1- ما هي اقرب فنون الادب اليكم (*) القصة ام المقالة ام المسرحية ام فنون الادب مطلقا واذا جاز لكم ان تتفرغوا للادب وحده فماذا يمكن ان تطلع به علينا ؟
- من الصعب التفضيل بين مختلف فنون الادب لان المتعة الأدبيه ضالة الاديب يفوز بها عند مطالعته قصة او ترديد قصيد او تفاعله مع مسرحية . . وكذلك التأمل في قضايا الكون والحوار مع الانسان وسبر اغوار النفس واستكناه منزلة البشر وقدرتهم على الفعل والخلق او عجزهم وقصورهم ، كل ذلك يتيحة الادب الحق وتثيره المطالعة الواعية مهما كان غرض الاثر الادبى واسلوبه ونوعه.
هذا بوصفي من هواة الادب المقبلين على " استهلاك " ما تجود به قريحة الادباء وما تطلع به علينا يوميا دور النشر سواء بتونس او خارجها.
اما بوصفي منتجا فانه " لو امكن لى التفرغ للادب وحده " كما تقولون لانقطعت الى كتابة المقالة الهادفة المناقدة المحللة لمختلف القضايا التى تفرض نفسها على المواطن والانسان فى كل مكان.
وهذا ما حاولته منذ سنين عديدة فى مجلة الفكر وفى غيرها من المجلات والجرائد .
2 ) - في ظننا ان الكاتب الاصيل يجب ان يتميز عن غيره اسلوبا وفكرة. الكاتب الحق بحب ان يكون له اتجاه معين فى الاسلوب والتعبير فاى الاساليب تفضلون ؟
- نعم الأديب الاصيل يتميز عن غيره اسلوبا وفكرة . ولكن من دون تكلف ؛ ومن غير أن يقصد الى ذلك قصدا . المهم هو ان يكون طريفا ، ان لا يقلد غيره
او ينتحل مجهود من سبقه او عاصره . ولن يكون ذلك الا بالصدق : الصدق فى الرؤيا وفي الاستيحاء ، الصدق فى التجربة والصدق فى الاسلوب ؛
كل أديب مدين لا محالة لمن تتلمذ عليهم واخذ عنهم ، ومتأثر الى حد بعيد ممن طالع لهم وتجاوب مع انتاجهم ، ولكن الاديب الاصيل هو من هضم كل ما استهلكه وسلط عليه نورا جديدا وصبغه بشخصيته وعبر عنه بطرافة وذوق لكان له طابعه الخاص وملامحه الذاتية.
هذه هي الاصالة ؛ ان يكون الاديب هو هو ، منفرد الاتجاه ، متميز الاسلوب ؛ صادق السعى والاجتهاد.
وليس معنى هذا ان الاديب مدعو الى الانزواء او مطالب بان " يخالف ليعرف ، ويعلو صيته ، يل الاديب يعيش فى مجتمع يتأثر به ويؤثر فيه ويشارك شعبه في الحياة والمصير ولا يكون صادقا وأصيلا بالانقطاع عن اصله والتنكر لنسبه والتعالى عن امثاله .
كل ما نطلبه من الاديب الاصيل هو الا يكون نسخة مطابقة للاصل ويجتر آثار الغير بل ان يثرى القوم وينمى تراثهم ويعمق تجربتهم ويشع فيهم ليهديهم الى طريق الحق والخير والجمال والى جانب ذلك يكون لسان حالهم وترجمانهم في حوارهم مع الاقوام الاخرى وتفاعلهم مع مختلف التيارات الحضارية وبالاخص فى دنيا الثقافة والادب.
بذلك يكون الاديب قوميا وعالميا فى آن واحد ويسمو الى اعلى المراتب ويقهر حواجز الزمان والمكان.
وليس كالصدق والاصالة طريقا الى الادب الحق وسبيلا الى الاشعاع والخلود ؛
اما اسلوبى الشخصى فهو توخى الوضوح والسهولة حرصا على الافهام والحوار مع الغير والابتعاد عن الغموض والرمزية وهذا الاسلوب أليق في اعتقادى بالادب الوصفي . أما الادب الانشائى . . . فلله فى خلقه شؤون ؛ والحكم للاسلوب او عليه فى هذا المقام يكون بحسب النتيجة التى لا تظهر ولا تتبلور الا مع مرور الزمن.
3- الملاحظ ان الشبان فى هذا العصر وخاصة الناشئة الادبية فى بلادنا والبلاد العربية يتأثرون بالآداب الاجنبية وعلى الأخص بالادبين الفرنسي والانحليزى ، في مجالات القصة والرواية والمسرحية اكثر من تأثرهم بالتراث العربى . فما رأيكم في هذه الظاهرة وهل تعتقدون انها تخدم الحركة الادبية الجديدة ؟
تأثر الشبان هذا العصر في بلادنا والبلاد العربيه بالآداب الاجنبية وعلى الأخص بالادبين الفرنسى والانجليزى فى مجالات القصة والرواية والمسرحية اكثر من تأثرهم بالتراث العربى أمر واقع لا شك فيه .
والسبب الاصلى لهذه الظاهرة هو فقر التراث العربى فى هذه الاعراض خلوه من تقاليد عريقة فيها ومراجع جدية لها .
وليس هذا موضع تحليل الاسباب التى جعلت التراث العربى يكاد يكون خاليا من القصة وخاصة من المسرحية بل المهم هو العمل على تفادى النقص وتدار الضعف وايجاد الاسباب التى تشجع الادباء العرب على ان ينتجوا القصة ، والمسرحية فى مستوى عالمى بحيث تترجم ويعرف بها فى الشرق القصة والمسرحية فى مستوى عالمى بحيث تترجم ويعرف بها فى الشرق والغرب وتعكس مشاغل العالم العربي وشخصية ادباء العربيه.
وليست الترجمة وحتى الاقتباس سوى مرحلة ضرورية يتعين تجاوزها فى قرب الاوقات وان البوادر لتبعث على التفاؤل وتوسم الخير
الا ان معرفة التراث العربى والتضلع في اللغة والاداب العربيه امر ضرورى لا غير عنه إذا رمنا الاصالة وحرصنا على اجتناب التقليد الاعمى والذويان هى الغير.
ومن سوء الحظ فان بعض الادباء الشبان زاهدون فى هذا التراث راغبون عنه ، اما بسبب تعلمهم الاجنبى او المزدوج او لتوخيهم السهوله والجهد الادنى اللذين تساعد عليهما الحياة العصرية والصحافة التجارية والوسائل السمعية البصرية الغازية غزو الفنون والتقنيات الحديثه.
وما سبق لا يصح تعميمه على الادباء العرب وخاصة ادباء المغرب العربى الكبير الذين يستعملون لغة اجنبية وبلغ عدد كبير منهم مستوى مرموقا فى قصصهم ومسرحياتهم على الصعيد القومى وحتى العالمى . . الا ان قضية هؤلاء من نوع آخر ؛
4 )- الادباء العرب في الحاضر فقدوا اصالتهم . . بل لعلنا نقول انهم فقدوا هويتهم . . ذبذبات السياسة العربية جعلتهم في واد غير ذى زرع حتى ان الجماهير العربية فقدت ثقتها فى الانتاج الفكرى العربى المعاصر فكيف يمكن للكاتب العربى ان يجابه مصيره النفسى والاجتماعى والسياسى في زحمة هذه الاحداث ويثبت كيانه الى جانب كيان ادباء العالم الكبار ؟
- نظلم الادباء العرب اذا قلنا انهم جميعهم فقدوا اصالتهم وان ذبذبات السياسة جعلتهم في واد غير ذى زرع ؛
الذي يمكن تأكيده بلا منازع هو ان عددا من الادباء وجمهورا كبيرا من انصاف الادباء خلطوا بين الادب والتهريج السياسى واعتقدوا ان الالتزام اللفظي يغنى عن الجهد وعناء الجهد ويقوم مقام الخلق والالهام .
ظن هؤلاء المتآدبون ان ترديد الشعارات ولو كانت موزونة ومقفاة ادب ؛ وظنوا ان " الثورية " على اللغة السامية والذوق السليم و " التحرر " من الصناعة واصول الجمال الفنى وعمق المعانى . . . نضال أدبى وتقدمية
الا ان القضية تتمثل فى ان يكون انتاجهم وانتاج غيرهم ادبا او لا يكون ، ان يلهموا الجمال ويوحوا بالتفكير ويحركوا الخيال أم يهذوا ويجتروا التعليمات ويستوردوا المذاهب ويستعيروا التجارب وشتان بين الاديب والببغاء ؛ ولم يعدم العالم العربى ولا يعدم اليوم ادباء كبارا اصيلين ولكن اصواتهم خفتت وانتاجهم قل واشعاعهم تضاءل بسبب ضلال " الساسة " - ان صح التعبير - فى بعض البلدان العربية وضعف ثقافة بعض المسؤولين الذين ضغطوا على الفكر الحر واضطهدوا احيانا الكتاب الاحرار الذين لم يجاروهم في سلوكهم الصبيانى واختياراتهم الضالة .
الا ان الادباء العرب الاصيلين الذين آثر اكثرهم الصمت مطالبون اليوم بالنضال الحقيقي بالعمل الايجابى بالانتاج القيم رغم الصعاب ؛ انهم مطالبون بالتمسك بالجوهر والتجاوز عن الاعراض ؛ لان الاديب الحق بمثابة النبى ارشادا وتبليغا ؛ بل أنظر تاريخ العالم وتبين كيف والى اى حد ساهم كبار الادباء في صنع التاريخ وتحقيق التقدم واعلاء كلمة الحق.
5 ) - باعتباركم مدير مجلة " الفكر " ما رأيكم فى الاتجاهات الفكرية للادب العربى المعاصر ؟
- الاتجاهات الفكرية التى يمكن تثبتها فى واقع الادب العربى المعاصر انعكاس في غالب الاحيان للاتجاهات الفكرية الموجودة فى العالم المتقدم وخاصة فى اوربا الغربية .
واذا قل في البلدان العربية عدد المفكرين الاصيلين الذين شيدوا فلسفة للحياة ووضعوا سلم قيم للوجود وكان لهم انتاج طريف وعميق او الذين خلقوا مدرسة وجمعوا حولهم مريدين ومتتلمذين او طلعوا على مجتمعهم باراء ثورية زلزلت العادات العقلية البالية واطاحت ببعض العروش الادبية الهرمة بعد صمودها اجيالا واجيالا وكسرت الاصنام الاجتماعية والاقتصادية ، - كما جاد الدهر يمثل هؤلاء في اوج الحضارة اليونانية القديمة او عصور الاسلام الذهبية او خلال القرون السابع والثامن والتاسع عشر فى اوربا او فى قرننا العشرين اذا قل عدد هؤلاء العمالقة فان الفكر العربي لم يعدم بعض المفكرين الاصيلين
الذين جمعوا بين الجهد الطريف والشجاعة الادبية وكان لهم صدى فى اوطانهم وحتى خارجها أمثال طه حسين وتوفيق الحكيم ومحمود تيمور ومحمود المسعدى وعلى البلهوان وأبو القاسم الشابى وميخاييل نعيمة وخليل جبران . .
على ان الاتجاه الغالب في ادب الشباب من خلال ما ينشر فى الجرائد والمجلات العربية يظهر انه مزيج من الوجودية والماركسية او الحرية والاشتراكية وان الغرض الاصلى يتمثل فى النضال لتحرير الانسان العربى من الماضي الذى يكبله ومن الاستعمار الذى يمتص دمه ويلوث كرامته ولتحرير الارض العربية من الصهيونية التى تتحدى باستمرار كيانه .
وان هذا النضال الادبي كثيرا ما يقتصر على المزايدات اللفظية ويردد الشعارات البراقة ويحركه الحقد ويتخذ لونا سلبيا من دون ان يتعمق ويسبر كافة اوساع القضية الانسانية وهو الى ذلك يعتمد فى تحليله ومنهاجه بالخصوص على ثنائية ممقوتة تصور للاديب الخير والشر واضحين تمام الوضوح فى الانسان والمجتمع ، فليس الا ان يختار المرء بسهولة ، غافللين هكذا عن تعقد النفس البشرية والتواء الواقع وتمرده على التحليل السطحى الاراء القطعية وجاهلين أنه يوجد بين الابيض الناصع والاسود الفاحم ألوان وظلال متداخلة كثيرة !
وهذا معناه ان بعض الادباء الشبان - حتى فى تأثرهم بالتيارات الفكرية التقدمية المستوردة يبسطون الامور الى حد بعيد فيقيمون بذلك الدليل على انها لم يهضموا الغذاء الثقافى العصرى لهلهلة ثقافتهم او انصرافهم عن الجهد المضنى والطويل النفس .
6) - المتتبع لحركتنا الثقافية التونسية يعلم اى خسارة اصابت حركتنا الإدبية منذ ان فقدنا مجلات ضخمة امثال مجلة - المباحث - ويعلم ايضا ان الفراغ الذي خلفه احتجاب المباحث لم تسدده نسبيا الا مجلة - الفكر - بماذا تعلللون ظاهرة فقدان الصحافة الادبية والمجلات الفكرية ؟
- المتتبع لتاريخ الحركة الثقافية التونسية يلاحظ باستغراب وحسرة ان عشرات المجلات ظهرت واحتجبت من دون ان تعمر طويلا . وقد صدمت شخصيا بهذا التهافت الذى منيت به نشرباتنا الادبية والذى تجد له صدى فى ما نشرته سنة 1955 مجلة " ابلا " IBAL التى يصدرها الآباء البيض باللغة الفرنسية فى تونس اذ وضعت ثبتا فى كل هذه المجلات مع اسمائها واسماء اصحابها ومواضيعها وقصر اعمارها . وكنت دائما اتساءل عن سبب هذه الظاهرة التى ليس الاستعمار وحده مسؤولا عنها .
وكان التأمل فى هذا الواقع من الاسباب التى دفعتنى شخصيا الى بعث مجلة الفكر خاصة وقد شاركت في تحرير مجلة الندوة وفي تصحيحها وطبعها
وحاولت جهد المستطاع توفير الاسباب لدوام بروزها وحز فى نفسى ان تحتجب هذه المجلة والبلاد على ابواب الاستقلال .
فكان التحدى محركا لعملى ومشجعا لى فى حالة التعب او الألم وواقيا من المثبطات التى ليست كلها مادية بل يرجع اكثرها الى البشر بأنانيتهم وحسدهم وروحهم الاتكالية وضعف ثقتهم فى انفسهم وفي امكانيات شعبهم . نعم ، كنت عند تأسيسى لمجلة الفكر ولا أزال أتحدى " القدر " الذي اراد ان تحتجب كل المجلات التونسية منذ ثلاثة ارباع قرن فأورث استقراء هذا الواقع فى نفوس الكثير الاعتقاد بان البلاد التونسية عقيم وانه لا يمكن ان تعيش مجلة فى تونس الخضراء كما لا يمكن ان ينبت زرع فى ارض ملح ، وكنت اتحدى كل " الواقعيين " الذين تغلب عليهم النزعة التجارية ولا يؤمنون بالعمل لوجه الله وفي سبيل المبدأ ، كما كنت اتحدى ولا ازال كل عوامل اليأس والفشل فى نفسى واتحدى التعب والمرض واتحدى لا مبالاة بعضهم وازورار البعض الآخر وأتصامم عن الاتهامات والانتقادات المغرضة . . وكنت ولا أزال أسعى لاقيم الدليل على ان كل المشاريع تنجح اذا ما صفت النية وصح العزم وتوفر الايمان والحماس وطول النفس مرددا قوله تعالى : " ما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل " .
وهذه " الفكر " تدخل الآن سنتها الرابعة عشرة اقوى ما تكون بعد ان فرضت نفسها وافتكت ثقة جمهور الادباء وهبت ريح التشجيع والتقدير ع اسرتها والتف حولها عدد من الادباء المؤمنين برسالة الادب والمتشبعين بالثقة فى النفس واحترام الذات ، وذاع صيتها فى العالم العربى واشترك فيها عدد كبير من الجامعات والمؤسسات العلمية فى الشرق والغرب واصبحت اعدادهم المختلفة مراجع ضرورية لطلبة الجامعات فى اللغة والآداب العربية .
واذا رجعنا الى مجلة المباحث فقد يفيد ان نتساءل هل كانت المباحث تحتجب لو عمر طويلا مؤسسها ومديرها الاستاذ البشروش الذى كان يحيا لمجلته وتحيا المجلة به ؟ لا أظن ، ذلك ان وراء المشاريع مهما كان نوعها رجلا يقف على حياتها ولا يتذوق لها طعما الا اذا وفق فى انجاحها وأقولها بصراحة وفى غير تواضع مصطنع : لا الامكانيات المادية ولا التشجيعات المالية ولا اقبال القراء وتجاوبهم . . بكافية وحدها لتحيا مجلة او اى مشروع ثقافى او غير ثقافى ؛ انها شروط ضرورية او هامة ولكنها لا تغنى عن الحماس ولا تعوض الايمان ولا تحمل على ٠٠ التحدى ، تحدى الواقع غير المرضى في سبيل تغييره وقده على قد المثل العليا التى لا يكون للحياة بدونها معنى ، وذلك خدمة للوطن وتفانيا فى سبيل الخير والغير
7 ) - لا بد انكم تتابعون الحركة الشعرية الجديدة في عالمنا العربى وما عكسته من سمات وملامح على حركة الشعر المعاصر في تونس والتي يؤمن اصحابها بمفهوم ومصطلح جديد للشعر فما رأيكم في هذه الحركة ؟
التحديد في الشعر مظهر من مظاهر الحياة وتاريخ الشعر العربي منذ عهد الحاهلية إلى اليوم عرف محاولات تجديدية كثيرة بعضها ترك اثرا عميقا ومنعشا وبعضها مر مرور السحاب من دون ان يكون غيثا .
الذي ارجوه هو الا يخلط الناس بين التجديد والسطحيه والا يحصروا القضية فى التمييز بين القديم والجديد
الاهم في نظري هو ان يكون الشعر شعرا اى ان يطرب القارىء بنغمه ويهزه بموسيقاه ويوحى اليه بسمو معانيه وفسحة خياله ويغذى شعوره ويحرك تأملاته .
والشعر الشعر يبلغ هذا المستوى سواء كان " قديما " او " جديدا " موزونا ومقفى او حرا .
8 ) - ثمة ازدواج لغوى حاد فى لغتنا الادبية ، وطرائق شتى فى التعبير فهناك من ينادى بان تبقى الفصحى لغة الادب سردا وحوارا ، وهناك من يرى ان تكون العامية لغته سردا وحوارا فقط وهناك من يحاول تطويع العامية ورفعها الى مستوى الفصحى فى الحوار الادبى . فهل نستمع الى رأيكم فى هذا الموضوع ؟
لا جدال فى ان اللغة العربية هي لغة الادب ويجب ان تبقى كذلك . ذلك ان اللغة العامية الى جانب كونها اقليمية بل وجهوية ومحلية لا يمكن لها السمو للتعبير عن المجرداتظ ومسايرة رياضة الفكر .
الا ان العربية تتطور ويجب ان تتطور مثل كافة الكائنات الحيه ، وبذلك تتفاعل مع روح العصر وتكتسب المرونة وتدخلها التراكيب والمفردات التى تحتمها الحياة المعاصرة ويفرضها تقدم الفنون والعلوم فى كل المجالات
كذلك كان الامر في العصر العباسى حيث تفاعلت الحضارة العربية الاسلامية مع حضارات الفرس والروم والهند ونقلت آلاف المجلدات فى العلوم الجديدة فما كان للعربية الا ان اوجدت لنفسها المرونة والطواعية واستطاعت ان تستوعب الجديد والمستحدث وظلت قرونا طوالا لغة الثقافة الحية والعلم الحديث .
وكان ذلك ممكنا لان الناطقين بلغة الضاد كانوا منتجين على قدر كبير من الحيوية والابداع .
وما تجمد اللغة العربية اليوم الا مظهر من مظاهر تخلف ابنائها بل نتيجة لتأخرهم الذهنى وكلما ارتقوا فى سلم الحضارة واقتربوا من مستوى الام
المتقدمة راضوا لغتهم وذللوها لتعبر عن افكارهم بعد ان كانت مقيدة لتفكيرهم وزال بذلك مشكل العربية والعامية الذى يتخذ اليوم شكلا حادا فى هذه الفترة الانتقالية من حياة الشعوب العربية ، والى جانب ذلك فانى لا أرى مانعا من استعمال اللغة العامية في حوار بعض القصص او المسرحيات اذا اقتضى ذلك الاخلاص الى مستوى اشخاص الرواية الاجتماعى والثقافي اذ القصة والمسرحية يجب ان تعكسا الواقع وتجتنبا التكلف والتزمت ويؤيد هذه النظرة ما نطالعة فى الادب العالمى من قصص ومسرحيات ممتازة يستنكف مؤلفوها من جعل رجل الشعب البسيط مثلا يتكلم بلغة المثقف او رجل القانون ؛ هذا فيما يخص الحوار اما السرد فلا ، لان اللغة العربية من مقومات الامة التونسية اذا تلاشت وضاعت اصولها وقل او صعب استعمالها فقد تلاشى جانب من شخصيتنا وضاع الامل فى ان نتمكن من الحوار الحضارى مع العالم فى لغتنا وبروح من عبقريتنا .
وهذا لن يكون لان دعوة بعض المنادين باستعمال اللغة العامية مثل سعيد عقل فى لبنان لم تلاق صدى كما تلاشت ايام الاستعمار جهود بعض المستشرقين الذين وقفوا حياتهم لدراسة اللهجات العامية امثال " ويليام مارسى " .
وهذا لا يعنى أنه يجب اهمال الادب الشعبى وخاصة الشعر الملحون الذي لا يخلو من الاصالة ولا من الابداع بل يتعين الاعتناء به بوصفه تراثا شعبيا خاصة وان شعراء الملحون لم يثقل كاهلهم شعر عصور الانحطاط وما يزخر به من قوالب جوفاء وتشابيه مبتذلة وأساليب ركيكة فهم لم يقلدوا فى غالب الاحيان - كما يقلد بعض شعراء الفصحى - عمالقة الشعر فكان شعرهم عفويا رقيقا متجاوبا مع الشعب ومحركا لمشاعره وعواطفه
9 ) - هناك كثير من الادباء المتحررين يتخذون من الجنس موضوعا لادبهم . . وقد يكون هذا الاختبار هو الطابع العام لانتاجهم او صورة مميزة لبعض الانتاج ؟
وهذه القضية تثير موضوع - الادب والاخلاق - فما رأيكم في نتائج هذه المحاولات بالنسبة للأدب العالمى عامة ، وبالنسبة لادبنا العربي خاصة .
- القضية بالنسبة للادب العربى والعالمى على السواء ليست قضية اخلاق بقدر ما هى قضية ادب قبل كل شئ .
ان الذى يهمنا عند دراسة خمريات " ابى نواس " و كفريات " و " ابي العلاء " و " زهديات " ابى العتاهية " و " غزليات" "عمر بن ابي ربيعة " . . انما هو ادبهم قبل كل شئ ، وتوفيقهم الى
الابداع فى تصوير النفس البشرية التائقة الى المطلق والعقل الانسانى الباحث عن الحقيقة وتصويرهم لمأساة البشر فى مدهم وجزرهم بين الارض والسماء ، بين الفجور والتقوى ، بين العجز والفعل ؛
والذى يملك الملكة الادبية ويتذوق الادب لا يعدم فى الغالب القوة على التميز بين المتعة الادبية المجردة التى يلتمسها عند مطالعته للاثر الادبي والانتاج الفني وبين موضوع الاثر الادبى الذى يعكس تجربة المؤلف الخاصة .
واذا كان انتاج هذا المؤلف يتيح المتعة الادبية فليس معنى ذلك بالضرورة ان حياته يجب ان تكون قدوة ومرجعا بل ربما انطوت على مآس ومحن اذا عرف المدرس والاديب كيف يتناولها فقد يشمئز منها ويتخذها عبرة فى الوقت الذى يتذوق فيه انتاجه من الناحية الجمالية ، هذا من جهة ، ومن جهة اخرى فانه ليس من الطبيعى ان يتخذ بعض الادباء الشبان - وغير الشبان ؛ من الجنس موضوعا وحيدا لادبهم كأن الحياة تنحصر فى الجنس و كأن الانسان ليس الا غرائز وشهوات فقط ؛
والاديب اذا هو لم يتفاعل مع كل مظاهر الحياة والوجود ظلم الواقع ودل على نقص فى تجربته او مرض فى نفسه
10 ) - نذكر انكم فى احدى الندوات الثقافية حددتم رسالة المثقف فى البلاد النامية واشرتم الى كتاب قوة الأشياء - لسيمون دى بوفوار هذه المرأة ذات الادب الطلائعى فما هى قوة الأشياء التى يجب ان تتدفق فى عطاء الكاتب وهو يقوم برسالته فى بلد متخلف ؟
- نعم اذكر انى اثرت فى ندوة ادبية انعقدت بنادى أبى القاسم الشابى قضية تحمل المثقف لمسؤولية مضبوطة فى مجتمعه وهل يحق له ذلك باعتباره مطالبا بنقد المجتمع مسؤولا عن القيام بدور " الضمير " بالنسبة لمعاصرية ؛
وبعبارة اخرى فان المثقف إذا تحمل مسؤولية سياسية فقد يضطر - شعر بذلك ام لم يشعر - الى الحد من حدة روح النقد والتمرد التى هى من خصائص المثقفين ويتنازل عن وظيفته الاصلية فى سبيل عمل عادى ؛
وقد رفضت هذه النظرية واستشهدت بالكاتبة الفرنسية سيمون دى بوفوار التى تنادى بحرية المثقف وتحجر عليه العمل مع "السلطة " و " النفوذ " حتى يبقى " حرا " ( ؟) الا انها تستثنى المثقفين فى العالم الثالث نظرا لقلة الاطارات فى هذه البلدان ؛
واني ارى شخصيا ان المثقف الملتزم والكاتب الحق مطالب بالعمل الايجابى
وانه يستطيع ان يقوم برسالته فى امانة وبنجاعة سواء كان فى الحكم او خارجه .
ولا أرى فرقا فيما يخصنى بين المثقف الذي يناضل من اجل الاستقلال وفى سبيل كرامة امته او كرامة الانسان حيثما كان وبين المثقف الذى يعمل مع شعبه فى سبيل القضاء على اسباب التخلف وخلق امة والمساهمة فى ايجاد اسباب الكرامة الحق للاجيال الصاعدة ؛
والحرية الحقيقية التى لا يمكن فصلها عن الفعل والعمل الايجابى كى لا تكون مجرد شعار . . يمكن للمثقف الاصيل ان يدافع عنها سواء كان فى الحكم او خارجه لان الحكم ليس الا وسيلة لتحقيق غاية جليلة تتجاوز الحكم نفسه وهو تمكين الانسان من مزيد الانسانية ؛
11 ) - يقولون ان الادب إذا دخل السياسة اصلحها وان السياسة اذا دخلت الادب افسدته فما هو موقفكم من هذا القول المأثور ؟
المقصود بالادب هنا الادب الكبير - كما يقول ابن المقفع - هذا الادب الذي لا يفصل بين العلم والعمل ولا يعنى الهروب من الواقع او الاغراق فى الخيال العقيم او الامعان فى تصوير الحالات النفسية المرضية .
الادب الحق اذا دخل السياسة اصلحها لانه ينطلق من سلم قيم مضبوط ويرمى الى خدمة الانسان ونصرة قضاياه العادلة ويعتمد المبادىء السامية ويتمسك بالجوهر دون الاعراض .
وليس صحيحا القول بان السياسية اذا دخلت الادب افسدته الا اذا عنى بالسياسة تهريج بعض الغوغائيين وتهافتهم على الحكم لاشباع الانانية وارضاء الاطماع الشخصية . انما السياسة - كما نفهمها - نشاط متواصل وعمل دائب وتضحية قصوى فى سبيل الغير واصلاح الانسان والمجتمع وتصور العمل الكفيل بتحقيق الغايات النبيلة والانتقال بالفكرة من طور القوة الى طور الفعل . والحقيقة ان كل سياسى اصيل اديب مفكر كما أن كل اديب سياسى محنك ، اى شاعر بطبيعة العلاقات التى تربطه بالجماعة التى اليها ينتسب وبتضامنه معها فى المصير.
12 ) - الفكر العربى المعاصر لم يستطع ان يبلغ قضية فلسطين فى انتاج فكرى ضخم يفرض وجوده ويحول الراي العالمي فى سبيلها ولكن المفكرين التونسيين هم اقل المفكرين العرب تعبيرا عن مأساة فلسطين . ماذا ترون ؟
- لا اوافق على هذا التحليل الا اذا اقحمنا في الانتاج الفكرى هذا العدد الكبير من الكتب والمقالات والقصائد التى لا تعدو ان تكون بكاء وعويلا او
تهديدا عنتريا اقامت الاحداث الدليل - خصوصا بعد حرب جوان 1967 - على انها أضرت بالقضية الفلسطينية اكثر مما نفعت سواء بالنسبة للرأى العام العربى الذى عاش فى دوامة ذهبت بلبه وامتزجت فيها عوامل الجهل والغرور والخيلاء من دون ادراك لمعطيات القضية وبالخصوص لطبيعة القوى المتقابلة او بالنسبة للرأى العام العالمى الذي ظهر العرب امامه في مظهر المعتدى المتعصب الذي يروم محق اليهود على نحو ما اراد هتلر
بل الذى يمكن ان نقوله هو ان الادباء التونسيين اقل مسؤولية من زملائهم العرب فى تخدير شعوبهم وتاليب الظلم عليهم .
والذى يجب ان نؤكده اليوم هو ان المفكرين والادباء فى تونس مطالبون مثل زملائهم فى العالم العربى والاسلامى بالنضال الحقيقى من اجل فلسطين السليبة والتشهير بالاستعمار الصهيونى وبما اتاه ويأتيه يوميا من اعمال المحق والتعذيب والتشريد وما يقترفه بالتابع من آثام فى الذات الانسانية .
والادباء العرب فوق كل ذلك وبعد كل ذلك مدعوون الى الابداع والخلق والاشعاع كى تفرض اراؤهم وكتاباتهم نفسها فى كافة ارجاء العالم وحتى يتذوقها الناس ويحبوها فيحبوا الاوطان التى انجبتهم ويتعلموا كيف يقدرون الاوطان التى انبتت أمثال هؤلاء العباقرة حق قدرها .
وهذا يقتضى جهدا ووقتا ويقتضى نظرا فى المناهج التربوية والنظم السياسية والاحوال الاقتصادية للبلاد العربية ولكنه غير مستحيل ويستحق من كل ذى علم وعزم ان يقف حياته من اجله.
13 ) - كثيرا ما اشرتم الى ضرورة العناية بالادب التونسى قديمة وحديثه بل لعل " الفكر " كثيرا ما تتهمها "الفئات المتمشرقة والمتغربة" بانها تميل مطلقا الى تشجيع الادب التونسى القومى على ان النخبة الادبية فى تونس لم تجد اليوم اتحادا يجمع شتاتها ولم تقع الدعوة الى عقد مؤتمر او شبه ملتقى يضم رجال الثقافة التونسية ليحددوا موقفهم من كل قضايا الفكر المعاصر فما هى ملاحظاتكم حول هذا الموضوع وهل لكم نداء تتوجهون به لرجال الفكر فى تونس ترفعه - القنال - بكل صدق واخلاص ؟
- نعم ، كنت ولا ازال ادعو الى ضرورة العناية بالادب التونسى قديمه وحديثه بوصفه جزءا من تراثنا العربى وكنت ولا ازال اعتقد ان هذا الادب موجود وانه ثرى واصيل لا ينقصه الا مزيد العناية ولا يحجبه الا قلة الثقة ومركب النقص وفرط التواضع التى ساهم الاستعمار الثقافى في غرسها فى الاجيال المتعاقبة .
واعتقد ولا ازال ان الادب التونسى ينتظره مستقبل زاهر بشرط ان تعود
التقه فى ادبائنا وان يشعروا باعتزاز مواطنيهم بهم ويفوزوا - وهم احياء بتقديرهم اياهم وتشجيعهم لهم .
وان البوادر تشير منذ الاستقلال وخاصة فى السنوات القليلة الاخيرة الى اننا فى الطريق الموصل وان العراقيل النفسانية الى زوال
واعتقد ان ما صح عليه العزم أخيرا من تحوير البرامج فى التعليم الابتدائى والثانوى والزيادة فى نسبة النصوص التونسية والتأكيد على تاريخ البلاد وما تقرر بالخصوص من إتمام " تونسة " الجامعة اعتقد ان كل ذلك سيساعد على خلق جيل جديد من الادباء يعتزون بانفسهم ، يستهلكون لا محالة ولكنهم ينتجون كذلك ويتفاعلون مع غيرهم فى حوار ايجابى يكون الاخذ فيه على قدر العطاء .
وبفضل ذلك وعندئذ فقط تساهم تونس بادبها وفكرها فى انماء التراث العربى الذى هو قدر مشترك لكافة الشعوب العربية ويكون الفكر التونسى كالرافد ينصب باستمرار فى نهر الادب العربى الكبير .
واذا حق لنا _بل وجب علينا _ ان نعتز باعلام الادب ورواد الفكر العربى المعاصر فى بعض البلاد العربية فان ادنى معانى الوفاء واوكد واجبات الاخلاص تقتضى منا ان نسعى الى الانتاج والى الابداع فى الانتاج حتى يعتز بنا اخواننا العرب ويحترمونا بعد أن يعرفونا على حقيقتنا ، فلا نكون عالة عليهم بل ننافسهم ونتبارى معهم ، إعلاء لشأن الحرف العربي وسموا بالفكر الى اعلى المراتب .
هذا ما لم تزل تعمل مجلة الفكر من اجله بكل تواضع وعلى قدر امكانياتها ويشرفها ان اصبحت محل تقدير عدد كبير من رجال الفكر والادب فى كافة البلدان العربية الذين اصبحوا يقدرون تونس من خلال محاولات ابنائها الادباء واصبحوا يجدون فى مجلدات الفكر مرجعا امينا للاتجاهات الادبية وللحركة الفكرية فى تونس .
اما فى خصوص بعث اتحاد يجمع شمل النخبة الادبية التونسية فان لجنة الدراسات الاشتراكية التابعة للحزب الاشتراكى الدستورى واللجان الثقافية وبعض النوادى مثل نادى أبى القاسم الشابى او اتحاد المؤلفين حققت هذا الغرض وهى اطار يمكن ان يجتمع فيه الادباء الجديون الذين يؤمنون بالعمل الجماعى وبعلاج المشاكل الحقيقية التى تفرض نفسها فى النصف الثانى من القرن العشرين .
وانى وان كنت لا أرى مانعا فى بعث اتحاد للادباء على غرار ما تم او فرض
فى بعض البلدان الشقيقة فانى اعتقد ان مثل هذا النادى غير ضرورى وانه اذا وجد غير ضامن وحده للعمل الايجابى المنسق .
ومن جهة اخرى فانه يمكن للادباء ان يعملوا ضمن " أسر" مثل أسرة الفكر أو قصص أو صفحة " أدب وثقافة " لجريدة العمل أو الصفحة الثقافية لجريدة العمل أو الصفحة الثقافية لجريدة الصباح أو فى جريدة الشعب أو "الشباب " أو " مرآة الساحل " أو ٠٠ القنال أو أن ينشئوا مجلات جديدة اذ يستحسن ان تكثر " العائلات " الادبية وان تتنافس تنافسا بريئا خالصا من اجل خدمة الادب التونسى والمساهمة بذلك فى تنمية الادب العربى والبلوغ به الى المستوى العالمى .
وفى الختام فان كلمتى الى اخوانى الادباء - وخاصة الشبان منهم وهم عمدة المستقبل - هى ان يكونوا مخلصين لانفسهم ولقلمهم ولرسالتهم السامية ولا يكون ذلك الا بمطالبة النفس قبل مطالبة الغير .

