فك العربة من البغل وخلى سبيل الدابة ثم انزل الرحل عنها وقادها الى حيث الراحة والآكل ، ورجع الى ركنه المألوف وإلى نفسه
بدأ الليل يزحف بظلامه وتتسرب كثافته فى نفس الرجل شآبيب شآبيب ، متخللة طبقات همومه ، طار فها وتليدها ، غامرة زمانه الحاضر والآتي . ولولا وخزة الجوع الموقظة لأخلد إلى أوصابه نوما طويلا ، موتا منقذا.
وهبت موجة من البرد أطفأت من أوار نفسه ألسنة بارزة ، وعزت عن الدفينة قدرا وسوء طالع ، وتحركت ريح خلطت البرد بالظلام والغيوم ، فانشقت السماء عن برق أيقظ الرجل رعده من سباته وانسل المطر من طبقات السماء يتقاطر هزيلا أشيب كبريق عين الغدر في الظلام.
ونام الرجل تعبا ويأسا وانفلاتا من أمسه وغده وفي غفلة نومه تهاطل المطر ساخرا منه ، مالئا المسالك والد روب ، وفي صحوة الفجر لما بدأ جفن الظلام يثقل
وعين النهار تنفرج تحامل الرجل على نفسه يدفعه الخوف من سعار قوته أضنى العقل والبدن.
ومشي الى البغل والعربة يشد بعضهما إلى بعض ، والمطر والضنى يشدان بحبالهما رجليه ويديه . ولما استقرت على العربة الأحمال ونبحث عجلاتها فوق المسلك المنداح وحلا حسب أن عجلة الزمان تدور لإطفاء سعاره بالجهد والضنى والعرق المغسول مطرا.
ودارت عجلة العربة والزمان وقتا حسبه طويلا يهدهده نباحهما وانفاس الدابة المتعالية صخبا انساه ضجيج نفسه وأوجاع عضلاته حتى تباعد ما بين هذه الأصوات وتباطآت العجلات عن الدوران فانسل الرجل تؤأما للدابة يعاضدها ويعديها بقوته ولكن ...
وقفت العجلة اليمني وغاص جلها في الوحل فانقلب الرجل التوام غريما للدابة يلفحها بالسوط ويخزها بالصوت ولا حراك ، والمطر يلذع الجميع ، والعجلة تغرق وتغرق والدابة تؤثر في الزحف أخيرا ، والرجل يقف وقد انسل الماء إلى أعماقه .. وطفح اليأس غامرا جوارحه وانفاسه.
ونظر الى دابته في حنو وربت عليها وقرب منها فاختلطت أنفاسه بأنفاسها وانزاح سحاب عن شمس تبسم في إعياء وسط سماء فيها بقايا رعد . فجمع قواه وقوى دابته فكأنهما يستخيران قوة تفوق قواهما وأقلعا من جديد .. وأي إقلاع ..!

