- 2 - (*)
تلك هى اللغة التى طالما وصفها الواصفون بأنها أغزر الالسنة مادة وأطوعها للمعانى تصويرا قد أفضت اليوم الى حال ، لو رام الكاتب فيها ان يصف حجرة منامه ، لم يكد يجد فيها ما يكفيه هذه المؤونة اليسيرة ، فضلا عما وراء ذلك من وصف قصور الملوك ومنازل المترفين والاغنياء ، وشوارع المدن الغناء ، وما ثم من آنية وأثاث وملبوس ومفروش وغير ذلك من اصناف الماعون وأدوات الزينة ، مما لا يجد لشئ منه اسما فى هذه اللغة ، فلا يكون حظ العربى من وصفه الا الحصر ، فيصبح كالابكم يرى الاشياء ويميزها ولا يستطيع ان يعبر عنها الا بالاشارة .
ويا ليت شعرى ما يصنع احدنا ، لو دخل المعارض الطبيعية أو الصناعية ، ورأى ما ثمة من المسميات العضوية وغير العضوية ، من انواع الحيوان وضروب النبات وصنوف المعادن ، وعاين ما هناك من الآلات والادوات وسائر اجناس المصنوعات ، وما تتألف منه من القطع والاجزاء بما لها من الهيئات والمنافع المتباينة واراد التعبير عن شئ من هذه المذكورات ؟ ثم ما هو فاعل لو اراد الكلام فى ما يحدث كل يوم من المخترعات العلمية والصناعية والمكتشفات الطبيعية والكيميائية والفنون العقلية واليدوية ، وما لكل ذلك من الاوضاع والحدود ، والمصطلحات التى لا تغادر جليلا ولا دقيقا الا تدل عليه بلفظه الخاص ؟ لا ريب ان الكثير من ذلك لا يتحرك له به لسان ، ولا يعهد له فى معجمات اللغة الفاظ يعبر بها عنه . ولا يغنيه فى هذا الموقف ما عنده من ثمانين اسما للعسل ، ومائتى اسم للطير وخمسمائة للاسد والف للسيف ومثلها للبعير واربعة آلاف للداهية ( 11 ) .
وللتحلية بالشعر فهذا الشاعر الموهوب " حليم دموس " ( 12 ) يذوب تيها وهياما وحبا فى اللغة العربية وقد شعر بتلك العواصف والاعاصير تهزها هزا وتدك شامخ كيانها وذراها وهو يريدها يمنا وبركة فى كل الربوع مع الملاحظ وأن قصيدة " لغة الاجداد " كان شائعا بين تلاميذ المدارس فى بلاد الوطن العربى وخاصة تونس حيث رددنا ونحن صغار ذاك القصيد فى أكثر من سنة دراسية واكثر من فصل من فصول التعليم شمال الوطن وجنوبه ثباتا على المبدأ وحفاظا على الاصالة والدفاع عن لغة الاسلاف العزيزة يقول :
لا تلمنى فى هواها أنا لا أهوى سواها
ما لقومى ضيعوها فدهاها ما دهاها
كلما ناديت : " واها " هتف الاخوة : " واها "
ما أنا وحدى فداها كلنا اليوم فداها
فتية الآتى أفيقوا واسمعوا صوت فتاها
غير الدهر توالت ومشت نحو ذراها
عصفت عن جانبيها فتداعى جانباها
صدعت بعض مبان جددوا اليوم بناها
لغة الاجداد كونى لحمة نحن سداها
وعلى بغداد فيضى بركات فى رباها
وعلى الارن هى نسمة طاب شذاها
واسطعى فى الشام نورا يتلالا فى سماها
وبوادى النيل كونى صلة شدت عراها
وعلى لبنان ورقا رنح الارز غناها
وعلى المقدس شمسها بهر الطرف سناها
وعلى مكة برا وسلاما فى حماها
وهذا عباس محمود العقاد يقارن بين الاسلوبين الافرنجى والعربى راغبا فى عدم التعصب الاعمى المقيت من حيث اسناد كل ما هو ثقيل وركيك الى الاسلوب الاول ملاحظا فى دقة ما أراد الاشارة اليه بقوله : الاسلوب الافرنجى هو كل أسلوب معيب ، فى رأى فئة من النقاد ، يحسبون فى هذا العصر أنهم حذقوا ملكة اللغة وورثوا سليقة البلاغة العربية ، وكل أسلوب ركيك مستعصف فهو عند هؤلاء النقاد من الاساليب الافرنجية ، التى طرات على اللغة بعد اختلاط الشرق بالغرب ، ومعالجة الترجمة من لغات الافرنج الى لغة العرب كأن الركاكة شرط أصيل يشترطه الافرنج فى كلامهم ، ولا يقرون البلاغة عندهم الا اذا شيبت بشئ منه ! . وليس الامر كذلك ، ولا هو مما يخطر على بال ناقد رشيد ، فان الافرنج يعيبون الركاكة كما نعيبها ، وينتقدون ضعف التأليف كما ننتقده ، ويعنون أشد العناية باجتناب الخطا فى النحو والصرف والقواعد الاساسية المتفق عليها . ولكن نقادنا الذين يجهلون اللغات الافرنجية يفوتهم ذلك ، ويختصرون المسافة اذا استعرضوا الاساليب ، فما استحسنوا منها فهو للعرب خاصة ، وما استهجنوا فهو للافرنج عامة ! ويحسبون ان الصحيح القويم من العبارات لا يمكن ان يكون الا عربيا ، وان السقيم المعوج منها لا يمكن ان يكون الا أعجميا ، بطبيعة فى اللغات لا تتحول عنها ولا يد فيها للمتكلمين بمفرداتها وتراكيبها ، وهذا هو الخطأ الذى نود ان نكتب عنه لنرد العيوب الى أصولها ونوجه بنقد الاساليب الى وجهة أقرب الى الهداية وأقمن بالتوفق للاسباب الصحيحة . ويستطرد العقاد فى حديثه عن الفصل بين الجمل مشيرا الى ان الافرنج أقل منا استعمالا لحروف العطف والصلات اللفظية الظاهرة ويرى أيضا ان الفصل بين الجمل خاصة من خواص التفكير قبل ان تكون خاصة من خواص حروف العطف وصلات الالفاظ وفى النهاية يلاحظ ان البلاغة العربية لم تخل من الفصل الكثير فى أساليب أفصح الفصحاء وأقدر الكتاب والمنشئين ، بل هذا القرآن الكريم ، تتوالى فيه الآيات أحيانا بلا صلة لفظية بينها ، غير الصلة التى تفهم من سياق الكلام ، وتؤديها علامات الترقيم أحسن أداء ( 13 ) . وهذا شاعر النيل حافظ ابراهيم ( 14 ) يشكو الزمان للحال الذى آلت اليه العربية وهى المحيط الزاخر العظيم يقول فى
مطلع قصيد بعنوان لسان حال اللغة العربية :
أنا البحر احشائه الدر كامن فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتى
أرى لرجال الغرب عزا ومنعة وكم عز اقوام بعز لغات
أتوا أهلها بالمعجزات تفننا فياليتكم تاتون بالكلمات
ويقول فى ثنايا القصيد :
أيهجرنى قومى عفا الله عنهم الى لغة لم تتصل برواة
سرت لوثة الافرنج فيها كما سرى لعاب الافاعى فى مسيل فرات
فجاءت كثوب ضم سبعين رقعة مشكلة الالوان مختلفات
وفى الاخير هذا النداء :
الى معشر الكتاب والجمع حافل بسطت رجائى بعد بسط شكاتى
فاما حياة تبعث الميت فى البلى وتنبت فى تلك الرموس رفاتى
واما ممات لا قيامة بعده ممات لعمرى ، لم يقس بممات
أما الاديب سليمان البستانى ( 15 ) فيرى بان المولدين اذا ما قصروا عن الجاهليين بالبداهة الفكرية ، فقد فاقوهم بسمو التصور والرقة وصعدوا فوقهم درجات فى سلم البلاغة بفضل القرآن . ولو لم تتغير مناحى شعرهم لابدعوا فى جميع الاساليب الشعرية ولكنهم لم يستتموا الاقتباس والا فلو استرشدوا ببعض سور القرآن كسورة يوسف وسورة مريم وسورة الانبياء مما يعد نبراسا نيرا للملاحم ، لفاقوا الجاهليين بالشعر القصصى كما فاقوهم بالشعر الموسيقى ويستطرد البستانى بقوله :
وان من أحسن ملاحم المولدين ملحمة نثرية جمع فيها صاحبها شتيت المعانى واوغل فى التصور حتى سبق " دانتى " الشاعر الايطالى وملتن الانجليزى الى بعض تخيلاتهما الا وهى " رسالة الغفران " لابى العلاء المعرى ، ولكن استغلاق عبارتها وفقدان الطلاوة الشعرية منها ينحطان بها عن درجة أمثالها من ملاحم الاعاجم .. ! ه . - يتبع -
