الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

ليالي الضجر

Share

كان يبحث عن لحظة متعة فى خضم الصدف . كانت تبحث عن نفسها فى لجج الافكار المتدهورة . كان الدهر متحطم الضلوع يبحث عن كيانه فى زحمة الأحداث المتقلبة . كانت الرياح تزمجر باحثة عن أمل غابر افتقدته فى ليلة عاصفة ، مرسية الكآبة . كانت السماء تنوح . تبحث عن القمر الذى أختلس منها عنوة . كان القمر قد مات مشنوقا وهو يبحث عن عوالم أسطورية يختفى فيها عن أعين مطارديه الاغبياء . كان رواد السلام يبحثون عن طريقة مثلى ليعلنوا الحرب على البسطاء السذج النائمين فى سفح الشعارات المزيفة .. القيم المحتضرة . فى الغابة النائية ذئاب تعوى باحثة عن فريسة تسد بها الرمق .. وفى المقبرة القريبة غربان تنعق ، تبحث عن أموات أحياء ما زالوا يزفرون همومهم ، يصدعون آذان الكون فى ذل رخيص .. وأحياء أموات فى القبور الخربة قد ضمد السبات جراحهم ، وألقت بهم يد الرحمة ، والراحة الأبدية وسط مخادع من نور تتلألأ فى الأفق الفضى الضياء .

كان الكل يبحث عن شئ ما . وكانت الايام تبحث عن الكل . تنتظر لحظة غفوة لتمحق حماقات الجميع . ومتناقضات الجميع تدوس سخافات الجميع فى شرانق الخريف المضجرة .

قالت وزفير أقفال تغلق حول أقدام مجرمين أبرياء يصك سمعها :

- هذه المدينة الخرساء - ملعونة . مخنوقة الانفاس . حتما لن أجد فيها نفسى أبدا . لا بد من الرحيل بعيدا ... بعيدا .. سأحاول أن ألجم شكيمة الغد المعاند .. ألاحق المجهول ..

نفث دخان سجارته ، ليهمس بصوت مرتعش كأنين إنسان يدفن حيا :

- ليس الحل في الهروب من المدينة المخنقة الانفاس . إنما الحل هو أن تعرفى كيف تهربين من ذاتك التى لا تتركك تلتقين بذاتك . هي تقتفى خطاك أينما رحت .. أينما حللت ...

كادت تصرخ فيه ناقمة عل غبائه . كيف الخلاص من شئ لم تجده بعد !!؟

تركت العنان لنظرتها تنغمس فى دوامة السحب المهشمة الخلايا . الرحيل !! إنه يخفى خلف بريقه أشجان غد قاحل .. أيام تشرد كالحة ، وليالى قحط مرعبة على الرصيف . لن تكون غير وعاء يلقى فيه سماسرة الفسق أوساخهم ، وفواضل قاذوراتهم .. الارصفة .. هناك وسط الحفر يقبع مصير الأشقياء .. هناك بين طيات الوحل تباع وتشترى همم البؤساء ...

ستحن إن صدقت أن الحياة عهر واستبداد . لئيم يدوس كريما . وشريف يفنى من الهوان مقهورا .. إذن لمن هى باقية ومبادئ صباها قد بترت بمطواة العابثين ؟

تئن أوهامها من أعمق أعماق قبور أحزانها ترقب جياد المجهول كى تفر بها الى بر الأمان ..

نكست رأسها تكتشف ما أمامها . أوشكت على الغرق فى الصحن الرابض مل المائدة باستسلام شاة وديعة . كانت الملعقة مغروسة فى الصحن كراية نصر مغتصب ، ألقى بها بطل مهزوم . وكان الحساء قد أصبح دوائر .. دوائر تبحث هى الاخرى عن منطلق لتهرب من قضبان سجنها . وكانت مقله زرقاء ، غامضة النظرات ، مبهمة الاسرار ترمقها بدهشة مستنكرة من خلال تلك الدوائر العجيبة ، تشير اليها من طرف خفى أن تتقدم .. تغوص فى يم المقلة الغريبة السحر ، تفتش عن معالم وجودها فى متاهات الدوائر المثيرة الغموض .. تبحث عن الحلم المجهول الذى يعذبها منذ سنين ، ولم تعرف طريقا للوصول اليه ...

كادت تبكى من الافكار المتمردة التى تمركزت برأسها المعطوب . تمنت لو تأخذ كل الصحون . تلقى بها أرضا . ترفسها . وترف العين الوقحة التى أخذت تتناسل بتحد غريب لتغذو حفنة عيون جريئة . نفاذة الجاذبية ترمقها بالحاح أو فتنة وقحة . فجأة أحست أنها ربما وجدت أخيرا نفسها . وجدت ذاتها الضائعة التى قضت العمر تلاحقها دون جدوى .. ربما خلق ..؟ إعتلى وجهها شحوب سقيم يذكرها بوجه جدها وهو على فراش الموت يهمس

بصوت متقطع ، تنهشه العبرات " إياك يا ابنتى ، لا تبحثى أبدا عن شئ تعرفين مسبقا أنك لن تجديه . البحث يطعن الحقيقة . والحقيقة تدمى النفوس . والنفوس الشفافة يقتلها الزحف المتواصل نحو اللاشئ " ..

لكنها متأكدة أنها ستجد حلا لألغاز حياتها فى تلك الدوائر العجيبة . مصيرها ينتظرها هناك . العالم يرقبها هناك .. لن تتراجع الى الخلف ..

............................................................ العيون ما تنفك تطاردها .. باسمة : مراوغة .. غاضبة . فيها غموض وفيها تحد وفيها حيرة تتقاتل مع بوادر ثورة مفترسة وتهكم أبكم .

لم تعد تفهم شيئا . ولا ترقب شيئا . إذ غدت شبه واثقة أن اللاشئ لن يتمخض أبدا عن شئ .. لكنها حتما لا بد أن تفعل شيئا ...

قال ساخرا ورذاذ ترفع أبله ينكسر فوق شفتيه :

- يذكرنى هذا الحساء بأيام الخدمة العسكرية . أيام الرغيف الجاف . واللوائح المقرفة . والنظم القاسية . أكره الجندية إذ كل ما فيها يذكرنى بالحرب .. والرعب .. والمجاعة .. وأنت هل تحبين الحرب ؟

أرادت أن تكون أشد قساوة منه . وأحر سخرية :

- الحرب أضمن وسيلة للتخلص من الأفواه الصارخة دوما ، طالبة قطعة خبز . وانجع طريقة للتخلص من الثعالب التى لم يحدد بعد مآلها ..

- أنت شاذة الحرب دمار وخراب . الفقر خلفها . والتشتت أمامها . السلم أجمل ما فى الوجود ..

- لأنك جبان . الحرب مغامرة وتسلية . هى متعة للراكدين . وضربة حظ للمستغلين .. ثم لا خوف علينا من مغبات حرب . نحن بلا فخر ، فقراء دون حرب أو سلام .. يؤساء بالوراثة . أشقياء بالتعود . أغبياء عن عمد وإصرار .. حقا لا خوف علينا .. يمكن لك أن تلتهم باذنجان .. السلام باطمئنان .

- خبيثة أنت .. ولكن ..

بدون تفكير تركت أصابعها تنغمس فى الصحن ، تحاول القبض عنوة على حفنة الأعين السابحة في يم الدوائر العجيبة بوداعة ملاك سفاح . إندلق الحساء . سقط الصحن على الارض . تفتت الى ألف قطعة ، كما يتفتت ترقبها كل ليلة فوق وسادة وخازة الصقيع .

نظر الجميع اليها ببسمة تخفى شذرات استنكار .. شنيع ألقى بالشوكة من يده وهو يرمقها بغل مكبوت كفهد اقتيد غدرا الى قفص :

- يالك من حمقاء حالمة .. ألا يكفى أنك طلبت حساء ، منفر الطعم ، ثم مع ذلك خطمت الصحن ، وشوهت ثيابك .. ألن تكبرى أبدا ؟ طفلة مجنونة وشاذة أنت ..

قهقهت فى سرها وهى تبتلع احتقارها له ولمن حولها . أحتى هذا التافه يتهمها بالشذوذ ؟ أتقول له : إنها لم تطلب حساء ؟ ولم تستطع في حياتها مطلقا أن تتحمل رؤية حساء . إنما خدعت مرة أخرى . وراحت ضحية الاسماء الرنانة المغالطة . ضحية أحرف منمقة توحى بأبهة زائفة ، مغشوشة . لقد قرأت على الورقة البنية اللون التى قدمها لها الخادم ، الباسم الثغر أكثر مما ينبغى .. المتراخى الحركات أكثر مما يجب " وثبة الامير الجسور " . تخيلت أفراحا عسيرة ومثيرة وهى تلمح الامير الجسور ينط وسط غابة ، وارفة الاشجار ، عابقة الاجواء ، قد امتطى جواده المطهم قاصدا ديارها ، ليختطفها من براثن الضجر المتشبث بها ولو أدى به الامر الى هد قلاع السأم فوق رأس المدينة المخنوقة الصدى .

سال لعابها للأكلة الشهية . لكن كانت الصدمة وهى تلمح الحساء الاخضر بترجرج فى جوف الصحن كعشب سحقته حوافر خنازير متمردة ، وبللته الأمطار .

ضحكت برغم الخيبة . عاد لعابها يبحث عن وكر قصى داخل حلقها الجاف . أحست نوعا ما بالطمأنينة . ليست وحدها المخدوعة على كل حال . ولا كانت الوحيدة التى تغتر بالاحرف المنمقة ، ولا بالمعنى المغشوشة . الناس كلهم مخدوعون، والعالم بأسره مخدوع لم يستخلص بعد الزيف من الحقيقة . الماس من الحجارة .. الذهب من النحاس .. فلم يلومها هذا المترفع الغبى ؟ أهو أحسن منها معرفة ؟ ألم يغتر هو الآخر بالأسماء المغالطة ..

" ابتسامات السلام " .. ظن أنله اكتشف دنيا جديدة لم يلثم ثراها أحد قبله . دنيا كلها وفاق وسلام . ابتسم مزهوا ، وعيناه تبرقان غبطة باكتشافه . " ابتسامات السلام " حتما ستكون أكلة ..

شكت الدهشة لسانه وقد وضع الخادم أمامه صحن باذنجان مخلوط بالبصل المفروم ، تهب منه رائحة ثوم تصفع الانوف فى سخاء لاذع . إلتقت

نظراتهما فى تساؤل . إنطلقت ضحكاتهما رغما عنهما . أغرق تساؤله فى " اتسامات السلام " بينما نكست هى رأسها ثانية ، تبحث عن حلقات مفقودة تراصد ذهنها .

إصطدمت نظراتها بالدوائر وهى ما تزال تتفرع .. وتتفرع .. والعيون المثيرة الغموض ، الكثيفة الالغاز تتلوى وسط العشب الاخضر المبتل . تكتسح البلاط . تغزو المكان فى حرب صامتة لا ترقب هدنة .

لسع وجهها بنظرة مغتاظة وهو حائر بين البقاء والفرار . أسرع الخادم الباسم الثغر أكثر مما ينبغى .. المتراخى الحركات أكثر مما يجب . ليلتقط القطع المنكسرة .

زاغت عيناها لحظة تتبعان الهامة المنحنية . فكرت أن تأخذ السكين .. ترشقها فى عنقه النحيفة كحلزون يشكو من تشنج عصبى ، ترديه قتيلا قبل أن يحرمها من إيجاد نفسها .. ذاتها الضائعة وسط شعاب الدوائر الغريبة الاسرار .. والعيون الغامضة الفتنة .. بأى حق يتدخل هذا الأبله فى حياتها ؟ كيف ؟

فى سلة المهملات تكومت القطع المكسورة مع الخرقة المتسخة التى دس فيها العيون المتدحرجة على الارض ليودعها مضجعها الاخير .. يدير لها الظهر . تجرى خلفه . تمسكه من قميصه الاحمر القانى كجرح متجمد الدم فى صدر حيوان على وشك التعفن .

- ألن تأخذني معها ؟ ألن تتسع سلة المهملات لنا جميعا .؟ أليس للكل مكان فى ..؟

تزداد ابتسامته الكسيحة اتساعا وهو يرقبها بخوف مفاجئ : - هل من خدمة سيدتى .. أسف إن ..

ينسحب من أمامها مهرولا . تعود النظرات تتسكع حولها باحثة عن حقيقة أمر غاب عنها . تلهى الجميع لحظة بالنظر اليها . ركلتهم بابتسامة متحدية . عادت تجلس فوق الكرسى مخلوطة الاعصاب ، تجلد الفهد الحبيس ، الراكن قبالتها ، بعجرفة غجرية ثائرة .. تنتشى بذعره ..

هربت فجأة من الرؤى الفتاكة . ألجمت نظراتها . عادت تحلم بأشياء مرعبة . وأمانى مدمرة تبتز خيالها ، تبيد الكون حولها .

- متعبة أنت .. امرأة متعبة فى حاجة الى كثير من الترويض

عيناه حائرتان بين الرغبة والتخاذل .. انما صوته كان متذمرا . حتما هو يقسم فى سره أن لا يعيد حماقة رؤياها ثانية .

- ألا تأكلين ؟ للمرة السادسة .. ألا تأكلين .. أم أنت تفضلين الحساء ليحملك الى أميرك الجسور .. لا تحلمى كثيرا . ربما أصابه داء التخاذل كالجميع وهو يتأهب لوثبة منحوسة العواقب ..

رنة فيها تملق ونفاق . وفيها ملل ونفاذ صبر . لكن هل تأكل نفسها بنفسها . هل تقول له : إنها أصبحت مثله مسالمة لا تحب الحرب ؟ وأكل السمكة ما هو غير نوع من الحرب تشنها على ...

- لا بد أن أعيدها حيث مستقرها وسط الغلائل القاتمة . لقد اغتيلت مثلى . افتك مصيرها منها هى الاخرى . اقتيدت الى الموت عنوة لتشبع نهم أناس لا يشبعون . ولن يشبعوا .. ما دام قد خلق . الانسان ليظل يلهث خلف ما يفترسه . تسره بطنه . وتتحكم فيه الاهواء السفلية . الدنيا أمامه تبتدى من الاسفل . وتنتهى من الاسفل ، لذا سوف يبقى أبدا فى أسفل السلم لا يرتقى الى فوق أبدا . إن حاول الارتقاء صدفة كسرت أعضاؤه .

السمكة ترمقها فى استسلام بائس . تقص عليها حكاية ظالمة وأليمة ، عن بشر لا يعرفون الرحمة قد استعبدهم الجشع .. وأسرهم النهم .

" كنت أنعم بالحياة فى جوف الغلائل المبهمة الرؤى . أحلم باكتشاف مدينة ضابية مجهولة ومثيرة .. لكن يد البشر اغتالتنى . اختطفتنى من مثواى لتهبنى لبطون أناس لا يشبعون .

أجيال وأجيال خلت وهم ينهبون كنوز البحر ولا أحد منهم شبع . هم لا يعرفون أن لعنة " نبتون " تطاردهم وقد حكم عليهم باللا شبع الأزلى .. لو شبع المرء لحظة لاندثرت الخليقة .. "

السمكة الشهيدة مسجاة فى الصحن .. وأزيز الموج ثائرا يصرخ مهددا أيد خبيثة سعت للفتك بها ، والغوص بدنياها .

القاعة تغرق فى هدير المياه الفيروزية التى تشوبها حلكة مثيرة ، وحزينة . كانت رغبة حامحة تزفر فى صدرها تحثها الى الرجوع الى مكان ما .. الى البحر حيث تدفن هى والسمكة بين أحضان الامواج الحانية .

" سأعود . لا بد أن أعود ، أبحث من جديد عن أمانى قزحية ضاعت من  قبل أن أجدها . عشت أحلم بها من قبل أن أعرفها وما كان يجوز لى ان أحلم بها أو أتمناها .. إنما ..إنما ..

لا بد أن أجد شيئا وإلا تحتم على الموت فى مستنقع اللا شئ . ما الحياة سوى قبور تترنج فوق الماء تنتظر متى يبتلعها التيار .. متى يكون لها الخلاص من قبضة القدر .. لذا يجب أن أعود ، أبحث عن قبرى فوق الماء .. عن مكانى فى أليم اللازوردى .. أهرب من أيامى المحترقة على جمر الدوائر المتشابكة الغموض .. أهرب من مصيرى الأعرج المتعفن فى قمقم الضجر ..

لم تستطع أكل السمكة القتيلة . لم تستطع السمكة أن تأكلها . لكن الثوانى أخذت تلتهمها بشراهة سمجة .

عيناها تتشعلقان فى السقف . ترتكزان على الثريا المترامية الأغصان كشحرة هرمة . فكرت أن تأخذ الشوكة . تلقى بها نحو غصن منها . تتسلى بكسره . تنبش به سحب الدوائر الحالكة . تهشم به رأس الحيوان القابع أمامها كفهد مقيد اقتيد غدرا الى قفص . تنتقم منه . ومن بشر لا تعرفهم ولا تريدهم . ومن أناس تريدهم ولا تود أن تريدهم ... تقتل الجميع بالهراوة الزجاجية . تبقى وحدة السمكة الشهيدة ، تقص عليها هى الاخرى حكاية العصفورة الحزينة التى تحلم ببناء عشها بين الشهب ، لكن القدر كان لها بالمرصاد .

تروى لها قصتها مع البحر .. مع الضجر .. مع الليل .. مع الوحوش التى اعترضت طريقها ، وشلت زحفها نحو آفاق اثيرية عاشت على بريقها سنوات لا تحصى ..

فى ظلام الدجى كان البحر أسطورة عجيبة تحمل فى خفاياها ألف حكاية صراع لغرباء تعذبوا .. وتشردوا .. وتمزقوا قبل أن يبتلعهم عباب الغربة والضياع .

البحر ينتحب تحت أقدامى .. والأمواج تندب عمرها الضائع دون أن يصغى " نبتون " إله البحر الى شكواها ، ما دام قد صم أذنيه عنها وعنى ، تظل الأمواج تنتحب . وجزيرة العسجد فى العيون الرهيبة الغموض ، ننادينى .. والأنجم تتنهد .. تتمطى فى ديجور سمائها تلاحق القمر النافر . تركض لثلث صدر الأفق ، وأنا أتخبط فى شبكة نكساتى .. أمتص نهود الغربة ، فى بلد كل ما فيه ضيم ومعاناة .

كان السوار بمعصمى يؤلمنى . يخنق حريتى . يقول لى : إنى أسيرة . أسيرة ماذا ؟ ومن ؟ لا أدرى ..

انتزعت السوار من معصمى لألقيه فى البحر .. ربما أول قيد .. أو آخر قيد ؟

رقصت المياه الجذلى للهبة . ألقيت بالخاتم الذى يدمى إصبعى وحمية العطاء تتملكنى . ألقيت .. ألقيت .. التهم البحر ما قدمته بغبطة صامتة . ظننت أنى نخلصت من كل القيود ، لكننى لم أكن أدرى أنى سأرجع مكبلة . بأفظع القيود .

كانت شفاه البحر تبتسم . تبتسم . لترسم فى سكون الليل دوائر حزينة . مبهمة الحيرة يقبع مصيرى تحت أنقاضها لاهث الأنفاس خائر العزيمة .

ظننت أن الدوائر المتراقصة فى نشوة ساحقة تنادينى كى تحملنى اليه .. الى جزيرتى العسجدية التى أحلم باجتياز ثراها المسحور . ارتميت فى خضم مملكة " نبتون " وهو بعيد . وأنا وحيدة عصفورة حزينة ، مكسورة الجناح .. وذاتى ممزقة بين انتكاسات القدر . وتشنجات الأوضاع المقلوبة . ضائعة .. حزينة حتى الجنون رافضة .. ثائرة حتى الموت ..

" أيتها الشهيدة مثلى كان الموت يناديك .. "

- " بل سمفونية المصير تحثنى على التقدم .. على البحث عن العش الموعود .. لكن البحر لفظنى .. غريبة .. يائسة جئته ولفظنى .. لذا أنا ألعنه وأتمناه . أمقته وأحبه . أخشاه وأسخر منه . ذاك الجبار العنيد .. "

" البحر لا يلفظ أحدا .. إنما البشر .. "

من يومها وأنا أحلم به .. البحر !! أجمل ما فى الوجود . فى امتداده .. امتداد أحلامى . فى سحيق أغواره .. عمق أحزانى وفى تلاطم أمواجه ثورة آمالى المعربدة النازحة دوما نحو وجهة ما .

إنه يهب الحياة . كما يهب الموت .. ساحر كالحب .. جبار كالرغبة .. غادر كالزمن .. نقى كالصباح الوليد .. دنس كرجل ماكر .. فيه ما فى الدنيا من جمال . وعهر ومتناقضات ..

- " أمتع ما فى الدنيا متناقضاتها . لا محبة بغير حقد . لا بقاء بغير موت . لا خير بدون شر .. لا نظافة بدون قذارة . لا سعادة من غير أسى .. "

وعدت ...

عدت وأنا أغرق أكثر فأكثر فى عسجد الدوائر المراوغة .. والقيود تزداد تعسفا تزج بى قصرا فى قمقم الضجر .. والعالم كله عيون فتاكة السحر تلاحقنى .. تلغم طريقي بغموضها .. ودوائر متشعبة الألغاز كافرة الحيرة تحاصرنى . تصلبنى على مشانق الرعب والانهيار .

عدت وأنا أعرف أنى سأظل دوما أنا ويأسى أصفع التافهين بكبريائى .. وكرامتى تتوج رأسى باكليل العزة والترفع .. لكننى أسيرة . أسيرة ومتحطمة ..

- " الشذوذ يربض تحت أقدام المرأة المتطورة أكثر من اللائق.. المتحررة زيادة عن المعقول " ...

بصوت حاقد النبرات رجمها بتلك الكلمات المغتاظة الناقمة . رجمته ببسمة ساطعة التحدى . بعجرفة غجرية ثائرة ألقت بعقب السجارة المشتعلة بين أصابعها ، فى مضيق شفتيه المنفرجتين عن تكشيرة ميتة المعنى .

وقفت تتلذذ بمشهد الحريق ، وزوابع الغيظ تكاد تقتلع جذوره ، انتفض للسع النار وهي تحرق جلده . انتابته لحظة رغبة فى التدمير ، انتصب مرتعدا . أراد أن .. لكنه عاد يجلس مصعوقا ، مستسلما لا يروم حراكا ، يغوص فى بئر هوانه كفهد حبيس ، مقلوع المخالب .. مخلوط الأنياب .

ألقت لفتة أخيرة على السمكة الشهيدة . ابتسمت فى تودد .. ثم واصلت طريقها دون التفات بغرور ملك مخلوط ما زال منتصبا على عرشه رغم أنف الرعية الرافضة المتمردة . ......................................................................

رفعت رأسها الى فوق وبصرها يتلوى يمينا وشمالا . لم تلمح شيئا .

السماء لم تعد فى مكانها .. ربما صودرت ؟. ربما اختلسها المحتكرون لتباع إلى هواة الطريف والجديد ؟. بدل رقعة السماء المشرقة التى تعرفها وبقيت الساعات الطوال تنظر اليها حالمة بعض صغير تبنيه فوق جبال القمر .. بدل السماء كانت هناك مقلة زرقاء فظيعة الغموض تشع ببريق فتاك ، تحدوها دوائر متشابكة بجلس " عزرائيل " القرفصاء فى احدى تشعباتها ، متسائلا فى تخاذل مر عن النهاية .. عن مصير الخليقة المكفهر الرؤى ..

وكلت تساؤله ساخرة ، كانت نظراته ترشح بخنوع مفزع ، تنذر باستسلامه وعجزه على مجابهة تفاهات الخليقة ، وتذبذب زحفها الدائم ..

عاجز .. هو الآخر .. عاجز !!!

إلتقفها الليل . عانقته . سار معها يحتضن خيبتها ، يجرجر خلفه أحقابا من المعاناة والوحشة .. وكان النهار الميت ما زال يلحس آثار الخريف الرافع راياته فوق ربوع الطبيعة الغاضبة .

الأحزان تجذبها . تتكئ على كتفيها ، تبتسم حانية لملاك الحزن وهى تكتشف أنه لم يكن لها غير الحزن حبيبا ورفيقا ..

تمنت لحظة أن يبتلع الظلام تلك الدوائر المتشابكة التى تشحن الأفق غيوما .. تحجب عنها الرؤية الحقيقية للحياة .

لكنها تعرف أن حياتها انتهت . ابتلعتها جزيرة العسجد ، وغربة العيون السحقيقة الشجن ، تلك العيون التى لم تدرك بعد حقيقتها ، ولا تعرف وجهتها !!

إنقضت حياتها ولم تكن غير عدو مجنون خلف غد موبوء فى زمن تسيره المطامع الدنيئة ، وتتقاذفه المساعى الخسيسة .. وسط قوم اعتنقوا السفالة منهجا ، والانحراف طريقا يسيرون فيه بضمائر متحجرة ، مغلفة بخرقة التفسخ السوداء ، ليواصلوا مسيرة التفكك ، يلفح وجوههم هجير التلوث السياسى .. ويسلخ أجسامهم مشرط التمزق الاقتصادى .. والنفاق العربى .

زفرت أمطار الخريف تلفح وجهها ، ووحشة المساء تتمطي بعينيها ، ترسم زخارف لمرافئ سرابية اكتسحتها مللالة الأنواء . اختلطت مع عبرة متمردة . عرفت أخيرا وجهتها . لقد أزاحت الأمطار ، الأتربة التى حجبت النور عن ناظريها دهرا ...

عادت الى حيث يجب أن تعود .. الى الذى لفظها مرة لكنه ما فتئ ينتظرها.. يناديها .. يحاصر أفكارها .. الى البحر عادت ، تبحث عن مأوى .. ترصد قبرا تحت الماء .. تنتزع مكانا عنوة تحت الماء . تقترب . يواجهها البحر لغزا رهيبا عجزت عن فك طلاسمه . تتقدم وجلة . والعالم يغدو دوامة مرعبة تتخبط وسط العباب الهائج . تشهق المياه الجذلى تدفعها بحنو قرصان تائب عذبه الندم . تحث الخطو نحو الاعماق المتفتحة لها . قدماها تغوصان فى الرمال الرخوة ، تحفران لها المضجع الاخير .. النهاية هنا . رابضة فى حفرة ما . ما الوجود غير حفرة ، موحلة قذرة يتصارع فيها الانسان الذي خلق ليبقى دوما وأبدا يرتع وسط الحفر ، إذ ما هو غير جرذ حقير حكم عليه أن يقضى العمر متسكعا بين الحفر النجسة .

رمت به فى يوم أغبر حفرة آدمية . بطن أمه .. من يومها بدأت مسيرة التدحرج بين الحفر .!!

يتعذب .. يتشرد .. يفرح يخنقه الجوع .. تبدده التخمة .. يجلده الفقر .. سحقه الثراء .. ثم . لا بد أن يرسى به الركب فى آخر المطاف بمند شفا الهوة الأخيرة .. حفرة منسية فى تربة مقبرة ما .. حيث تنتهى به مسيرة الحفر .. مسيرة التعفن والجنون ..

يئن الموج بصوت حزين كآهة عذراء تذبح فى معبد مقفر .. تقدم قربانا لاله ظالم ، بين تراتيل كهنة ملحدين ، وغضب سماء ناقمة ...

يختفى القمر باكيا . تعوى الرياح ترثى أحلاما مرتقة وقلبا يتيما .. ترقص حولها تزفها للبحر .. تهبها " لنبتون " بين زغردة الدوائر الثكلى .. وضجر العيون المتعبة الغموض .

تغوص فى اليم هاربة من الومضات الساخرة ، والليل يتفتت .. ينحل شيئا .. فشيئا .. يذوب كقطعة سكر فى فم الخريف الجائع . تعود معزوفة الموت تراقص الأمواج الحائرة ... حتما ستصل اليه .. ستفتكه وتفتك معه مصيرها الغارق فى لجج الغلائل القاتمة . لقد أراد لها أن تعيش أبد الدهر هائمة فى متاهات جزيرة العسجد تبحث عن نفسها فى غربة العيون المثيرة ولا تجدها .. تطارد الحياة ، ولا تلتحق بها . تحلم به ولا تسعد بالبقاء قربه أبدا ..

ربما التقيا فى شرنقة الدوائر العجيبة ، صدفة ، ذات ليلة  ؟ أو ربما التهمتهما كآبة ليالى الضجر .. ربما ..؟ ربما ..؟

اشترك في نشرتنا البريدية