بدأت ريم تشعر باضطراب عميق ... تحس بأن علاقتها بالحياة تقوى . .. تنظر الى ما حولها بفاعلية غير معهودة . . .تشعر بسعادة حين تفكر فى شئ غامض يجذبها اليه . . .
تحس بوعى يسرى فى باطنها فيهزها هزا . . . فلم لا تترك أيامها تسير بطبيعتها الآلية فتستقبل النهار بالسعى وتستقبل الليل بالنوم ؟
لم تكن ميالة الى الاستسلام وان كانت صواحبها من فتيات القرية يجدن فيه لذة وتعزية . . تراودها فكرة الخضوع فتستحضر ما تردده على مسمعها بنات العمال والفلاحين فى القرية حين يرينها مطرقة واجمة : " كل شئ بالمكتوب " فترد عليهن : والعبد سبب . . " يتملكها استخفاف بهن ولكن بدون حقد . . لقد ذهبن ضحية للجهل ولجناية الآباء . . وذهبت هى ضحية للجهل ولجناية الأب الذى منعها من الانصراف الى الكتاب بينما ينصرف اليه ميلاد ابن عمتها . .
كانت في صباها تشعر بسعادة لا تماثلها سعادة حين تستيقظ فى ساعة مبكرة لترى ميلادا يستعد للذهاب الى الكتاب فيحمل لوحه ويأخذ سلته الصغيرة يحمل فيها فطوره وأحيانا هدية الى المؤدب " عمى الطيب " وغالبا ما تكون الهدية دجاجة أو بيضات . . .
ما كان أسعدها وهى تشهد ميلادا يسعى الى الكتاب . . وما كان أشقاها وهى لا تستطيع مصاحبته اليه . .
كان المشهد يحز فى نفسها ! يسمح لميلاد بالذهاب الى الكتاب وتحرم هى منه ! أهو أقدر منها على الكتابة فى اللوح وعلى قراءة " الحمد لله " و" قل هو الله أحد " ؟
كانت تشعر بضيق . . بشئ ثقيل يشدها ويحد من طلاقة أحلامها . .
كانت تجد لذة حين تلقى بنظرة من خلال الشباك الى الطريق لترى ميلادا يسعى الى المؤدب بخطى نشيطة تدل على إرادة منه خلاقة . . فتغبطه على منزلته . . وتظل ترمقه من خلال القضبان حتى تغيب عنها صورتة فى البعيد ، فتنزوى حينئذ بركن من الغرفة وتضع يدها على خدها المتورد وتظل حيرى تسبح فى عالم من الخيال رحيب فى صورة ميلاد الواضحة وصورة الكتاب الضبابية ٠٠
وكانت تلك لذتها . . وكم من محروم يجد فى لذة الحرمان ما لا يجده السعيد فى النعمة . . .
ميلاد في نظرها _ حينذاك _ لم يكن مجرد صبى يبتغى الكتابة وحفظ السور . . بل كان بطلا مغوارا وفارسا فاتحا يتردد على عالم جليل
كانت تروم بناء هذا العالم الجليل فى رأسها الصغير . . تتصور ميلادا يلقى مؤدبه "سيدى الشيخ " وهو رجل مسن شيئا ما . . لحيته كبيرة . . رمادية . . وبشاربيه اصفرار من أثر التبغ والنفة . . . وجبته واسعة يتعثر أحيانا بذيلها . . وله عصا من الزيتون يستعين بها علي شذوذ الصبيان . . يسلم ميلاد على سيده باجلال ويقدم له هدية يوم الجمعة : دجاجة كبيرة أو بيضات كانت أمه قد اقتصدتها له . . يبتسم " سيدى الشيخ " لتلميذه الكريم ابتسامة صفراء . . وغالبا ما يكون تلاميذه كرماء فيجتمع عليه من الدجاج والبيض يوم الجمعة ما يسعد به زوجته " فطومة" وتنفتح له عيناها . . .
كانت ريم تستعين بما يقصه عليها ميلاد لتتمثل بوضوح هذا العالم الجليل . . . وكانت تنزعج حين يذكر لها أن "سيدى الشيخ " لا يكون بشوشا فى العادة الا يوم الجمعة يوم يقبض الدجاج والبيض . . . وفيما عدا الجمعة يكون فظا متوحش الطبع يستعمل عصا الزيتون لتأديب الاولاد . . وكثرا ما ذاق ميلاد الويلات من ضربات الفلقة . . فكان يحتاج فى كل جمعة الى الدجاج والبيض حتى تخفف عنه العقوبة فيحوج أمه ويضطرها الى التقشف .
ذهبت تلك الابام وجاءت أيام أخرى ففرقت بين ريم وميلاد . . لأن الفتوة صارت لا تسمح لاحدهما أن يقرب الآخر على عادة أهل القرية والكل يحترم العادة ٠٠٠
وانطلقت ريم تشق طريق حياتها . . لا تؤمن بالاستكانة . . ولا يجد التخاذل الى نفسها منفذا . . وإنما تستيقظ كل يوم عند الفجر وبقايا الظلمة لا تزال تلامس الاشياء بمشقة وتفارقها رويدا رويدا . . تأخذ جرتها . . تحتل الجرأة مكانها من ظهرها بسرعة وبحركة آلية . . تتسلل الى خارج البيت . . تظل تسرح بخطى متئدة بين الاشجار التى بدأ النسيم يغازل أوراقها الخضراء . . وبدأت خيوط الشمس الصفراء الضعيفة تحاول أن تتخللها لتبعث فيها حياة النهار الجديد . . . تظل تسعى بأتزان فى الحقول الممتدة وهى تنظر الى ما حولها وابتسامة خفيفة تعلو ثغرها . . وأحيانا ترنو الى الافق بنظرة فيها إشفاق . . . الى أين تقصد ؟ ستملأ جرتها وتعود . . وعجلة الزمن تدور . . هل تكل أمرها الى الزمن ؟ هل تستسلم الى الرتابه ؟
كانت تستحضر أحيانا صورة ميلاد . . تجد لذة فى استحضارها . . لذة الألم . . ولذة الأمل ٠٠ تتذكر أنها كانت ترقبه فى مسعاه حتى يختفى . . . شعور خفى ينتابها بين الآونة والاخرى . . فيجر معه صورة ميلاد . . وصورة " سيدى الشيخ " وصورة الكتاب الضبابية . .
. . أما اليوم فتجاوز ميلاد عهد الصبا مثلما تجاوزته . . انقطع عن الكتاب بعد أن تعلم فيه كل شئ : ختم " البقرة " وحمل فى رأسه ستين حزبا ٠٠٠
فقدت ريم كل شئ يربطها بعهد الصبا . . وبذكراه . . ينبغى أن تنسى ميلادا . . أن تدفن صورته . . لم يعد يحمل لوحه . . صار يرعى أغنام سيده " الجيلانى " . . يقضى كامل يومه فى حراستها وليس له من أنيس فى الخلاء الممتد الى خط الاستواء غيرها . . .
وثق الزمن بينه وبين شياهه أسباب الالفة بما لم يكن بينها وبين أحد من أهل الضيعة حتى " عمى الجيلانى نفسه . . فلا يقصر ميلاد من جهده أبدا . . بل بكلؤها بعنايته ولا سيما ما أشرفت منها على المخاض والوضع . . . ولا تبخل هى بما عندها بل تستسلم له مطمئنة راضية كلما أراد أن يعمل أصابعه الغليظة فى ضروعها عقب الوضع . . .
فقد ميلاد أباه وهو غض الشباب لم يتعمق فى الحياة . . وصار على موعد مع المحنة . . وحسابها معه عسير . . . هو والصراع . . وقدم ثابتة . . وعصا طويلة يهش بها على الخرفان . . والمحنة . . ورأس مرفوع . . و جمل مكتوبة بين عينيه : " الخبزة مرة . . والحياة جهاد . . والراحة فى القبر . . . ومن لا يشقى لا يلقى . . "
ورث عن أبيه . . الحاجة . . . وحراسة الشياه فى ضيعة " عمى الجبلاني "... والعصا الطويلة . . . وكوخا كان والده قد استأذن " عمى الجيلانى " ليبنيه بأغصان الزيتون والطين المخلوط بالتبن فى طرف من أطراف الضيعة ٠٠
وورث ميلاد عن أبيه نصيحة : "ينبغي أن يعمل الملح فى عينيه" . .
فى اليوم التالى نهضت ريم عند الفجر . . . ألقت نظرة خاطفة على ما حولها في الغرفة الصغيرة التى بدأت خيوط الضوء تتسرب اليها بمشقه . . بدت لها الاشياء ضبابية لا تكاد تتميز . . فركت عينيها المخذولتين . . قامت من مضجعها متثاقلة متثائبة . . أخذت جرتها كعادتها . . تسللت الى الخارج برشاقتها المعهودة . . رمت بنفسها فى الطريق المؤدى الى البئر . . رنت يناظريها اللذين لم يفارقهما بعد أثر النوم - الى الافق كأنما تريد أن تستكشف أغواره . . كأنما تبحث عن شئ . . واذا بأسارير وجهها تتضح . . . كما تتضح أسارير النهار الجديد . . واذا بشفتيها السمراوين تعلوهما ابتسامة لطيفة . . واذا بها تشعر بطمأنينة غير معهودة . . ويزول عن ريم الغموض الذي كابدته أياما . .
واستيقظ ميلاد فى العتمة . . لم يستطع أن يرى شيئا مما حوله . . استوى واقفا فى شئ من البطء والتخاذل . . . جعل يتحسس ما أمامه خشية أن يعثر فى متاع من الامتعة المتفرقة هنا وهناك . . . او أن يصطدم بعمود الكوخ المنتصب في وسطه كالطود يقاوم الاعاصير . . أخرج من جيبه علبة الكبريت . . فأشعل الفتيلة . . ساعده نورها الشاحب على الوصول الى الباب . . طأطأ رأسه . . تسلل خارج الكوخ فى رفق خشيه أن يصطدم
رأسه بخشبة الباب الافقية . . راح يبحث فى البطحاء عن كومة الحطب . . الظلام لا يزال يغشى كل شئ . . . وهو فى وسطه شبح متحرك يخرق بقامته الطويلة الفضاء الداجي . . . لم يمض بعض الوقت حتى عاد الى الكوخ يهديه اليه تعود عينيه على الظلمة بعد لأي ونور الفتيلة الشاحب . . عاد يحمل بين يديه الغليظتين حزمة من أعواد الزيتون . . . أوقدها أمام الكوخ . . تأججت نارها . . راحت ألسنتها المتلهفة تخرق الظلمة وتكشف عما حولها فى شئ من العناء . . اختفى ميلاد فى الكوخ برهة . . ثم ظهر من جديد على ضوء النار المتقدة يحمل مزود الدقيق . . . وإناء من الفخار . . وقارورة الزيت . . وقبع حذو النار . . . وأمتعته منصوبة . . ينظر اليها بشئ من الرضى
أخرج من المزود الذي اتخذه من جلد العنز - نصيبا من دقيق البسيسة . . ، وضعه فى الاناء . . أمال عليه قارورة الزيت برفق . . انسكب الزيت خليطا صافيا بعكس أشعة النار حتى لكأنه لسان منها . .
جعل يخلط البسيسة . . فلما استوت له راح يدفع باللقمة تلو اللقمة الى فمه الواسع بشراهة . .
لقد كان - الى حد ما - قديم عهد بالطعام . .
وما إن فرغ . . . . حتى أتت النار غلى نفسها واستقرت . . اقترب منها ميلاد يطلب الدفء . . مسح فمه بكم كدرونه . . أخرج من جيب كدرونه علبة التبغ . . . لف سيجارة . . أوقدها . . أقرها بين شفتيه مائلة شيئا ما الى الجهة اليمني . . . قرب يديه من النار المحتضرة يبعث فيهما شيئا من الحرارة . . . والدخان يخرج من منخريه كثيفا . . .
أفنى سيجارته بعد أن كادت تحرق شفتيه وأصابعه . . وفنيت النار بعد أن أفنت فريستها . . تحولت الى رماد خالص جعل نسيم الفجر يداعبه . .
قام ميلاد الى الزريبة يسوق قطيعه الى منابت العشب . . . راح يقفو أغنامه التى انتظمت خطواتها ويضرب الارض الندية بعصاه التى يستعين بها علي شذوذ الخرفان بدأ ضوء الصباح يكشف شيئا فشيئا عن الحقول والمزارع المبللة بالطل . . . وبدأت معالم الطريق تتضح للسالكين . . . وجلس ميلاد على مرتفع الارض يرقب قطيعه ويفكر في أبناء القرية . . . وهو يرسم خطوطا بعصاه . . كانوا فى ما مضي من أيام الخريف والشتاء وقد أصابتهم
سنة جدب - بترددون على مقام العربى يستنجدون به كما يترددون على المسجد فى كل جمعة يعمرونه ليعمروا فيه قلوبهم بذكر الله . . ويستسقوه لعله يجود عليهم بقطرة ماء . . ولم يتعودوا من قبل ذلك الخضوع . . . اللهم الا فى أوقات المحنة . . . فلما أن جاءهم الغيث من ربهم أعرضوا عنه الى حانوت " عمى سليمان " يلعبون الاوراق . . ويشربون " الشاى بالكاكاوية والخاسر من اللاعبين يحمل على الدفع . . .
تذكر ميلاد أن الحكومة وزعت على أهل القرية لكل واحد جملا ومحراثا إثر نزول الغيث . . على أن يخدموا ترابهم . . . ولكنهم أطلقوا الجمال فى منابت " الحماضة " . . . وأهملوا المحاريث يعلوها الصدأ . . . وأرسلوا نساءهم وأخواتهم . . يردن ويحتطبن او يلتقطن حبوب الزيتون المهملة . . أما هم فلزموا حانوت " عمى سليمان لا يفارقونه الا فى ساعة متأخرة من الليل .
تذكر ميلاد أنه لم يتسلم من الحكومة جملا ومحراثا لانه لا يملك ترابا . . لم يزد على أن قال في نفسه : " الفول ما يجشى كان للى ما عندوش ضروس . . . "
مرت ريم بميلاد وهي فى طريقها الى البئر . . ألفته مطرقا إطراق من استطاع أن ينفذ بفكره الى الاعماق . .ِ
اقتربت منه . . . لم تكلمه . . لم يكلمها . . ابتسمت له وابتسم لها ابتسامة يدركها قلباهما . . واصلت طريقها ثابتة الضمير لا يضعفها شئ . . . تمادت وهي توقن أن ظروف الحياة وحدها ستفرض عليها وعلى ميلاد وعلى كل أبناء القرية مشيئتها . .
ملأت جرتها . . وعادت الى البيت لا يثنى من عزمها شئ . .

