظب أكم نيط بالملاص
والتملص .. التخلص يقال ما كدت أتملص من فلان .. وتقول الاعراب عندنا الآن : كان يمشى معي زيد وانملص ..
زنط : المفهوم عند البادية عن الزنط هو الخنق فلان زنط فلانا حتى مات .. وقد لا تحدث الوفاة من عملية الزنط .. ولكن من باب المبالغة وقوة تأثير الخنق .. جاء فى لسان العرب الزناط هو الزحام وقد تزانطوا إذا تزاحموا .. وهذا يتفق مع الحال من حيث الصورة .. فالبادية اذا جاءوا الى سوق
المدينة ورأوا كثرة الزحام يقولون ما هذا الزناط .. واذا وصف حالته بعد الخروج .. كدت انزنط فى السوق من كثرة الزحام .. وهكذا تنطبع الصورة فى ذهن المستمع .. انها لهجات البادية الفطرية المتناسقة الدالة على دقة العربية وسر لفظها .. وفى شمال الجزيرة تقول الاعراب الطفل بزحلق والده أى أمسكه وشد عليه . . وهذا الاختلاف يدل على التصوير الفعلى للحركة الصادرة من المبدع لها .. حسب البيئة ولهجات قبائلها .
قحص : فى الحلقة الفائتة وردت كلمة ( قحز ) وشرحت مدلولها - الا ان بعض القراء الكرام ظنوا انها هى قحص .. وليس قحز .. وفي هذه الحلقة سأحاول تبيان هذه الكلمة عسى القارئ يجد ضالته . .
قحص . . بالفتح هى الوقوف بسرعة يسبقه جلوس على الارض . . اذا دعى الرجل بالسرعة . . تكون عملية الوقوف بحركات سريعة هى القحوص . . وأما القحز فهى عملية الوثب . . والبون شاسع بين الحركات والانفعال والحال . . ولا أشك في أصالة هذه الكلمة ( قحص ) ولو أننى حتى الآن لم أجد قولا مأثورا اجعله دليلا أقنع به القارىء .. ولو ان البادية وبيئتها الاصيلة تعتبر أدق معجم يعود اليه الباحثون . . بل هو المورد الموثوق به عند اصحاب القواميس اللغوية فى السابق . . وهو اليوم الذى نستقى منه هذه الكلمات ونقدمها للقارئ هدية فخر واعتزاز لهذه البيئة التى لم تزل محافظة على كيانها ووجودها الروحى ..
وقش : اذا سمع الانسان صوت حركة خافتة يغلب عليها طابع الهمس .. يقول انا اسمع وقش رجل قادم .. وهى من المفردات العربية التى لم تزل البادية تستعملها وقد جاء فى فقه اللغة للثعالبى فى فصل أصوات الحركات ان الوقش صوت حركة الانسان.
اترز : أيبس واضمر .. واذا رأى ذلولا مضمرة قال انها متروزة ..
وردت أصالة هذه الصفة فى قول الشاعر الجاهلى المعروف أمرىء القيس :
وقد أغتدى والطير فى وكناتها
لغيث من الوسمى رائده خال
تحماه أطراف الرماح تحاميا
وجاد عليه كل اسحم هطال
بعجلزة قد أترز الجري لحمها
كميت كأنها هراوة منوال
والعجلزة هى فرس شديدة متينة الخلق.
نضا : المفهوم عند الاعراب ان نضا سيفه .. أى سله .. ونضت المرأة عن وجهها أى كشفت عنه وابرز جمالها القاتل وفتنتها المغرية . . يصور هذه الحالة ومعناها اصدق تصوير ما جاء فى شعر سمو الامير عبدالله الفيصل الذى يعتبر من فحول شعراء الحاضرة
والبادية فصيحا ونبطيا . . جاء في كتابا المشهور وحى الحرمان في قصيدة : ( فى روضة الهوى ) قال شاعرنا :
ما كنت أومن بالعين وفعلها
حتى دهتنى فى الهوى عيناك
الحس قد ولاك حقا عرشه
فتحكمى فى قلب من يهواك
قلبى كما نبغين الف صبابة
قد مل كل خريدة الاك
بالله يا أملى الحبيب ترفقى
انى وربك فى الهوى مضناك
فرنت الى وقد تألق لحظها
أفديه من لحظ رنا فتاك
ونضت عن الوجه الوسيم وتمتمت
يا روحه الظمأى على رواك
وتعانق الروحان فى روض الهوى
فثملت حتى غبت عن ادراكى
وقد جاء فى مختار الصحاح ان نضا سيفه سله ، وشعراء البادية عندنا وأعنى رواده المشهورين يقولون هذه المفردات سجية وفطرة بدون تكلف وفيقهة ويصدق قولى هذا من قرأ شعر سمو الامير شاعرنا المجيد - بضم الميم - عبد الله الفيصل وغيره من شعراء البادية كالشاعر سعدون العواجى رحمه الله والشاعر المغرد محمد أحمد السديرى والشاعر الفريد حسين سرحان وغيرهم . فليدم الله هذه الدوحة الوارفة الظلال .
( مكة المكرمة )

