قصة
تحركت " رفيقة " بحذر . . تريد مفارقة الفراش . . انها قد سئمت البقاء هكذا مستلقية الى جانب طفلتها ، والنوم بعيد عن عينيها . . ومدت يدها الى زر النور تريد اشعاله ، ولكن النور لم يرد ان يشتعل
واخذت تتلمس فى الظلام طريقها الى الخزانة ، علها تعثر فى بعض ادراجها على قطعة من الشمع تضيئى بها الغرفة
وبعد فترة من البحث . . عثرت على قطعة الشمع . . فاضاءتها ، ثم وضعتها على متكا السرير الى حيث تنام طفلتها . . وطفقت تجول بعينيها فى اطراف الغرفة . . ثم عادت تنظر الى طفلتها .
انها تنام ملء جفنيها . يد على صدرها ، واليد الاخرى مبسوطة برخو على الوسادة . . تماما كما كان يفعل والدها وهو نائم .
ترى هل نسيها . . والا فأين حبه لها . . اين لهوه ومرحه معها . . هو الذى كان لا يفتا يشيع فى البيت جوا من الغبطة والنعيم . . وهو يركض خلف طفلته . . او يمرح معها بالكرة . . او يقفز فى اثرها .
اين هو ابوك يا فتاتى . . لقد قبلك وملا جيوبك بالحلوى . . وقال انه سوف يأتي . . ورغم انك رفضت عليه حلواه . . ورغم انك بكيت . . لم يزد على ان دفعك عندى وانصرف
وارتعشت ذبالة النور فى عينى " رفيقة " ثم تلاشت مخلفة فى اثرها الظلام ، وصوت العاصفة ، والمطر
انه الهواء ينفذ من فجوات الباب . . ومن خلال زجاج النافذة المحطم هو الذي تسبب فى اطفاء الشمعة
ولم يكن على " رفيقة " بعد ذلك الا ان تعود للاستلقاء الى جانب طفلتها . . ولكنها كانت تحس برغبة تدفعها الى متابعة السهر . . فاعادت اضاءة الشمعة . . ثم اخذت بعض الخرق ، وتحركت تجاه النافذة تريد سدها باحكام ولكن طرقات على الباب خفيفة حذرة . . سمرتها فى مكانها . . فاجابت
- من الطارق ؟ - افتحى . . افتحى انا . . صلاح واندفعت تجاه الباب تفتحه . . وقد ارتسمت على وجهها ملامح التعب والغموض . . ودخل صلاح مبلل الشعر مبلل الثياب . . وبادرته زوجته قائلة .
- اين كنت طول هذين اليومين يا صلاح. - ها اناذا - ولكن لماذا لم تقل لى اين . . واخذت يده المبلله تقوده داخل الغرفة . . وهى تنظر فى عينيه ثم اردفت
- ما بالك هكذا . . انى قلقة جدا من اجلك . . ثم ان وجهك يبدو شاحبا - رفيقة - كونى عاقلة . . انى تغيبت بسبب العمل - بسبب العمل . . ولكنك لم تخبرنى بذلك . . ثم انك كنت تبدو غير طبيعي حين غادرتنا لآخر مره
- على العكس . . لقد كنت فى اتم طبيعيتى - طبيعيتك . . طبيعيتك فيماذا . . فى ترك ابنتك تبكى من غير ان تلتفت اليها . . فى تركى انا واقفة على عتبة الباب دون ان ترانى
واخذ صلاح يطيل النظر فى عينى " رفيقة " . . ثم نجأة حول راسه عنها فى اتجاه ذبالة النور . . وقال فى لوعة الذى افاق فأنكشف واقعه المر
- الم يحضروا للبحث عنى ؟ وتطلعت رفيقة - اليه مذعورة ، ثم قالت : - من هم الذين سيحضرون للبحث عنك ؟ ولما لم يجبها . . اخذت تقترب منه الى ان قاربت نهودها البارزة تلامس جسده المبلل . . واضافت قائلة ووجهها مربد
وتقول انك فى اتم طبيعيتك . . غياب عن المنزل . . عودة فى آخر الليل . . وجه شاحب . . ثياب بللها المطر . . وأخيرا . مهدد بالقبض عليك . . يا الهى تبدلت الى هذا الحد . . انى لا اصدق ان تكون انت
وتقهقرت الى الخلف ، وعيناها على وشك البكاء .
- لا تزعجى نفسك من اجلى يا رفيقة . قال صلاح هذه الكلمات بلهجة الذى فى صدره ألم . . وهو يرقب وجهها . . وذبالة النور . . والطفلة النائمة ثم اردف قائلا
اني لم اعد افيدكما فى شئ . . وربما بعد ساعة او بعد يوم يلقون على القبض . . انهم يتعقبوننى . . بعد ان علموا بمشاركتى فى صنع القذائف اليدوية - ضمن افراد المنظمة التى قبضوا على جل رجالها . انى لست اخشى . على حياتى . . لان الحياة تحت غريب يأكل من زادى ، ويذلنى . . ليس من اللازم ان نحياها . . واريدك ان لا تخشى شيئا انت الاخرى يا رفيقة . . فنحن بطبعنا معدمان ، فقيران ، تعسان . . فلنحاول على الاقل ان نأتى أى فعل . . يثبت اننا اثرنا ضجة فى يوم ما . . خير من ان تفارق هذه الحياة صامتين مثلما قدمناها صامتين
كان صوته متزنا رزينا ، يشبه صوت انسان تعود ان يذنب فى حياته . . وبالرغم من الثورة التى كانت تعج فى نفس " رفيقة " . . فقد استحال عليها ان لا تلاحظ الاضطراب والقلق يغمان وجهه وهو يتحدث .
وخالطها شعور غامض تجاهه . . ودت لو تضمه الى صدرها . . وودت لو تلقي به بعيدا عنها على الارض . . احست بالشفقة عليه . . واحست لو
تصفعة فى وجهه . . وسادت فترة صمت . . ثم انها همت ان ترتمى على صدره تبكى . ولكن الدموع تجمدت في محاجرها . . لقد فاجاءهما صوت سيارات تقف امام الباب . . ورجال يقفزون على الارض . . نعالهم تدق كنعال الجند ، واصوات مختلطة . . ثم دقات قوية كالرعد على وجه الباب
ورفعت رفيقة عينيها الى صلاح .
كان يقف وسط الحجرة . . والماء يتقاطر من شعر رأسه . . ومن وجهه . . ومن اطراف ثيابه . . ويسيل من تحت اقدامه فى ساقيه الى عتبة البيت . . وذبالة النور والطفلة النائمة . . وصوت تساقط المطر . ولا شىء اكثر من ذلك .

