- الحلقة الخامسة عشرة
ضفر
_ بفتح الضاد وسكون الفاء _ صفة تطلقها العرب على الرجل الشجاع المعوان فيقال فلان ضفر اى يعين كل من طلب عونه ولا يتصف بها الا كل رجل شهم وهى عكس ظفر بالظاء والتى معناها كسب أو ربح فيقال
من صبر ظفر . . واختلاف الحرفين مع ان مخرجهما متقارب ، جعل المعنى يختلف من صفة في الاولى الى جملة اخبارية في الثانية يدل دلالة واضحة على دقة التعبير في لغة العرب . وقد وردت اصالة الصفة التى نحن بصددها فى أبيات من شعر ابى الطيب المتنبى حينما قال :
حاشى الرقيب فخانته ضمائره
وغيض الدمع فانهلت بوادره
وكاتم الحب يوم البين منهتك
وصاحب الدمع لاتخفى سرائره
لولا ظباء عدى ما شغفت بهم
ولا بربربهم لولا جآذره
من كل أحور فى أنيابه شنب
خمر يخامرها مسك تخامره
نعج محاجره دعج نواظره
حمر عقائره سود غدائره
يا من تحكم في نفسي فعذبنى
ومن فؤادى على قتلى يضافره
وقبل أن أنتقل الى مفردة أخرى أبين انه قد وردت مفردات عربية في هذه الابيات لم
تزل البادية تلهج بها ( نعج ) وهو البياض و ( المحاجر ) جمع المحجر وهو ما دار حول العين ، و ( الدعج ) هى السواد و ( العقائر ) جمع عقارة وهو خمار تجعله المرأة على رأسها و ( الغدائر ) هى الضفائر من الشعر ودائما يكون جمال المرأة محصورا بين العيون والشعر وكلاهما يتضافران على سقم المحب وقتله . .
مرص
المرص _ بالفتح _ هى حركة تعملها الاصابع بالثدى ولا تقال فيما اعتقد الا على الثدى ونسمع الاعرابية اذا ما أمسك الطفل ثديها وحركه باصابعه تقول : مرص ثديى حتى كاد يقطعه ، وقد جاء في لسان العرب المرص للثدى ونحوه كالغمز للاصابع مرص الثدى مرصا غمزه باصابعه . . وقد جاء فى اللسان قوله : ونحوه اى انه أجاز ان يقال في غير ذلك الا اننى لم اسمع احدا من البادية يقول مرص الرجل اذن الولد بل يقال فرك اذنه ، وهنا يلمس القارىء الكريم سرا من أسرار اللغة العربية الذى اكسبها الخلود والبقاء وهى ان تجعل لكل كلمة الحالة الدالة على الحركة المطابقة للفعل والموضع ، وعسى أن أجد فى المستقبل تعليلا آخر أكثر ايضاحا للمرص أدونه فى هذه الحلقات .
ذيط
كنت في سوق من اسواق العرب بمدينة فى مملكتنا الحبيبة فسمعت اعرابيا لا يعرف من الكتابة رسما ولا حرفا ومن القراءة لا لفظا ولا سطرا وانما بفطرته العربية ينادى رجلا
قد أدبر بعد ان اختلف معه فى سعر بضاعة كانت معه _ سمعته يقول : يا ذيط . . يا ذيط ! فعجبت من هذا الاسم الذى اطلقه الرجل على أخيه وسألت الاعرابي عن اسم ذلك المدبر وهل هو حقيقة كما سمعته ؟ فابتسم وقال : والله لا اعرفه ولكن انظر الى مشيته وكثرة لحمه . . واصبح هذا القول صفة اطلقها الاعرابى تبيانا لحالته التى كان عليها صاحبه . واخذت ابحث عن اصالة هذه الصفة وهل سبق ان قالها أحد من العرب ؟
فعثرت عليها فى لسان العرب وعسى ان أجدها في المستقبل في بيت شعر قاله شاعر عربى أو حكمة أو أثر . . جاء فى اللسان : ( قال ابو زيد (( واسمه سعيد بن أوس الانصارى )) ) ذاط في مشيه يذيط ذيطانا اذا حرك منكبيه في مشيه مع كثرة لحمه ) أهـ ولم أجد غير هذا الشرح . هذه من لهجات بادية نجد .
شروى
_ بفتح الشين بعدها راء عليها سكون ثم واو بعدها ألف لينة _ .
بمعنى مثل أو شبيه ، يقول العربى لاخيه وهو يحدثه : ( قابلت رجلا كريما مفضالا شرواك _ وهو يعنى محدثه _ ثم يكمل الحديث . . فيرد عليه جليسه . . شرواك الطيب ) فالقائل يجعل محدثه فى منزله الرجل الكريم والسامع يرد عليه بأدب الحديث مثلك كل ، طيب وكريم .
لم تزل باديتنا تقول هذه الصفة فى مجالسها وتثبت أصالتها على مر الزمن وقد جاءت فى أبيات للشاعر العربى أبى الطيب المتنبى وهو يصف مسيره فى
البوادى اذ يقول
ركبت مشمرا قدمى اليها
وكل عذافر قلق الضفور
أوانا فى بيوت البدو رحلى
وآونة على قتد البعير
أعرض للرماح الصم نحرى
وأنصب حر وجهى للهجير
وأسرى في ظلام الليل وحدى
كانى منه فى قمر منير
فقل فى حاجة لم أقض منها
على شغفى بها شروى نقير
العذافر في البيت الاول هو القوى من الابل والناقة عذافرة ، الهجير شدة الحر أيام الصيف وتقول لها العرب وقت الهاجرة مشتقة من الهجران اى ترك الانسان كل ما يريد قضاه من شدة حرارة الشمس .
اليعملة
_ بفتح الياء وسكون العين بعدها ميم مفتوحة _
جاء فى لسان العرب انها الابل النجيبه المعتملة المطبوعة على العمل ولا يقال ذلك الا للانثى . هذا قول اهل اللغة ، واليعمل عند سيبويه اسم لانه لا يقال جمل يعمل ولا ناقة يعملة انما يقال : يعمل ويعملة ، فيعلم _ بضم الياء _ انه يعنى بها البعير والناقة ولذلك قال لا نعلم يفعلا جاء وصفا ، وقال كراع : اليعملة الناقه السريعة اشتق الاسم من العمل والجمع يعملات وانشد ابن برى للراجز :
يا زيد زيد اليعملات الذبل
تطاول الليل عليك فانزل
قال وذكر النحاس في الطبقات ان هذين البيتين لعبدالله بن رواحة رضى الله عنه . هذا ما جاء في اللسان . والمعروف عند البادية ان اليعملات تطلق على النوق التى طوعت للعمل وتسمى بعض الاحيان ذلولا أى مذللة فهى مركوبة ومحلوبة . . ولم يزل هذا الاسم مشهورا عند البادية وقد وردت على لسان الشاعر امام عصره في اللغة والادب أبى بكر محمد بن الحسن بن دريد الازدى المولود عام ٢٢٣ هـ فى مقصورته المشهورة التى انشأها فى مدح الاميرين ابنى ميكال ، عبدالله بن محمد وابنه ابنى العباس اسماعيل قال :
ما اعتن لي يأس يناجى همتى
الا تحداه رجاء فاكتمى
ألية باليعملات يرتمي
بها النجاء بين أجواز الفلا
خوص كأشباح الحنايا ضمر
يرعفن بالامشاج من جذب البرا
يرسبن في بحر الدجى ، وبالضحى
يطفون في الآل إذا الآل طفا
أخفافهن من حفا ومن دجى
مرثومة تخضب مبيض الحصا
يحملن كل شاحب محقوقف
من طول تدآب الغدو والسرى
وأحب ان انوه ان بعض بادية نجد تسمى هذه الابل ب عملية بكسر العين وصفتها من بين الابل طويلة القامة والرقبة كبيرة المواطن واكثر ما توجد فى شمال الجزيرة العربية .
