الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

لو تهربين من جلدك

Share

- تفضلى ، تلك غرفة الانتظار ، لن يبطئ الدكتور . . .

انهالت فوقها أزواج الأعين تطلعا ، فخفضت من بصرها وتقدمت . هل أقول السلام عليكم ، أم مساء الخير ؟ إنك انثى ، قد تنقلب التحية اثما فى بعض الرؤوس ، إن الاحكام المسبقة تغلف عقولهم وتبطنها . قد لا يكونون مسؤولين عن ذلك إذ ليسوا إلا سليلى الحريميين ذوى الشوارب المعقوفة والعمائم المكورة . . . أجل هنالك فى الركن ، إنه أنسب مكان .

جلست فوق الأريكة قبل أن تضع يديها فوق ما انزاح عنه الثوب من فخذيها . . عشرينية سمراء . . . النظرات تحرجك ، جربى اللامبالاة ، تمرنى عليها ، أين سأضع يدى ؟ هل أرفع جفوني أم أخفضها ؟ أوه ، لماذا تفكرين فى ذلك ؟ انسى أنك جسد وانهم يحدقون فيك . إنهم سخفاء ، بل هم السخافة ذاتها . لو تنتقل عيونهم الى أقفيتهم تلتهم الحائط عوضا عني . لماذا لا يريحوننى ؟ حاول المبادرة بالهجوم ، حدقى فيهم . احفري وجوههم ، جرديهم من ملابسهم ، لكن . . . أليس مخجلا أن نخجل غيرنا . لو كان رشيد حذوى لارتدوا عنى ، لناموا فى محاجرهم ، لا تفكرى فى ذلك ، أين قوة شخصيتك ، هل أنت نقص لا يكمله إلا رشيد ! ارفعي ناظريك ، جوبى بهما الغرفة ، بلى ، كونى قوية . . . الشاب ذو البنطال الضيق ، والكهل الأنيق . ودخل الممرض متقدما شيخا بدويا جاف العود نخيله يصطحب شابة ذات ملاءة ثم بارح الغرفة . أو تبحلقان فى انتما أيضا ، وانت ، ألم ترى فتاة فى حياتك قط ؟ !

وتناولت مجلة فوق طاولة توسطت الغرفة ودفنت فيها رأسها قبل أن يدلف الممرض من جديد ليشغل المروحة الكهربائية ويغرق المكان فى جو مكيف لطيف .

إلى اللقاء يا " إذا بدت لى جارتى " ووداعا يا عقلي ، إليك حذائى فاسكنه ، فخذان لا كالأفخاذ ، وجيد يحلف ألا نظير له . . .

تزحزح فوق أريكته قليلا إذ أقلقه ضيق بنطاله ثم أشعل سيجارة من عقب كان بين أصابع الكهل الانيق الجالس حذوه قبل أن يغرق عينيه من جديد فى الجالسة قبالته .

لن أحمد القدر لايجادى فى هذا العصر إلا لشئ واحد : نعمة المينيجيب . لولا معدتى أو لا أدرى ماذا ما نعمت عيناى ، وانت أيها المرض ، حقا ان فيك للذة . لن يروى هذا غلتك ، فالحرمان يملأ عليك حياتك . . لكن لا بأس ، قليل موجود أفضل من كثير مفقود . فزقزق يا عصفور النشوة ، وداعبي يا أشعة السعادة جسمى الظامىء الى اللين . . .

تململت الطاولة ، ابتلعت مجلاتها ، وأخذت تتمطى وتتسع ، ثم هدأت بعد أن انقلبت سريرا ، اعتلت السرير حشية ، ثم لحاف برتقالى ، لم يبد أن الحاضرين لاحظوا شيئا ، لكنهم ما لبثوا أن بارحوا " حجرة النوم " واحد واحدا وأوصد آخرهم الباب خلفه . انتما الآن منفردان .

انغلقت النوافذ فجأة وانبعث نور أحمر خافت أكسب المكان طابعا دافئا لذيذا . وبعد ، هي لي وأنا لها . ألا فاندكى جبال الحرمان وكوني عهنا يفرش دروب سعادتى .

- تدخنين ؟ - كلا شكرا .

- ألا فاقتربى إذن ، فهذا الفراش . . .

- ولم ؟ !

ـ . . . !؟

- ليست لى أى فكرة ، الفراش لا يصلح إلا للنوم . . . أنا لا أشعر برغبة فى ذلك الآن . . .

دنا منها وقال فى شبه استجداء : - كفى عبثا بى .

قالت وكأنها لم تسمعه : - ترى من جمعنا ؟

- ذلك ما لا أدريه . . . هلمي نتحابب علنا نعرف ذلك . الحب وسيلة للتأكد من الزمان والمكان . . . للتأكد من الوجود . . .

- سخافة ، تروم بذلك موراة هدفك الحقيقى .

- أو ليس هدفك أيضا !؟ انك تحرقين وقتنا . . .

- إنك لا ترى فى المرأة الا وسيلة للذتك الحسيه الدنيئة .

- وما هى إذن . . . أهى الملاك الملهم ، وذات الجسم الشاعرى المتناسق . . . كلا يا عزيزى ، لست من أولائك .

اقترب منها واحتضنها قسرا فانتفضت ...

- يا أخى . . . يا أخى . . . يا . . .

والتفت نحو صاحب الصوت فاذا به الممرض يدعوه الى حجرة الكشف . . والحاضرون ينظرون اليه فى . . . فى لا يدرى ماذا . . . فتناول محفظته وخرج . . .

جذب الكهل الأنيق من معطفه صحيفة . وأغرق عينيه بين سطورها . . . انقلاب في الشيلى ، اسرائيل موغلة فى طريق العدوان . الحرب ، السرطان ، الدولار . . . وانقلبت الصحيفة مضجرا فى ذاتها . ووجد نفسه ينظر نحو اللا شئ ثم نحو الجالسة قبالته .

شباب وأناقة ، لاريب أن العلم يبطنهما . طليعة من طلائع فتيات مجتمعنا الناهض . ألا فابشرى يا أمة العرب وكوني من غدك على اطمئنان . هذا نصفك المشلول قد فك عنه اصفاد الآعصر . وهذه ولائم الحريم قد انطلقت فوق دروب الانتاج تسعى علها تقنع جلاديها بأن فوق أعناقها أدمغه بدأت تتحرك . . إنها بوادر الشفاء يا أنتم ، يا من خلتم اننا نحتضر وطفقتم تعدون الجدث وتصقلون جدرانه لمواراة الجسد الفانى إثر آخر ضجه دم فى عروقه . يا أنتم ، يا كل الاعداء ، خاب فألكم ، فأنسحق أملكم . هذا العملاق العربى وقد تحرك نصفاه نحوكم يسير داكا حصون ظلمكم ، ملقيا ببقاياكم فى جب كنتم له تحفرو ن .

تململت الغرفة تململا ثم مجت محتوياتها قبل أن يحتل أحد أركانها مكتب جلست خلفه فتاتنا العشرينية تشغل آلة راقنة .

ألا طوبى لك بنفسك ولأمتك بك .

ازدادت القاعة تمططا فاتسعت اتساعا وعلت علوا . واذا بالآلات تملأها وبالعشرينية تتبختر بينها عاملة موجهة . . .

للة درك ألا برهنى على جدارتك بثقة وهبتها . غابت معدات المصنع عن ناظرية وعلت أرضه رمال وجبال قبل أن تنهدم جدرانه وينقلب صحراء صخرية مترامية الآماد . ثم انتشرت هنا وهناك فتيات فى عمر الزهور وقد ارتدين ازياء عسكرية رمادية اللون وأمسكن ببنادقهن . . .

هذه أعضاؤنا المشلولة قعيدة الحفر والبيوت . . .

- يا سيدى . . .  يا أنت . . . يا سيدى . . . - آه أحسنــ . . .

وانطلق خلف الممرض نحو حجرة الطبيب .

ألا قل على الدنيا السلام ، إنه ليوم الحشر وربى ، وإنها لبوادره . فانفخ اللهم في الصور وأرحنا . لم تصدق الشيخ " عبد الله " عندما همس فى أذنك يوما : " لقد صار العرى إلفا لديهم " فاذا به يصدم ناظريك بوقاحته حتى ساءلت ما بقى من عقلك : " أنحن فى عيادة طبيب أم وكر دعارة " . الفخذان ومنبت النهدين . . ولا أدري ماذا أيضا . . . ألا سحقا لك من فاجرة . . .

اثبت الشيخ برنسه فوق كتفيه فى آلية قبل أن يبعث الى الجالسة حذوه بنظرة زاجرة اسرعت عقبها الى ارسال الملاءة فوق ما انكشف من وجهها ذى الشفتين السمراوين الغليظتين ولسان حاله يقول : " لأقتلنك ورب الكعبة لو حادثك شيطانك بالنسج على منوال هذه الـ . . . " أتكشف ابنة " الشيخ صالح " عن وجهها . ألا فاستريه ! أو لم أعلمك أن المرأة عورة .

يدعين العلم وهن أجهل من أحذيتهن البراقة اللامعة . لو بحثت لألفيتها أستاذة أو معلمة . وها انك ترى بعيني رأسك مظهرها وسوء حالها . حقا إنك لحكيم فلو سمحت " لمباركة " بالذهاب الى المدرسة لكانت مثلها . ألا طوبى لك بصواب تفكيرك وطوبى لأبنائك بك .

وفي لحظة ألم وحسرة وازنت بين الماضى والحاضر فأخفيا عنك المستقبل إذ كان الفرق هائلا مخيفا ، مذهلا . وألقيا بك فى غياهب سوداء دفعتك بدورها الى الحاضر معادلا مقارنا باحثا عن علة الداء وجعلاك تهمس فى مسمع

نفسك : " ما هو الا أن طغي الانسان وظلم فأوحى له الرب أن امرح حيث شئت والحساب في نهاية الدرب ، حيث الفرقعة تتبعها القرقعة . فكان العرى وكان الكفر حتى قيل للمحافظين : " أيا سخفاء ضحكت منهم الارض والسماء ونصبتهم أباطرة على عرش البلاهة العتيد " وانت من السخفاء بلا ريب . ألا ما أحمقهم .

واندلعت النيران فجأة فلفحت ذواباتها السماء . وكدت تصرخ . لكن اشجارا وانهارا أحاطت بك . فجلست فوق أريكة لينة الملمس بينما كان الصراخ يبلغ أذنيك من معسكر المغضوب عليهم حادا مفزعا . فوقفت مرسلا البصر نحو الأفق حيث رأيت جليستك نصف العارية وقد اسود جسدها . . طق ، تك ، طق . ونظر فاذا بالممرض يفتح النافذة واذا به فى غرفة الانتظار ضمن بقية المترقبين . . .

قمة وقاعدة ، سماء وحضيض ، كل شئ ولا شئ ، الغرق مهول مذهل ولا فرق . . . ألا فانعمى بما وهبك الله . . الله . . . يقولون انه عادل وأنا أؤمن بذلك لكن الواقع ينفيه فيتزعزع يقيني . . . لو سألت أباك عن علة الفرق لغمرك بسيل من الآيات الحاضة على القناعة ثم نهرك . القرآن صادق وأبى محق ولا ريب . لكنى عنيدة لا اقتنع فالفرق اللاملل أكبر من أن أغض عنه البصر .

أنت فتاه والجالسة حذوك فتاة . . . لو جردت من ملابسها لما اختلفت عنك فى شىء . لكنك أمية وهى متعلمة ، تماسين الشظف وتصابينه وتمضى وقتها بين لين المدينة ونعمها ، يعسر عليك أبوك ويدللها والداها ، تساقين الى زوجك وأنفك راغم وتصطفى شريك حياتها . . . لماذا يا الله . . . لماذا خلقتني بدوية ؟

دب نمل الثورة فى أعماقك فكادت رياحها الهوج تقتلع فضلة شجيرات خضوعك وأوشكت أن تلقي عن كاهلك بالملاءة رمز الجهل والتخلف والخنوع . . . لكن نظرة من أبيك شزراء أعادتك الى هدوئك وأعادت هدوءك اليك ، فتذكرت قرعات العصا وشدتها وتمنيت لو لم تكونى جسدا . . .

قام بينك وبين الوجود ستار كثيف الصفاقة فابتلعك الخيال وحلق بك فى أجواء اللامعقول . وغاب عن ناظريك كل شئ فألفيت نفسك فى درب ذى

جمال وجليستك الحضرية تماشيك وقد تماسكت أيديكما وزقزق عصفور المودة فوق رأسيكما . أضناكما السير رغم لطاقة الجو فاصطفيتما شجرة ذات عبير واقتعدتما ظلها قبل أن تدنو منك صاحبتك فتنضو عنك أدباشك العتيقة وتشير أن ترقبى . وفى خفة أخذت ترسل نحوك بثيابها قطعة قطعة . حتى الحذاء البراق اللامع أللبستك إياه . ولبثت برهة عارية تنظر نحوك فى حب قبل أن تتناول ملاءتك فتستتر وتمسك بيدك فتنسابان فى الدرب الظليل خفة وشبابا . . .

- مباركة . . . يا مباركة . . . يا . . .

- نعم ، نعم . واذا بأبيك ينظر نحوك غاضبا واذا بالممرض يدعو كما الى حجرة الكشف .

ثقل عليك ترقب دورك لكنك عدت الى صبرك وعاد صبرك اليك والحق أن عسر الانتظار قد خفت حدته عقب خروج جلسائك ذوى العيون التى ضاهت ذباب الخريف قدرة على المضايقة . وتنفست الصعداء ، وتخليت عن انكماشك فوق الأريكة فأطلقت نفسك على سجيتها .

آه . . . ما أعسر الانتظار خصوصا إذا كان بين أناس على شاكلة هؤلاء . . . لا تنفك حدقاتهم عن التهامك وكأنها تجردك من ثيابك . ولا استثناء ، فى ذلك . . . الشاب ذو البنطال الضيق ، والكهل الأنيق ، والشيخ ذو البرنس والفتاة البدوية ، كلهم . . . الله . . . متى تكف الناس عن الاهتمام بغيرهم .

وتمنيت لو لم تكونى امرأة على أية حال . . . تمنيت لو تهربين من جلدك . . . لو تهربين من نهدك . . . من شهرك . . . من . . . لكن هيهات فقد قضى الامر منذ عشرين سنة .

ودلف الممرض يدعوك الى الطبيب معلنا أن قد حان دورك ............... ................................................................... ...................................................................

اشترك في نشرتنا البريدية