الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

لوحة الحرف السندباد

Share

رحلة " المأساة " ٠٠ . حين يحتقن الحرف في حلقي بحة كالغصة وزفرة غامضة لا تنطق كسحابة مثقلة لا تمطر

حين تلفظ اللفظة صدفة بلا جوهرة ويغيب وعى الكلمة فيسجن منها الخيال ويتصابى العقل وتنضب أثداء الوجدان .

حين ترسل الحملة نظما بلا عقد ، وتنام اللغة فى أعماقك حجرا مكبلا والاغلا . وتتمطى في صدرك حنينا ينمو ثم يجهض وتتثاب على مسانك اغفاءه كالضياع أو حلما كالوهم وأملا سرابا . . فهو الحرف يندب حظه واللفظ يرثي نفسه واللغة يواربها الحزن الطاغي طيات التراب الغامر فتختنق منها الانفاس ٠٠

حين أفقد فى موت الحرف أنيس الحياة دفقا حارا وينبوعا لا يجف ويعوزني بالفراق تنفس الصعداء هنيهات راحة ولحظات استرخاء

حين يغب عني بتلاشى اللفظ حد التعبير واطار التصوير فتختلط المفاهيم ولا لون يميزها أو صوت يغازلها

حين أثكل فى اللغة فتتبخر " فينوس " وحي و أفروديت " إلهامي ويتلاطم الفراغ فى قرارى هواء لا رائحة له أو طعم أو لون . . .

فهي الوحدة عالما من الصمت والظلمة اذ وئد الانيس وأجهض الرفيق وتقاصرت الابعاد واتحد الكل فى الجزء فكانت دنيا بلا صوت ولا لون . . .

ودنياى بلا صوت صمت مريع وخراب وخلاء . . . فالصمت صوت الحداد فى مناحة العدم وجنازة الايحاء . يرين على منه حجاب كثيف يكبت الاعماق المتطلعة ويخنق الاصداء المترددة فى قرارى المتحفز يبتغي اصدارا لما استورد

. . . أما دنياى بلا لون فظلام موحش وحيرة وتخبط . والظلام يسربلنى فتعتصر ثناياه أطرافى ، أراه فى سماء مبرقة وأدت قمرها ونجومها وتزوجت ليلا كالدهر ثقيلا ممجوجا يسد على الآفاق كابوسا يطحن النور وينخ على البياض ، ونشازا يبدد الرؤى والالحان . . .

وأصيخ السمع فلا نأمة وأقلب الطرف فلا صورة بل هو الصمت وهي الظلمة . .

والصمت مني انتحار ، وبى دنيا بلا مدلول ، وعلى اعدام والظلام منى خنوع ، وبى كون بلا كيان ، وعلى لعنة . ويخيم على عيني سحاب ويومض فى باطني اسى وتنغرس فى وعى لوعة ٠٠٠

ويشملنى الحزن ويخوننى الحرف وأعود فى متاهات الصمت والظلام باحثا عن نسائم صوت عازف وخفقات ضوء شفاف ويرسى بى المطاف فى ميناء التطهر . . . فأتطهر من الحزن والظلمة والصمت وأتطهر أسكبه من عيني زلالا كقرار الغدير الوحشى الآمن ، وصفاء كلسان الشمعة فى ليل صيفي . أتطهر بكاء وأمسح من على وجهى نسمات الفجر وأبلل لسانى الملجم بالندى المضمخ ٠٠ أتطهر وأنا أغمض جفنى على سواد لا ينتهى وصمت لا يزول ويعتصرنى بلا هوادة حزن عميق سحيق . . . أتطهر وأترك دمعة سوداء صامتة تروى حديثا ذا شجون . . .

رحلة " العربدة . .

عندما يلفظني الزمن فكرة جريحة وتلوكني الدنيا لقمة منبوذة ويتصاعد الارق فى عينى سدا غريقا يجلون من حوله الارواح

عندما ينام النهار فى يومي ويصحو الليل فى نهارى ويتملص الحلم من وسادتى وينضح عرقا دثارى . . ألهث باحثا عن سراب مائع فى ليل حزين وأتلمس طريقي ولا طريق . . أتوهم من حتمية السير فى قدمي فأسير . .

وأراه معلقا بين شفاه الجبال تبتسم شمسا مزدرية متعالية ، مطوقا جيد الهوة بؤرة مغوية ، متلويا منعطفات حبلى ليس يدرى ما تلد ، وأعدو اليه وقد تزوجت الاحلام وانجبت الآمال وأحتضنه أشعة كالحرباء ونورا كالظلام ، وأتلمسة فيتميع وأتحسسه فيتحلل وأطارده فيقبل وأصافحه فيدبر وأتأمله كونا كالسراب مائعا في ليلى الحزين وسرابا كالكون مزواجا لمسوح الحداد

وأتبينه طريقا ولا طريق ، وكونا ولا كيان ، تورق الاشجار فيه قطرانا فضلات ، ويهب النسيم سعالا أجش من الاعماق ويتدافع الريح فلولا مذعورة على سطح الغدير وتتداخل السماء سحابا يولى الادبار وترخي الشمس ستائرها الرمادية وتتسلل من رموشها الشفافة نظرات حداد كالرصاص ينصب على الصدر ثقيلا وتمور الامواج شيبا لزجا مزبدا مرغيا يناغي عرائس البحر بقصيدة الرثاء الابدية . . .

وتنعقد بين الريح والنسيم والبحر والشمس والغدير والجبل والسراب والقرار عروة وثقى ويصم الكون أذني لحنا لا لون له ولا مذاق ، يتلوى الناى لوعة حرى نائحة ويتجشأ الطبل بطنا خاوية وقرعا كالتخمة ويعول الكمان طائرا ذبيحا يرقص رقصة الموت الاخيرة ويرتجف العود أوتارا واجفة وأنامل ملزلة ووقعا محتضرا . . .

وأتسمع الصدى نغما كئيبا وخطى كسيرة نفضت عن نعالها غبار مسيرة جنائزية وعادت تتلمس الطريق " سرابا متميعا فى ليل الوجود الحزين " وبدا الافق حدا لا أملا وتصور الشرق والغرب والشمال والجنوب قفصا لا عالما وتنزف في صدرى الحقيقة قبيحة كالعورة مكشوفة ، تغمض عنها عينيك فتراها بصيرتك واذا البشر واحد أوحد ، انسان ذو لحم وعظم وطين وارض ويطالعني الحرف أحرفا والاحرف لغة ويتمرد الحرف على رفاقه وينصب على أرض الطين وطين الانسان عربدة باكية راثية حائرة . .

وأتخطى الطريق ولا طريق أتخطاه وأتجاوز المسيرة ولا سير بأقدامى وتشرق فى درب السراب المتميع فى ليلى الحزين أطياف عالم لا جبال فيه ولا بؤر ولا شمس ولا ريح أو مطر وأناجى من لاذرات غبار على رموشه ولا حمرة شفقية على شفاهه وأتنشقه عبيرا فائحا وأستشفه مملا متضرعا وأغفو محتضنا عمرا ينتحر مضمدا فكرة جريحة ومواسيا سرابا يتهرب من مخيلة النهار ويهدهدنى حلم مغناج ويراودنى فجر مكسال . . .

رحلة " التوبة " ٠٠٠

٠٠ حين يفيض اللفظ لهاثا وزفيرا ويص من يفيض اللفظ لهاثا وزفيرا ويصعد من اللسان همسا يحضن الافق ويعطر المدى . . . حين ينفث القلب نداء لا قرار له ولا محط رحال ويرتج الكيان بحثا عنيدا عن سماء لا لون لها وأفق لا حد له .

. . . حين تغفو العين فلا تريد ابصارا وتخدر الاذن فتستنكف سمعا وتموت النظرة وليدا يجهض ويخبو الصوت رضيعا يحتضر

أهرب . . أهرب من أرض تكسوها السماء وانشد واحة تنام فى عين السراب . وأرانى فى سيرى عاشقا ولا حبيب ملتذا ولا وصال ، حالما ولا كرى أو حقيقة .

ويهجس الهاجس والكون ظلمة والوجود صمت والحياة سراب فأتسمع النبض فى قلب الطبيعة وأتلمس الدفء فى شرايين الكائنات وتفتح منى البصيرة ٠٠٠

أسير فيهدهدنى الفجر نسيما كآهة عليل زالت كربته ، ويداعبني الطل حريرا كبسمة حسناء . .

وتنطفئ مني غلة الحزن ويربت على قلبي الكسير وتتجمد العربدة على ظهر اللسان فلا تعدوه .

وتغمرني سكينة كهدأة الطبيعة المتبعة بعد عاصفة ٠٠ . . وتغيب مع التبر المشاع فى الافق الوردى ، تنثره الشمس لالاء متضرجا ظلمات ليلى الحزين . . وتبتلع سمفونية الفجر ، يسيقظ فيه النبت والطير والانسان ، الصمت الثقيل ٠٠ ويمتص الضوء والطل والصوت واللون السراب المتميع فى مخيله واقع كالحلم وكابوس كالحقيقة . . .

وأغفو في سيرى محتضنا النسمة فى الفجر المتمطي ، والنور فى الشمس المسفرة ، والضوع فى الندى المنسكب والامل فى الصوت المغرد والبعث في الساعد المشمر . . .

ويولد في صدري حلم كالحقيقة بديع عجيب . وتملأ عينى آفاق لا تحد . ، ويهزنى إلى الصفح حنين ويناديني الى السمو مناد وتدعوني الى المحبة والصفاء السماء والارض وآخر راكعا مبتهلا صافحا مصافحا ، تائبا باسما . .

اشترك في نشرتنا البريدية