الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "الفكر"

ليلة شعراء العالم فى ( ستروقا )

Share

اذا كانت كل قصيدة هي محاولة للخروج من النطاق المادى ، والوصول بالانسان الى استكشاف العوالم النقية داخل الذات او خارجها . فان الشعر سيبقى دائما رغم تألب العالم المادى عليه الواحة الظليلة التي يجد فيها الانسان نفسه والمدائن التي يرى فيها ابعاد انسانيته فى أجلى مظاهرها وابدع صورها.

أحسست بهذا وأنا فى مهرجان الشعر الذي انعقد بمدينة « استروفا الجميلة بجنوب يوغسلافيا ورأيت اشياء دعمت ايماني بأن الشعر سيبقى حيا ما دام الانسان يصارع أقداره في البحر ، ويقف أمام اكبر الصعوبات في الجبال ، ويفلح الارض المعطاء ويزرعها فتحدب عليه ويحدب عليها . ويحب ويضحك ويبكى ان الشعر هو الانسان فكيف يمكن أن يتخلى الانسان عن نفسيته . ويتغافل عن أهم الجوانب في داخل أعماقه

كانوا مجموعة من الشعراء قدموا من جميع أنحاء العالم من امريكا وانجلترا وفرنسا وكوبا وفلندا ومنغوليا . صور حقيقية للانسان الذي كسر الحواجز وحطم الحدود وعانق انسانيته في اجمل مظهر واكبر محفل عالمى وكانت كل الوجوه كانها على معرفة قديمة ببعضها تعانق البسمة البسمة وتصافح اليد اليد، ويتلاقى الكل على صعيد الحرف الصادق الذى لا يزيف ولا يكذب ورغم أن اللغة تقف حاجزا أمام الافهام فى بعض الاحيان الا ان التوق الداخلي والشعور بالوحدة الانسانة كان يقرب الناس بعضهم من بعض .

وكانت لقاءات على جسور البحيرات وفى الادغال الغابية وفي أروقة الكنائس شهدت بما لجماهير مقدونيا من تعلق بالشعر ومن تواجد بلغ حد اللهفة بالشعراء

مقدونيا :

مقدونيا جمهورية من جمهوريات يوغسلافيا تمتد في الجنوب الغربي منها وتمتاز طبيعتها بالجمال والروعة اذ تنساب في جبالها وأوديتها أنهار عديدة وتكسو معظم جبالها الغابات الغنية فى حين تتميز السهول بالخصوبة الوافرة

وبهذه المنطقة على سفوح جبال ( استروفا ) تقع بحيرة « اهريد » التي تبلغ مساحتها 348 كم 2 وتشق مياهها على عمق 40 م .

وسكان هذه المنطقة من المسيحيين الارثو ردوكس والمسلمين الذين يتشبثون بدينهم كاروع ما يكون المسلم . لذلك لا يحس السائح في هذه البلاد بالغربة اذ هناك يجد وجوها أليقة عليها من المسحة الشرقية الشيء الكثير . وكذلك القباب والمساجد والدور

كلها أشياء تبعث في النفس التعاطف مع وجوه الناس الذين تغمرهم فرحة الحياة ويهزهم الاندفاع الى خوض غمارها فى عزة وقوة وتتفتح لاسمى مبادىء الاخوة الانسانية . وكأنهم طردوا الخوف من بلادهم وقتلوا الحقد على مذابح انتصاراتهم العظيمة ، التي هي في الواقع نتصارات لانسان الحديث في كل مدينة تحلم وتتطلع الى مستقبلها

وفي جميع انحاء « مقدونيا » تتناثر الاثار الثقافية التي تصل بتاريخها الى عمق الزمان . والى القرون القديمة والقرون الوسطى وتربط طرق السيارات المعبدة العصرية والتي يزيد طولها عن 1600 كم وبين جميع مدنها وعدد كبير من قراها. وتعتبر المنطقة التي بين ( ستروفا ) و و « يتولا » أجمل المناطق السياحية في أروبا .

الأدب المقدوني

يعتبر الأدب المقدوني من الآداب الحديثة فقد نشأ في القرن الماضي ومن أشهر ممثليه رواك 000. ميلاد نيوف، ويعتبر قسطنطين ميلانيوف (1862_1830)

أول باعث لملامح هذا الادب الذى يقرب في تطلعاته ورؤياه من الادب الاشتراكي الحديث فقد أعاد هذا الشاعر الكتابة بالمقدونية مستقطبا جذور اللغة الام لبلدته ستروقا » ولذلك يعتبر أحد المؤسسين للادب المقدوني

ولد قسطنطین ميلادنوف ببلدة « ستروفا » ودرس في أثينا وموسكو . وفى سنة 1861 اصدر في مدينة « زغرب » ديوان القصائد الشعبية المقدونية

وتعتبر قصيدته « حزن من الجنوب » من منتخبات الشعر المقدوني . لانها تمثل من حيث المبنى خطوة هامة فى الشعر الذى بلغ أعلى مستوى التعبير الفني في اللغة المقدونية وموضوعها :

شاب مسلول يعيش غريبا عن وطنه في بلد جهم تعصف به الثلوج . ويعذب البرد أهله . وفى حمى الاحساس الملتاع والوحدة القاسية والفقر الشديد تظهر في رأس الشاعر فكرة الرجوع من بلاد الشمال الباردة الى ارض الجنوب المشمسة حيث تنام « ستروقا » فى احضان بحيرة « اوهريد ، وتظل هذه الفكرة مسيطرة عليه بقوة واعدة اياه بالتعويض قبل موته :

ليت لى جناحي نسر حتى اطير الى بلادنا

واذهب الى أراضينا ارى » استنبول » واری «کوکوش

وأرى هل هناك ايضا تطلع الشمس معتمة كهنا

اذا لاقتنى الشمس مظلمة سأرحل في سفر بعيد

حيث تطلع الشمس صافية وتزرع السماء نجوما

هنا الظلام ، ظلام يطوقني

ضباب كثيف يغطى الارض ، جليد وثلوج وغبار

رياح عاتية وعواصف ، ضباب واراض مجمدة تحيط بي

برد في الصدر وأفكار سوداء . لا استطيع البقاء هنا

لا أقوى على النظر الى هذا الجليد

أعطوني أجنحة لاذهب الى بلادى لاطير الى اراضينا وأرى « اهريد » وأرى

استروفا »

هناك يبعث طلوع الفجر في الروح دفئا و تغیب شمس صافية على الغابة هناك تنشر قوى الطبيعة هباتها بسخاء فترى البحيرة الهادئة تبيض وبفعل الرياح تراها تميل الى الزرقة

وسواء نظرت الى السهل او الجبل فالجمال الالاهى يعم كل الارجاء هناك أريد من كل قلبي لو أخذ الناى وأغنى .

ولتغرب الشمس ولأمت أنا !!

وكأن هذه القصيدة تعكس ظلالا لحياة الشاعر - ميلادينوف ، الذي عاش حياة طالبية بائسة مهاجرا ضائعا خائفا في بلاد الغربة مريضا مظلوما وكانت نهاية مأساته ما عاناه من مجن في سجن القسطنطينية . هذا السجن الذي أسلمه الى الموت فى ظروف غامضة محاطة بالضباب

وفي بداية هذا القرن بدأ حزن قسطنطين - الشاب بغنائية غامرة وشعبية بسيطة - يصل الى كل لغات العالم . كأجل صوت لامسيات « ستروفـا الشعرية ، التي تحتضن كل شعراء العالم

وهذه القصيدة تثير مشكلة الرجوع الى الوطن الام وهي في أيامنا هذه قد تجددت . وهو رجوع بالفكر والحنين والمخيلة . وكثيرا ما يبقى حلما . وحزن میلاد نوف » يربطه بآلاف المصائر المماثلة له فى الحياة والشجن في قصيدته سيبقى دليلا متجددا على ان جمال الشعر الحقيقى خالد ومستمر ومفعوله غير محدود لا بزمان ولا بمكان.

لكل هذا خلد صاحبها .. ميلادينوف وأصبحت بلاده « ستروفا» مزارا يؤمه جميع شعراء العالم .

ليلة شعراء العالم :

كانت حفلة الافتتاح في مكان مرتفع جدا يشرف على نهر قد انسابت فوقه المركب الشراعية يجدف بها اطفال كلهم دون العاشرة . وقد سلطت من أعلى المنصة أضواء على النهر فالتحم الضوء بالماء ، وانعكست مرايا النهر على وجوه الناس الذين بلغ عدهم في تلك الليلة ثلاثين ألف مستمع ومتفرج وفي المنصة التى وشحتها أعلام الدول المشاركة، وغمرها الضوء حتى النشوة جلس جماعة من الشعراء يزيد عددهم على المائتين من كل بلاد العالم . اختلفت وجوههم

ولكن قلوبهم التقت كلها على أجل وأجمل ما يلتقى عليه الناس الصدق والحب والتقارب الانساني

وبعد كلمات الافتتاح الرسمية . القى ممثلون وممثلات اشعارا باللغة المقدونية كان تجاوب الناس معها ، مبهتا ، فكأننا في بلاد كل الناس بها من الشعراء . والفنانين . وقد لا نكاد نصدق اذا عرفنا أن مدينة واحدة هي مدينة شتیب» بها ثلاثون شاعرا على حسب ما حدثنا أحد المسؤولين بها منهم ثمانى شاعرات .

وبعدما اكمل الممثلون قصائدهم توالى شعراء العالم على المنصة كل يقرأ بلغته القومية ثم تترجم قصيدته للغة المقدونية وتقرأ بعده . يقدمها ممثل او ممثلة فى اطار فني جذاب يضفى على الشعر رواء وجمالا ، وقد يطول التناوب على منصة ويلفح البرد الليلى الحاضرين وتحمل نسمات الليل برد الجبال القريبة رغم اننا في فصل الصيف ولكن كل ذلك لا ما دام هناك شعر يدغدغ احساس الناس ويبعث الدفء فى قلوبهم وفى نهاية ليلة شعراء العالم قدمت جائزة المهرجان وهى عبارة عن سنبلة ذهبية تزن اكثر من ثلاث كلغ من الذهب الخالص الى الشاعر الفرنسي ( أوجان ثيفلك ) وهو الذى سنتحدث عنه في ليلة الكنيسة الاثرية وهى الليلة التي خصصت للاحتفاء بـه خـاصة ولالقاء قصائد من شعره باللغة الفرنسية

ومن بعده قدمت جائزة المهرجان التقديرية الى الشاعر اليوغسلافي (اکو سوبوف)  (العصفور الذى استحال الى نجمة)

دخل (سوبوف ) عالم الشعر فى الوقت الذى دخل فيه عالم الثورة فتجدد مفهوم الشعر عنده بمفهوم مصير الانسان . ومن واقعه الحياتي طبع شعره بطابع انسانی فريد فيه الحماسة وفيه العمق وفيه اشتعال جذوة الاحساس الحاد بما يحيط به وبذلك جاء شعره مؤكدا أن الشعر هو رد فعل عنيد ناتج عن تحرر انسانی قوی و کامل

وهذه العلاقة الكبيرة بين الشعر والثورة عند « سوبوف ، نجد تعبيرا عنها في قول « كولزا » « کل انسان حسب قوانينه الحياتية الاكثر عمقا مجبور أن يجعل من حياته قصيدة »

ومما اكدته تجربة « اكو سوبوف » الشعرية خلال ثلاثة عقود ونصف أن الشعر والوجود وحدة لا تتجزأ ، وهو ما جعله يتجه نحو المأساة الانسانية ويبحث عن جذور في زوايا الانسان العميقة . مكتشفا لقاءنا بأنفسنا وبكل حقائق الحياة المأسوية. وحقائق هذا العالم الذى خرج من حرب انسانية مدمرة وهو يتوجس حدوث تصادم آخر غامض .

وفى هذه الفترة أحس « سوبوف » أن الشعر ضرورة . وهو برهان على أن عالمنا هذا يمثل تكوينا روحيا وأخلاقيا جديدا للانسان والحياة . ومن هنا جاء شعره متلاحم الاجزاء من ناحية المبنى والناحية الجمالية والفلسفية

واذا كان لكل شاعر خارق وغير عادى كتاب أو قصيدة أو بيت تحدد مفهوم تجربته الشعرية وعلى أساسها يتكون عمله الشعرى الخاص . فان هذا الكتاب في شعر « سويوف » هو « مفهوم الوجود ، الذي يملا شعره بحرارة خافتة وحزن سلافي وصبغة سوداوية تعوده بين الحين والآخر

ولنتأمل في احدى قصائده « الانسان عظيم والمحيط صغير » ، هل يعني هذا تأليه الانسان التقليدى الرومانطيقى ؟ لا ان الانسان بالنسبة لسوبوف عظيم وعظمته لا تقدر فهو أعظم من المحيط . ولذلك تراه يشبهه بهوة بعيدة العمق ليس لها نهاية ولا نستطيع ادراكها .

(أيها الانسان ، يا عصفورا استحال الى نجمة مسامحة من يظن انه فهمك لا يعرف ما هى الهوة )

فالانسان هو هذا اللغز الخالد ، هو سفاك الدماء والمأسوي ، هو الذي يفهم كل شيء ويهتم بكل شيء ويعطى لكل شيء معناه . لان الانسان ليس فقط اكبر المصلحين في التاريخ لكنه ايضا اكبر المخربين وبما انه يعتقد في القوة البناءة في الانسان فهو دائما يعيد في قصائده هذا المعنى « يجب أن نكون أطيب » والخاصية الكبرى في نظرة « سوبوف» للانسان . هو أن كل ما لمسه وما طبعه بأثره لا يضيع فى العدم والانسان يبقى ما دام عمله باقيا

خذيني ايتها الارض أو اتركيني

دحرجينى إلى أسفل من هذه القمة

أعطينى قوى انسانية من جديد

آه یا ارض ارجعينى الى الارض

انا انسان وساتكلم كانسان

وبذلك ينحصر الانسان في رموز محدودة أو آثار تبقى بعده يؤكد نفسه من خلالها وتشع بعدما يترك الصراع مع الحياة :

يا جذع شجرة منعزل فوق الربوة

يا ألما في الارض الهادئة

من أعطاك عينى اللتين تنضجان في نعاس أوراقك

يا نظرة خضراء لشجرة خضراء

من حكم علينا بالسهر

يا جذع شجرة منعزل فوق ربوة

يا ألما في الارض الهادئة

من أين جاءتني أعماقك

كيف صرت أنت في دمي

من الذى محا بيده كل الابعاد وكل الاشياء المجاورة

ومن خلال قصيدة أخرى بعنوان « قارى الرماد » - « أكوسويوف » نلمس مدى المعاناة الحقيقية وسياحة الشاعر فى عوالم الازل وراء البحث عن حقائق جهلها الناس . وعونه على الوصول الى كل ذلك ما اكتنزه من اسرار الكلمات الخفية التي تشع بالضوء النافذ وراء الاشياء الغامضة :

یا قارئ الرماد هل تعرفت فيه عن المأساة الاولى الآتية من أعماق الاصل

المظلم

أيتها الاغنية ، لقد اخرجتك من منقار عصفور يعيش فى دمى ، من سماء

عروقي الملتهبة الحمراء

من سوارى عالمين لا يتصالحان

من اشراقات الشمس التي لا تتغير

أخرجت من غضب الايقونات هذه الصور الغامضة من خيوط شبكة المحارب

المصنوعة من الصخر

ان قصائد سوبوف هي خيوط واقع معاصر عاشه الشاعر الذي ما زال في العقد الخامس من عمره فى أوج عطائه ، وخصوبة ايام حياته ، ونحن رغم البعد المناخي ، والظروف الحضارية ، التي تفصل بيننا قد وجدنا عنده رصيدا من الاشياء العظيمة التى يحلم بتحقيقها كل شاعر ويجد فيها كل قارى مهما بعد المناخ الملائم لطموحاته وأحلامه كانسان يبحث عن طمأنينته وراء الكلمة الصادقة الطيبة التى تعمل فى النفس ما يرتفع بها الى الاسمى

ليلة الكنيسة الاثرية :

كانت اقدم كنيسة فى ( استروفا ) المقدونية تشهد معالمها بما مر عليها من تغييرات حمل كل واحد منها تاريخ حقبة بأكملها . ولعل أقربها هو ما أحدثه الاتراك فيها من طمس لزخارفها الكنسية التي ابدع في تزينها الروم الشرقيون وتحويلها الى مسجد لطائفة المسلمين بمقدونيا ، لقد دار الزمان دورته التقليدية وعادت الكنيسة الى ما كانت عليه ، ولكن شيئا واحدا بقى ماثلا لم يتحرك انه المحراب الذى نصبه الاتراك في بهو الكنيسة الكبير قطعة من الصخر قد نحتت على شكل متساو بديع يوحى للمسلم بالرهبة والخشوع. ويشعر عند رؤيته بعظمة التاريخ وهيبته . كان المسؤول يشرح لنا الفترة التي مرت بمقدونيا وكنيستها أيام الاستعمار التركي ، وكيف بقى العمال طيلة اثنى عشر عاما يعملون على اظهار الصور التي طمسها الاتراك . وكان ذلك مجهودا جبارا ، الا انهم أصروا على ابقاء المحراب كمثل يوحى بما للتاريخ من فعل في الاشياء والناس وقد عبر عن شموخ المحراب شاعر عربي كان معنا فقال :

وقائم يتحدى غير مكترث         رغم القرون ورغم القيل والقال

وفي البهو الكبير بهذه الكنيسة الاثرية كانت لنا ليلة من اجمل ليالى مهرجان « استروفا » استمعنا فيها الى ابدع الالحان من فرقة « زغرب » الموسيقية التي ابدعت فى عزف الموسيقى المقدونية القديمة بما فيها من لون شرقی وزخرف سلافي وتخللت ذلك قراءات لشاعر المهرجان (يوجان فلليفك) الذي تحصل على جائزة السنبلة الذهبية لمهرجان اسروفا في سنة 1976

الاشجار والهياكل وانتصار الصمت :

كانت تلك الليلة هي ليلة الاحتفال بالشاعر الفرنسى الكبير (اجان فلليفك) اجتمع فيها من الناس كل من وقع استدعاؤه من رجال الحكومة والسلك

الدبلوماسى وكل المهتمين بالادب والفن من اهل مقدونيا ورغم أن الدعوى خاصة وليست عامة الا ان القاعة الكبيرة اكتضت اكتضاضا لا مثيل له . وبعد الافتتاح صعد المنصة شيخ في العقد السادس من عمره تشبه ملامحه ملامح محارب تترى ، كان كل ما فيه يوحى بالعظمة لحيته وشعره المتهدل وعيناه النافذتان من خلال النظارة الى بعيد . وقف ثم كتف يديه وتدفقت الكلمات من فمه سريعة واضحة النبرات كأنها خرير جدول رقراق، وقرأ « الاشجار ، احدى قصائده الرمزية التي يرمى بمعانيها الى اكثر ما في الفاظها القليلة

كثير من الاشجار الواقفة

لا تنتظر سوى الصمت

آه یا رفاق

تحدثوا الى من يصدقكم

وكونوا متحققين من زمنكم

هذا الذي غالبا ما تركته الايام فارغ اليدين

ربما خلطتم صمته بصمتكم

غذوه بالساعات التي خباتموها

احضنوه بالليالي التي تستولون عليها

وانصرف الى مكانه في صمته ، ثم ظهرت على المسرح زوجته سيدة في حدود الثلاثين اميل الى الكآبة منها الى المرح قوام كما قيل في القديم من الاغصان الخيزرانية ، ولباس في بساطته لم تر العين ، وهي تبدو في تمام مظهرها كأميرة بابلية، وهم من أوهام التصور الخيالي

وقفت تقرأ شعر زوجها ، وكأنها ترتل - وهى فى الكنيسة - آيات المزامير

البحر يا ابنتى - كما فكرت - ليس هدية

يمكن ان تقدم لك

الموجة يا ابنتى عالم آخر

تكسرها الساق ولا تحير جوابا

الافق یا ابنتی سید عظیم

سيد عظيم يحتضنك عندما تفتحينه

الرقصة يا ابنتى - التى أستطيع ان اعلمك اياها هى في عينيك وستتبعينها

والامل - يا ابنتي - اقوى من البحر

أقوى من ...

من الموجة ومن الرقصة

وترتعش الورقة فى يدها وتتهالك على اسطرانة البهو الكبير ، ماسحة بيدها دمعة حزينة سقطت كما تسقط لؤلؤة الندى غب فجر بارد شفیف وتضح القاعة الكبرى بالتصفيق وكأنها استفاقت لتوها من دهشة الكلمات العذبة . وعادت ولا شيء لديها غير التعبير عن اعجابها بالتصفيق الحاد

وفي نهاية الحفل طلب من « فليفك » ان يلقى كلمة . فوقف في مكانه قائلا: لقد استقبلت في هذا الحفل كما لم يستقبل من قبل ملك من ملوك أثينا القديمة وانى سالقى عليكم بدل كلمة الاطراء والشكر لفضلكم الكبير أغنية سأغنى أغنية فرنسية قديمة

وانطلق يغني في صوت خافت اكسبه جلال السنين هيبة . وأنصت الحاضرون لشيخ الشعر ابو الاغانى العذاب، يغنى الانسان في أغنية تماوجت بين زمنين زمن الناس الغارق فى تخوم الابد ، وزمن الشاعر الذي لا يعرف البداية ولا يعترف بالنهاية

اشترك في نشرتنا البريدية