الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

لوحة قصصية الكبشان

Share

فى واد جرحته السيول اخاديد متوازية ومتقاطعة ، ونبتت فيه شجرات الزيتون خطوطا تمتد بعيدة على مدى البصر ، خضراء داكنة ، صامدة تتحدى الزمان والبشر ، شق الطريق أوساعه القميئة ، فى عنت بين الحصى وبثور أرض أثخنت فيها الاحداث وأيادى الانسان.

اخترق هذا الطريق جمع غلب عدد الحيوان فيه الانسان ، وأثارت غباره حوافر حمار ، وأظلاف كبشين ، ومخالب كلب ، وأقدام طفل ، وعصا " الكشتبان " ( * ) الراكب دابته والمؤرجح رجليه فى إيقاع رتيب . .

قال الكلب وهو فى مؤخرة الركب يسير بجانبه الطفل وكأنه يخاطبه:

- هذا الذباب النازل الصاعد فوق ظهر صاحبى أقلقني كثيرا ، شوش على أفكارى ، أتعب عينى وأثارنى . لم أعد استطيب رقصاته منذ ذلك اليوم الذى ضربني فيه صاحبى بعصاه هذه التى يثير بها الغبار . لم أفهم لم أوجع ظهرى. لقد انشق بلور نفسى وأصابه صدع ، ولم يعد فى الامكان جبره . إن من الاحداث حدثا يزعزع الكيان ويزحزحه عن قراره بدون رجعة وليس أبلغ أثرا فى النفس وأشد اثارة للحيرة من محنة لا تعرف مأتاها . إن الذى يغيضنى فى " الكشتبان " أننى لم أعد أفهم ما يصنع ولا أفقه لردود فعله سببا ، حتى طفله هذا يناله من العصا ما ينالني ولكنه سرعان ما يعود الى فرحه ولهوه كأن الدنيا أعطيت له هبة يتصرف فيها تصرف المالك لها .

قال الطفل وهو يمرر يده على رأس الكلب :

- هذان الكبشان سألعب بهما وسأزينهما لعيد الاضحى بزاهى الاوشحة وسألهو بنطح بعضهما للبعض . ما أسعدني ! أجاب الكلب:    - إنهما سيذبحان غدا ولست أدرى كيف يسيران الواحد على يمين الحمار  والاخر على يساره من دون مبالاة . لو أن لهما ذرة من الوعى لفرا بعيدا ،    بعيدا .

الطفل : - انظر الى بياض كبش اليمين ما أجمله ، ما أنصعه وسواد كبش اليسار ما أروعه ، إنه مخيف والخوف منه يعجبني ويحفزنى على مصارعته كالرجل القوى .

الكلب :    - إنه لا يسمعني ، لم يعد بيني وبينه أى تعاطف فكأن الطفل فى نفسى قد مات . إن هذه العصا تغيظني.

الطفل : - ولكن الحمار يحبها ، إنه لا يشعر باهتمام أبى به إلا عندما يتحفه بضربات منها .

الحمار :  - ولكنه يبالغ فى بعض الاحيان عندما يتحول الضرب الى همز حتى إدماء دبرتى.

كبش اليمين الأبيض : - ما رأيت أرأف من الانسان بنا ، منذ نعومة أظفارى وتنقلى من راع الى آخر لم أجد أحدب علينا نحن معشر الغنم من الانسان . انظر الى هذا العلف فوق الحمار ، إنه لى ولك يا أخي كبش اليسار الأسود . يسكت كبش اليسار الأسود .

الكبش الأبيض : - مسكين هذا الحمار ، يحمل سيده على ظهره وعلفنا أيضا ويتحمل ضربات العصا . فلماذا لا يقلب كل شئ ويفر . غريب أمره . يثغو الكبش الأسود مرة واحدة تثير انتباه الكلب فيقترب من الكبشين ويقول : - غدا عيد الأضحى .

يصيح الطفل :

- سنلعب جميعا وسأناطحكما وأزينكما فتصيران أجمل كباش القرية وأقواها .

الكلب : - غدا عيد الأضحى.

الكبش الأسود:   - وما عيد الأضحى ؟

الكلب :   - هي الذكرى التى ضحى بها ابراهيم على كبش عوضا عن ابنه اسماعيل.

الطفل :   - انه يحب ابنه كثيرا مثلما يحبني أبى . إن الأب عندما يحب ابنه يعطيه كبشا .

الكبش الأسود:   - وما معنى ضحى ؟

الكلب :  - الذبح بالسكين الحادة.   وتجول فى خاطر الكبش الأسود ذكريات فيها دماء وتلاشى رؤوس من القطيع الذى ترعرع بينه ويقفز فى دماغه منظر لم يوله كثير انتباه : رأس معلق على باب دكان وكأنه رأس أخيه . ويسرها للكبش الأبيض فيهمس له:

- إنني لم أر أبدا رأسا للحمار معلقا .

ويتأوه من التعب ويتلقفه والده ويردفه وراءه وينادى الطفل للكلب ويلح على " الكشتبان " صاحب الحمار حتى يضم اليه كلبه .

ويتجه الكلب الى الوراء لينظر إلى الكبشين من فوق وقد اصبح الكبش الأبيض عن اليسار مغبر الصوف فى لون داكن ، والكبش الأسود عن اليمين وعلى فروته خطوط بيضاء من الغبار.

قال كبش اليسار الأبيض : - لله در هذا الحمار ، إنه لقادر على ان يحمل الكون كله . لو تدربنا على طباع الحمير لنجونا من السكين الحادة وصبرنا على العصا . ألا ترى أن العصا أهون شرا من السكين ؟

كبش اليمين الأسود : - لا خير فى هذه ولا فى تلك.

قال الكلب : - غريب ! لقد صرت أعمى لا أفرق بين اليسار واليمين . لو سألت الحمار عن هذه الدقيقة ماذا يقول لى يا ترى ؟

ويسأله فينهق الحمار ويضربه صاحبه ويلعن الشيطان ولكنه يقول : - بدعة من بدع الانسان خلقها للتضليل وسوق الناس كما تفنن فى صنع العصا من غليظة الى طويلة الى مذببة . لقد أحصيت من أنواع العصى ما تضيق به الاسفار .

قال الكلب : - لكل داؤه يتوجع به إلا صاحبي " الكشتبان " فلقد أعيانى أمره : لا وجع ولا شكوى حتى فى أحلك الظروف . وامرأته مثله . لقد خلق الانسان خلقا غريبا فهو متقلب الأطوار ، كتوم ، يفجوك في كل لحظة بما لم تعهده منه قبل ذلك . كيف لى أن أسلك السلوك الذى يعجبه !

وصل الجمع الى الزريبة وانفصلوا كما ينفصل عقد فسد التئامه إلا الكبشين ظلا فى ركن حائرين .

وفى الصباح سمعا صاحبهما يذكى السكين فى صوت مجلجل مخيف . فانلتحى الكبش الأبيض ناحية ووجد لعبة على شكل حمار عظيم اعتاد أن يدخل الطفل فى جوفها ليخيف حمارهم . فاندس فيها وقال للكبش الأسود:

- العصا ولا السكين . فصاح فيه الكبش الأسود قائلا : - هذه حيلة لا تنطلى على صاحبك . ورأى " الكشتبان " يقترب منهما فانفلت مسرعا وغاب في الزياتين . أما الكبش الأبيض فقد أخرج من جلد الحمار وسجى للذبح . فأسرع الطفل باكيا ورجا والده أن يبقيه له لعبة وصاحبا . فحل كتافه وجرى يبحث عن الكبش الأسود .

اشترك في نشرتنا البريدية