لولا القفة ....، قصة

Share
لولا   القفة ....،                              قصة

قال الشيخ بعد ان شمر على ساعديه واحضر ابريقه - قوم يا طفلة املألى بليون ماء بش نتوضأ

واتجهت نحو الماجل ، فتاة فى العشرين فى رشاقة تامة وفى حسن قوام مطيعة مستجيبة لطلبات والدها عن طيبة خاطر

أتم العم محمد وضوءه وصلاته وهى لا تزال منتبهة لأوامره التى ما انفك يصدرها : - حضرلى " الكنتره " والجبه وايجى افتل معايا الكشطه هيا تحرك النهار راح . . .

نفذت الفتاة أوامره ثم أعطته طرف الكشطة وأخذت الطرف الآخر بين أصابعها ، وجعلت تفتل . . . وتفتل الى ان رأت ما فيه الكفاية ، نظرت اليه قائلة :

- بابا دور ها هى تفتلت . وضع الوالد شاشيته فوق رأسه فسترت له صلعة صغيرة لماعة بيضاء محمرة ، ثم أخذ بطرف الكشطة وجعل يلوى على الشاشية وابنته تقترب منه كلما زاد فى اللى

أصلح أحواله وتهيأ للخروج ، غير أن صوت العجوز داخل المقصورة اوقفه :

- أشنوة خارج وما دبرتش عالفطور ، باقى هذيكة العيشة حتى الماكلة نخمم عليها أنا ؟ . . أسمع يا راجل أنا قلقت وفديت من الدباير . .

أغتاظ ونهرها بشدة : - أش بيك صبحت على العرك والمرج ، صلى عالنبي ويزى يا أمرا راهو العرك على الصباح يطير البركة . . فأرتعدت وقاطعته بخشوع وبراءة : - صلى الله عليه وسلم ، وه عاد أنا أش قلت حتى تشعل فى

أسترجع الشيخ هدوءه وتابع - انت ما هو عندك طرف كسكسى ، أعمل لنا فيم كسكسى من يديك الملاح وفيه ميات ألف بركة ، ونصف النهار ، توه بجبك " القلفة " أبعث معاه الفطور والشواشى الحاضره

ثم خرج راضيا الى حانوته بسوق الشواشية حيث يقضى اليوم كله اشتغلت كل من الام وابنتها بشؤونهما ، فقضتا الصبيحة في التنظيف والغسل ، وطهى طعام الغداء المتفق عليه

انتصف النهار واذا بطرقة على الباب يتجاوب صداها فى المنزل ، ونادت العجوز أبنتها التى تفرغت لاحضار المائدة

- زنوخه . . يا زنوخه . - نعم يا أمي - وميه أنشاء ألله ، ياخى طرشت ، بره شوف أش كون جاء ... خرجت فى دلال وأستعذبت رنة قبقابها فزادت فيها ولما دخلت السقيفة صفقت تستفسر عن الطارق ، فأجابها صوت رجل فيه رنة وعذوبة .

- قالك عرفى أعطينى الفطور . - باهى أستنا شويه . أعلمت والدتها ، فأعطتها قفة الفطور التى كانت قد أحضرتها منذ قليل وأمرتها بالذهاب الى بيت الجلوس كى تأخذ منها صر الشواشى ثم حذرتها :

- هوكه رد بالك توريه وجهك ، مدله القفة من وراء الفردة لو كان أنا مش لاهية ويدى مسخه رانى خرجت له .

تضايقت الفتاة من كلام والدتها وأجابتها : - ووه يا أمى أش بيك هكه ياخى مستانسة نورى وجهى للعباد ، هاني باقى محبوسه وما يعرف خلقتى كان حيوط الدار.

- هيا مليج يزي من قلة الحياء ، وبره راهو الراحل يستني هوكه ما نزيدش نوصيك يعيش بنتى : سكتت فى أول الامر ثم رفعت حاجبها وتمتمت : - باقى وهى توصى محسوب أشنوه اللى بش ينقص منى كيف يرى وجهى

وقف الشاب أمام الباب الاصفر يتأمل المسامير الغليظة السوداء والحلقتين المعلقتين به . وقف أمام هذا الباب الجميل والذى يخفى وراءه ما يخفى . . .

انفتح مصراع الباب وبرزت منه القفة ، ولاح معها معصم رقيق لطيف فسحره ، وأشتهى لو يداعبه ، ولكن أخلاقه وكرامته وخجله ابت عليه ذلك وأكتفى بالنظر اليه رغم سرعة اختفائه . أرادت الدخول ، لكن غريزة التطلع دفعتها الى ان تخرج رأسها لتراه ، فأطلت . . وكأنه البدر أطل . . وفجأة تلاقت عيناها بعينيه ، فكسا الخجل محياها وأضطربت ولم تجرؤ على النظر اليه مرة أخرى ، ثم دفعت الباب بعنف ودخلت

ارتبك الفتى وجعل يتساءل - أش بيها سكرت الباب فى وجهى بها القوة الكل زعمة ما عجبتهاش ؟ ؟ . . . والا حشمت ؟ ! . .

أما زنوخة فقد عاشت لحظات غريبة ، وشعرت لاول مرة بان قلبها أخذ ينبض بعاطفة لم تشعر بها من قبل ، عاطفة كانت مكنونة فيه ، لقد أذهلتها النظرة . . . تلك النظرة التى اخترقت قلبها الخالى . . ثم جلست تفكر . . . وتفكر . .

فى المرة الموالية طرق الباب ، فأسرعت لفتحه ، وخرجت يدفعها ألامل في نظره فاذا بها تجده قد وضع الماعون فوق العتبة وانصرف . . . فأخذته ودخلت خائرة القوى قد خاب رجاؤها . .

يا لسوء التفاهم ، لو كان بامكانها لتجرأت وصارحته بما يختلج فى نفسها من مشاعر وأحاسيس نحوه . .

استسلمت الى ذلك الشعور الخفى وما وجدت فيه من لذة غريبة . . وأحست بالغرام يداعب قلبها ، وان كانت لا تعرف معنى الغرام من قبل ، وشعرت لاول مرة باعباء " الحزارة " . . . فهى تعيش محجوبة بين أربعة جدران . . فلا تجد من تبثه شكواها ولا أحد يفهم موقفها . .

قدم الاب من السوق وقامت لخدمته ، فتوضأ ، وصلى وتم العشاء ثم تفرغ للسهر فى بيت الجلوس مع ابنته وعجوزه حيث انهمكوا فى شغلهم

انتحت العجوز ركنا فى الحجرة وقد وضعت امامها كوما من الشواشى وجعلت تخيط " الكبيتش " فى أعلى كل شاشية ، وأشعلت " زنوخة الكانون ، ووضعت فوقه " نحاسة " بالماء وانتظرته حتى فتر ، وأخذت تغمس

الشاشية تلو الاخرى وتعصر ثم تمدها الى والدها الذى أحاطت به القوالب من كل جهة ، فياخذها ، ويضع كل واحدة فى قالبها وتنتهى السهرة بانتهاء الشغل .

أشتدت الحركة بسوق الشواشية ، فكثرت الجيئة والذهاب وكثر الكلام والبيع والشراء ، والغريب أن معظم " الشواشية " هناك شيوخ ، فكنت لا ترى سوى الجبة والكشطة والسبحة ، وكنت لا تسمع سوى عم الحاج ، وسيدى الحاج ، ويا حاج الى ذلك بعض " القلفوات " الذين اختلفت ملابسهم بين لباس عصرى وتقليدى . . وآخرين بالجبة كذلك

وغرق السوق فى جو كله حيوية ونشاط جلس الطيب فوق دكة الحانوت ، وانهمك يخدم : " قردش الصوف ، طبع الشواشى ، وضرب " البتير " ، نظر الى الحانوت المقابلة ، فمازح زميله . مر " القهواجى " بطبقه ، فطلب منه قهوة ، وحيا عم الحاج صاحب الحانوت المجاور لهم . ونظم بعض شواشى مكومه ورتبها فى الخزانة داخل الحانوت ثم تحدث مع " عرفه " وأستقبل الزبائن ، فقاس على رؤوسهم الشواش وأكد لهم حسن " السلعة " واتقان الخدمه . وقرطس . . ثم صاحب الحمال بكيس من الشواشى المكبسة الى دار " البطان " . ولما دوت الصفارة تعلن الزوال ، أتجه الى دار الشيخ فى أسرع من البرق . . وطرق الباب

خرجت وفى نفسها نشوة ، وفى قلبها أمل ، ومدت له القفة ، وانتظرت حتى ابتعد قليلا ، ثم أخرجت رأسها لتنظر اليه

لفت نظر الفتى حمرة فوق المنديل فمد يده وأخرجها فاذا بها قرنفلة قانية اللون كعرف الديك ، بقلبها عروق بيض قطفتها من المحبس ووضعتها فوق المنديل الذى سترت به القفه .

انتشرت الفرحة على وجه الفتاة عندما رأته يشم . . ويستنشق ، ويبتسم كأنه فهم المعنى وما فيه من لغز ويا له من لغز . .

مرت الايام على " زنوخة " وهى فى حبها تتعذب ، وتذرف الدمع فى خلواتها ، وتستلذ آلامها فتسبح فى بحور من ألاحلام المعسولة ، وتستأنس لقدومه كلما أتى لاخذ القفة ، ثم تحرص على كتمان عواطفها ، واخفاء خلجات نفسها . وأصبحت تستطيب حكايات والدها عندما يتحدث عن " القلفة " فيستعرض خدماته معه فى الحانوت ويقول :

- الحق طفل باهى ويعمل الكيف ، رأس واطى ومهنينى فى كل شىء . .

تمادى التراسل بين زنوخة والطيب بواسطة القفه وبشتى الحيل ، فمرة ملعقة مربوطة مع الاخرى ، ومرة عقدة فى ذيل المنديل . . ومرة زجاجة عطر صغيرة . . ومرة صورة ومرة زهرة . . الى غير ذلك

وظلت تخرج اليه من وراء الفرده كما تأمرها والدتها ولكن ذلك لا يمنعها من أن تسترق النظر اليه ولابد لهذا أن يراها . . فأصبح يتخلل ذلك همسات التضرع وابتسامات الحياء

يبدو ان العجوز شعرت بحرص الفتاة على القفة ، واهتمامها بها ، فارتابت لذلك ، ومنعتها من الخروج الى الفتى زاعمة : - راهو بوك ما يحبش وكان يفطن يوريك . .

ووضعت الوالدة على عاتقها هذه المهمة ، فضاقت الفتاة ، وضاق صدرها ، وودت لو تظفر بصديقة لتبوح لها بسرها وتشكو لها آلامها لعلها تخفف عنها او تتدبر معها الامر

ووجدت فرصة لتتحادث مع ابنة جارتهم " عربية " ، وهى لا تكبرها سنا . ونقرت نقرات على حائط بيت " المونة " فاجابتها متسائلة - شكون يدق ؟ ؟ . .

- أنا يا زبيده ، قلى انت اش تعمل توه ؟ - شئ ، وفيت قضيتى ، وأمى خليتها مقيلة . - حتى أنا أمى راقدة ، أمالا أستنى بش نحكيو

وضعت كرسيا ، وتسلقت الشباك ، وانهمكت تحكى لها . . وأشتكت ، وباحت لها بسرها ثم طلبت منها ان تعينها فقالت لها : - وخيتى أش تحب نقلك ، الرجال الكل ما فيهم أمان - ووه يا زبيدة طيحت لى قلبى ، زعمة بالمنجد ؟ . . - عاد أنشدني أنا اللى تعدى على رأسى ، قالك أسأل مجرب وما تسألش طبيب . وألحت عليها متسائلة :

- كيفاش يا زبيدة أحكى لى مانى وخيتك . . ؟

وجعلت تقص عليها حكايتها مع ابن عمتها الذي كان لزورهر ولا تقابله بامر من والديها ، ولكنها كانت تطل عليه من الشباك ، فيراها وتتفاهم معه بعينيها ويديها دون أن يتفطن اليها أحد . وأتت لها ببعض أشياء كان ندسها لها خفية فأرتها صورة تمثل قلبا أحاطته الازهار ، وأخرى تمثل معاهدة بين شخصين ، ومنديلا يعبق عطرا . . وبذلك ظنته يخلص لها ويبادلها الحب ولكنها اكتشفت اخيرا بواسطة خالتى هنونة " الدلالة " انه انزلق في حب بنت عم الهادى " محرك الحومة " ، ويقال انه خطبها من والدها فوافق عليه وربما سيعين زفافهما عن قريب ، وجعلت تبكى وتتحسر . . فشاركتها زنوخة البكاء ، وعطفتا على بعضهما بعض ، فقالت زبيدة مسلية

- وخيتى اسمع كلامى ، قالك اللى باعك بالفول بيعه بالقشور ، انساه من بالك ، كيما قلت لك ، الرجال كلاب وغدارين . .

وسمعت صوت والدتها ، فتركتها وانصرفت احتالت لتظهر اليه لكن دون جدوى لان والدتها تمنعها من ذلك ، فحارت وكثرت عليها الافكار . . ولم تعد تتحمل أكثر مما تحملت ، وكم من ليلة انسلت من فراشها عندما تسمع صوت والدها وهو يتحدث في البيت المجاورة ، وتضع أذنها على ثقب الباب كى تسترق السمع ، من يدرى لعله يحكى على " القلفة " . ويخيب ظنها كلما تسمعه يذكر الشغل والمصاريف والسوق وكسادها وفقدان القرمز ، وغلاء صوف أستراليا ، ثم الطامة الكبرى فى ورود شواشى مصنوعة من الخارج ، ومن فرنسا وزهد الشا فى لبس الشاشية وانها تاج المسلم ، فتثور وترجع خائبة تجر قدميها . .

منذ مدة لم يعد الطيب يرى زنوخة ، فارتاب لذلك ، وتساءل عما أحاط بها ، ولم اصبحت العجوز تحل محلها وتتحمل مؤونة الخروج اليه ، واعطائه القفة ، تلك القفة التى افتقدت منها وسيلة التفاهم بينهما ، لقد سئم يد العجوز المتجعدة المرتعشة التى صارت تخرج اليه يوميا ، ولقد حرموه من رؤية تلك اليد الناعمة ، وذلك المعصم الابيض المحمر البلورى ، وتلك الانامل الرقيقة التى أشتاق اليها فحرمته لذة النوم . . . لقد صبر طويلا . . صبر أكثر مما يستطيع وفى آخر الامر التجأ الى من يطلع فتاته على شوقه وقلقه . ويأتيه بحقيقة خبرها وما خلف هذا الباب الاصفر من أسرار . .

كانت القائلة شديدة الحر عندما التجأت العجوز وأبنتها الى نسم السقيفة : وأتخذتا " جلد كبش " للجلوس عليه . أخذت الصبية " تشبك " وقد اشتغل فكرها بفتى أحلامها الذي أشتد شوقها الى رؤيته ، أما الام فقد أخذت

تطوى بعض الملابس ، وجعلت تفكر فى ابنتها التى كلما تقدمت الايام خشيت عليها من " البوار " ، فهى تراها تخطت سن الزواج ، وتزعم انها كبرت ، وتتذكر ماضيها فترى أنها عندما تزوجت الشيخ محمد كان عمرها لا يزيد على الخامسة عشرة .

وبينما الاثنتان فى تفكير طويل ، اذ تنبهتا على صوت امرأة دوى صداه فى الزقاق الهادىء :

- يالى تضرب الخفيف . . . اش كون تحب تضرب الخفيف . . وأغتنمت العجوز فرصة غياب الشيخ ، ونادتها بصوت خفى خشية الجيران ، وأدخلتها :

- زوز يا أختى . . . دخلت المرأة ، وجلست في السقيفة ثم أخرجت ما في قفتها من متاع مغرفة وملعقة أكل عليها الدهر وشرب ، وبعض قطع من الرصاص ، وخرقة بالية . . .

جىء لها بكانون قد تطاير شرره ، وتعالت السنته حمراء ملتهبة ، ثم وضعت العجوز أمامها مهراسا بعدما دست تحته قطعة من النقود

بدأ الاهتمام على العجوز وعلى ابنتها فجلستا جوار " ضرابة الخفيف " تتابعان حركاتها .

أخذت قطعة من الرصاص ، وتمتمت عليها ، ثم سلمتها للفتاة قائلة - خوذ أنوى

استرجعتها ، ووضعتها فى المغرفة التى أحاطت بها جمرات ، وبقيت تنتظر ، طلبت قليلا من الماء وصبته فى المهراس ، ثم صبت فوقه المغرفة المملوءة رصاصا سائلا فاذا به ينقلب معدنا كما كان من قبل ، فتفرق واندفع قليل منه بقوة الى السقف فصاحت منتصرة

- شفتو هذيكه عين الشطان توه طارت ، هذا يومى اللى هنا فى الدار سطان توه طارت ، هذا يومى اللى هنا فى الدار عندكم نفس . أطلعت بقية المعدن من المهراس وأخذته بين أصابعها ثم جعلت تفتش عما جاء فيه من أسطر وتنقيب ونقط ، بسملت وسألت الفتاة والمعدن بين أصابعها :

- أش اسمك ؟ - زنوخه

- اسم أمك . - فطومة - زنوخه بنت فطومة سعدك القدام وحنتك فى الاقدام شوف زنوخه قالك فين النية في العمل .

ثم أشارت بأصبعها الى تركيب غير مستقيم فى الرصاص وقالت : - هذى حيرة قوية آخر مستقيم وشرحت . عثرت على آخر مستقيم وشرحت - هذا راجل فى الثنية طويل ويلبس شاشية . وانتقلت الى نقط بدت كالحبوب وقالت :

- هذى الذرية ثلاثة أولاد وبنيه . ونظرت الى حفرة فى الرصاص وخاظبت الفتاة - هذى برمة الفرح والقرنفل داير بيها ، أنت تستني وهو يتمنى

وجعلت تشرح وتفسر وتنطق نظما ، وترمز بالغاز فهمتها الفتاة كلامها ، وعرفت أنها مرسلة من طرف الشاب ، خصوصا وقد لوحت لها الى حيرته وتساؤله عن اختفائها ، وشوقه اليها ، فدست فى غفلة من العجوز ورقه بها صورة قرنفلة كانت قد أحفتظت بها منذ مدة .

أنتهت " ضرابة الخفيف " من مهمتها ، وقامت بعدما أخذت ما كان تحت المهراس ، وطلبت من العجوز : - صب هاك الماء اللى فى المهراس على عتبة باب الدار باهي يطير النفس ، ثم خرجت تردد من جديد : - يالى تضرب الخفيف

ارتاح بال العجوز لما سمعت من كلام قارئة البخت ، والتفتت لابنتها التى غرقت فى التفكير عن الشاب . . . ونبهها صوت والدتها :

- وأله تبارك ألله عليها تشهى ، أما أنا بهت فى النفس راهو الرصاص طرشق وطلع حتى للسقف ، اللى عطاهالنا بايت يسبح بنيتى انا عرفتها أشكونى المسوده ، عندها عين تبرك الجمال

وقاطعتها ابنتها مستفسرة : - اش كون يا أمي - ما هى عربية جارتنا ، باقى وهى لاهية بينا ، حتى بش تأكلنا بعينيها ، شوف يا زنوخه أنت صغيرة ما زلت كيف بديت تمشى وهى دخلت ، راهي مش نقلك ماتت وفاتت ، وصاحت فرد صحة ، قالت لى مش بنتك أصغر من بنتى زبيدة ؟ قلت لها ايه . شوف لخلخت ، كيفاش انت أصغر من بنتها ومشيت قبلها ، هي خرجت وانت كنت جنس رجعت جنس ومن وقتها قعدت نقلك يجى جمعه وأنت مريضه وما تشكى الا بساقيك عاد هذا مش ظاهر ؟

سكتت البنت وقامت الى بيتها ، فمشطت شعرها وأسدلته ظفرتين وراء ظهرها ، ونظرت الى المرآة وأبتسمت لها ، وقبلتها كثيرا . . ثم جلست تفكر . . . وكلما تخيلت " القلفه " لاح الغرام من عينيها

وفي الغد بعدما خرجت العجوز " للصانع " كالعادة ، وبعد أن دفعت اليه القفه ، لحقت بها أبنتها ، وأطلت . . وياليتها ما أطلت . . لقد تمكنت من رؤية . . من رؤية ماذا ؟ لقد رأت الشاب يطرق باب جارتهم " عربية " ، ولم تصدق عينها فى أول الامر ، فحدقت مليا . . واذا بنارها تشتعل وتتأجج في أحشائها ، ونبض فى جسمها عرق الغيرة وظنت ان صديقتها التى اختارتها مستودعا لاسرارها . . خدعتها ، وسلبت منها قلب حبيبها . .

لم تعد تنقر الحائط ولا تحادثها ، وحقدت عليها فكرهتها كرها شديدا ، وطغت الغيره على أعصابها ، وودت لو تظفر بها أمامها ، وتعجن لها وجهها ، فتشفى غليلها

دخلت زنوخه " الحمام " فاستقبلتها ضجة جمعت بين أصوات النساء وصياح الاطفال . " فالحمام بالغرفة وما يتسمع بوذن "

شاهدت امرأة تتخاصم مع اخرى فى الدكانة المقابلة لان ابنها سرق مشط الاخرى . رأت اخرى خارجة من داخل الحمام وهي تقطر ماء ، وأتجهت نحو الدكانة لتأخذ " بشكيرها " فبلت صر العجوز الجالسة هناك ، وقام بينهما خصام فخلعت ملابسها ودخلت ، وفي طريقها الى " ست السخون " شاهدت عدة مناظر ، وعدة أشياء ، فهذه سمينة بركت في الممر فعطلت المرور وعثرت فيها امرأة تحمل سطل ماء ساخن وسمطتها فصاحت صيحة دوى لها الحمام ، وأخذت تلك تزيح " حنتها " ، فسال الماء أحمر وصبغ أقدام المارات والواقفات هناك ...

مرت بسوداء قد طلت رأسها صابونا ، فسأل على خديها أبيض كالثلج وأحمرت عيناها ، فارتعدت منها ، ثم اصطدمت بامرأة كأنها " الجنيه نحيفة سمراء طويلة القامة كأن صدرها قفص دجاج ، وكأن يديها وساقيها فركتان ، وقد أسدلت وراءها شعرها " كخجالى ام ورده " فزلقت بقشرة برتقال وسقطت وأغمى عليها فاحاطت بها النساء ، وألتففن حولها ، وصببن عليها سطل ماء بارد.

دخلت الى ( بيت السخون) ، ونظرت حولها فاذا بها ترى زبيده أبنة جارتهم عربية تعوم وسط " البرمه " ، فاقتربت منها وقالت لها فى تهكم

- ايه ياللا ما قصرتش ، هكه اللى يبوح لك بسره والا بلاش لم تفهم قصدها فسألتها فى غرابة : - أش بيك ياخى هبلت ، أش سمعت ، كان فمة حاجه قل لي . . فاجابتها فى حنق :

- اش سمعت ؟ م لا يا للا أنا ما سمعتش أما شفت ، شفت يعيني هذه واشارت بأصبعها الى عينها عاد أنا مش نحلم كيف رأيته يدق عليكم فى الباب .

طلبت منها ايضاحا فصاحت فى وجهها - زيد ترهدن زيد ؟ لم تفهم المسكينه وأكدت لها براءتها ، فقاطعتها - ايه ما هو برد قلبك عاد كيف دورته على ماك خائنة غدارة أما أنا اللي بحث لك بسرى ثم بصقت عليها : - تفيه عليك وعلى وجهك .

اغتاضت زبيدة بسلوك جارتها وصديقتها خصوصا وقد ظلمتها فشتمتها ، وأتهمتها بالغدر ، فأبعدتها من أمامها دفاعا عن نفسها ، فما كان من زنوخه الا أن مسكتها من شعرها ، فصاحت ، وأبتدأ الخصام

فتضاربتا بالبلايين ، وقطعتا شعر بعضهما بعض . . . ولم يفهم أحد سرهما . . . .

حازت " مطهرة " واغتسلت سريعا ثم خرجت ، فحضرت " عركة " بين صاحبة الحمام ، وأمرأة جمعت أمامها عدة صغار وأرادت ان تغالطها فى الثمن ، فافتكت منها صرها على أن تعطيها بقية النقود ، فزعمت أنها " خالصة " ، وأستشهدت بامرأة أخرى ، واشتد الخصام ، فتدخلت بعض النساء ، وعلا الصياح انتهت زنوخه فتلحفت وانصرفت

الضجيج يرج الفضاء ، ويتجاوب صداه فى أركان البيت ، واختلطت الاصوات بكل ما يتفق للنساء فى جلساتهن العامة ، وكثرت الضوضاء والهرج ، فاتسعت أعين وتغامزت أخرى ، ورفعت حواجب ، وقطبت أخرى ، ومالت كل امرأة على جليستها لتهمس لها ، فذممن ، وشكرن ونقدن وانتقدن وعاتبن وهنأن وظهرت الوجوه مختلفة الانواع والاشكال مطلية بالمساحيق ، وضحك المنزل بكل ما فيه الا . . . الا زنوخة لم تضحك ، ولم تجرؤ حتى على النظر الى الحاضرات ، فهى تفكر . . تفكر وهى على كرسيها المزركش تفكر وهى فى يوم زفافها . من يكون هذا العريس ؟

أترى يكون هو ؟ ذلك الذى هام به قلبها ؟ ؟ ولكنه لم يعد يأتي لاخذ القفه منذ مده ، منذ ان تعينت خطبتها ، فحتى والدها لم يصرح باسم الزوج ، فهو يحكم بما شاء وكيفما شاء ، ويجب أن يكون مطاعا ، ولا أحد يتداخل فى شؤونه ، وتصرفاته

تساءلت هل يكون العريس غير الذى يميل اليه قلبها فتضطر ان تعيش معه مرغمة كارهة ، وهل لها قوة على رفضه ، وقد حصل كل شئ وتمر اللحظات متباطية . . وزنوخة سابحة فى الخيال غارقة فى التفكير وهي تنتظر على احر من الجمر

وفجأة قدم العريس ، وتضاعفت الضوضاء وازداد الهرج ، فتتابعت الزغاريد الواحدة تلو الاخرى رنانة ، تدوى فى ارجاء المنزل ، " وعجعج" دخان البخور شذيا وانتشرت رائحته فى المنزل ، وبدأ الاضطراب على زنوخة وارتبكت . . وتسارعت دقات قلبها ، ولم تستطع كتمان انفاسها المتصاعدة عند ما رأته .

يا للدهشة ، بل يا للسعادة . . . ولاول مرة بعد مدة طويلة يلتقي نظرها بنظره ، وبان الغرام فى عينيهما ، ولاح الحياء على وجهيهما ، وكانت المفاجأة السعيدة ، والفرحة العظيمة ، وأبتسم الطيب لزنوخة وقد استهواه جمالها آنذاك . . فهو لم يرها فى مثل ذاك البهاء أبدا . .

لم يعد العريس يستطيع كتمان دمعة سالت على خده لما رأى زنوخة تمسح بمنديلها عينيها وتسأله - أنت كنت باش تأخذ بنت عربية جارتنا ؟

- أبدا - لواش امالا تدق عليهم هاك المرة - عرفى وصانى لبوها بقضية . وأقتنعت وندمت عما صدر منها فى الحمام وبعد قليل ، شهدت الحاضرات فرحة وسعادة منتشرتين على وجهى العروسين الشابين وهما يبتسمان وتوالت تهنئة المدعوات : - ان شاء الله كل شىء بالبركة .

اشترك في نشرتنا البريدية