الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

ليلى . . لا ألف ليلى !

Share

الذكريات ، حقيرة .. عظيمة كثائر متمرد .. لا تفارقك تراودك ... خيبة الماضى تقتل حاضرك فتموتين كل يوم مرة  عالم بحاله فى أعماقك يتلوى وأنت تتناسين ... تضحكين بلا مبالاة ... تتزينين ، تفرجين مع الجميع، لكن فى الحقيقة تغالطين نفسك ... فأنت مع افراد عائلتك فى البيت كالاجانب ... الضحك له وزن . . . كأنما ليس لك أهل .. فأنت مع وحدتك دائما .. وانت ... مع تساءلاتك وتأملاتك دائما .. وانت تجابهين الحيرة كلما نظرت فى وجه أمك الضعيفة ...

فى البيت لا تتحدثون كثيرا ، محور الحديث مع أبيك عن النتائج المدرسية ويا ويحك ان أظهرت شيئا جديدا فى وجهك ! أو فى لباسك وانتبه لك أبوك ! ! يقف فى وجهك غاضبا صارخا :

- أنسيت بأنك تلميذة بسيطة يا ليلى ! ؟ ترقبى حتى تأتيك ابن الحلال ، هذا بيت الطاعة له قوانينه ، والمدرسة ليست قاعة تجميل ، دورك بيننا يا ابنتى أن تغذى روحك بالمعرفة وأرواحنا .. أن تطردى عنا شبح الجهل .

هكذا كانت الدروس والنصائح التى يسديها اليك أبوك منتقدا كل فتاة من بنات جيلك معلنا :

- آه .. لو كنت وزيرا للتعليم لاضفت ساعة في الاسبوع لجميع التلميذات ، يتعلمن فيها كيف يحترمن هيبة المدرسة ، لارتاح انا فى البيت من اعطاء النصائح كلما رأيتك تميلين الى تقليد ((شفيقه)) بنت الجيران ... حاول بأن تحترمى نفسك والا ....

- الحمد لله على ان اباك لم يكن فى يوم من الايام وزيرا للتعليم والا تذمرنا من قراراته ونادينا باستقالته . 922                                  50

المدرسة تذكرك بأيام التقبض والتعثر... فقدت فيها لذة الارتواء بالمعرفة ، وككل فتاة كنت تحبذين النقاش مع زميل ما .. خارج الدروس لست تدرين لماذا ؟

ولكن ليس من حقك أن تتبادلى حتى التحية مع زمللائك ! طبعا فمدرستك كادت تجمع كل أفراد العائلة : هذا أخوك تلميذ وابن خالك تلميذ ، والقيم العام زميل لعمك ! اذن انت مجبرة بأن تحافظى على تصرفاتك وتزنى خطواتك كى تتجنبى أية ضجة تحدث فى البيت والا كان نصيبك المطبخ كما يقول أولي أمرك ... وأنت من طبعك غيورة على مقعدك فى المدرسة .. على كتابك ومحفظتك الصغيرة التى تحتضنينها الى صدرك صباح مساء ..

فى بيتك تشتاقين الى مشاهدة البرامج التلفزية لكنها حرمت عليك بتاتا ! لماذا ؟

ـــ هذا مسلسل تافه ... وهذا الشريط السنمائى للكبار فقط ...

لكن توجد برامج معينة يسمح بمتابعتها لك مرة فى الاسبوع ... وأنت ترفضين مشاهدتها لانك اجتزت مرحلة معينة من حياتك ، لانك كبرت والدائرة التى حددت لك لتحومى فيها ضيقة وابوك مازال يظن انك طفلة .. يخاف عليك من الابتعاد كى لا تدوسك الارجل ...

نعم حرمت عليك التلفزة فبدأت تختلسين بعض المجلات لاخوتك الذكور ... مجلات تتحدث عن عالم آخر واسع . . شيق وجديد بالنسبة لك وأنت من طبعك تحبين معرفة كل ما هو جديد ... ومن حين لآخر تدسين فيها وجهك لتشمى رائحتها ... وتعيدى قراءتها ... وان فاجأك فرد من أفراد العائلة ، تتصنعين قراءة درس التاريخ بصوت مرتفع ومرتبك ... ويا ويحك ان نسيت بعض المجلات على مائدتك الصغيرة ! ، فسيعقد لك مجلس تأديب ، وتجدين نفسك فى موضع حرج وتقسمين بالقرآن كذبا وخوفا وفى قلبك تطلبين من الله بأن يغفر لك وتتهمين أخاك فلان بأنه صاحب الفعلة ، وتبدين أمام الجميع محمرة الوجه مرتعشة النبرات والحياء يكاد يقتلك .. وتشاهدين كل الاعين تحدق فيك كأنها تتهمك بأنك تغيرت فى سلوكك وأن معرفة هذا العالم الجديد ـــ عالم هذه المجلات الوديعة ـــ  جريمة تفكرين فى ارتكابها . وتعادلت الذكريات لديك وتساوت فى الوزن ...

عندما كنت تدخلين البيت من المدرسة يحجر الخروج عليك من جديد كم حاولت بأن تجالسى بنت الجيران ..! ان تتحدثى فى أى موضوع كان ... 923 51

ان تتشاورى معها فى بعض الامور وأنت وحيدة بين الذكور ... غرباء فى بيتكم ، وأنتم تحملون نفس الهوية ...

بنت الجيران .. التعامل معها محجر لانها تعيش على نمط أوربى ... أبوك ينعتها بالتهور أما أنت فهو يراك كأنك نزلت ليلة القدر ، بريئة من كل الاخطاء رغم كل هذا تعجبك بنت الجيران ((شفيقة)) لانها تعيش دون مركبات .. تعيش بحرية مطلقة فى عائلة تعددت فيما الآراء دون تضارب ...

كم من مرة حاولت تقليدها .. ! فاحتميت بغرفتك وأحكمت غلقها من الداخل ، وجلست متجاهلة ما يحدث خارجها ، تفننت فى مسك السجائر البنية اللون بين أطراف أصابعك .. وأنت تشاهدين دخانها الرمادى أشباحا تملأ أرجاء غرفتك وتعيدين الثانية والثالثة والرابعة حسب ظروفك النفسية ويختنق صدرك وتدمع عيناك وتحسين بدوران فى رأسك وفجأة يطرق الباب .. تتظاهرين بتغيير ملابسك حتى يتسنى لك فتح النافذة لتمتزج رائحة سجائرك برائحة البنزين وروائح اخرى آتية من الشارع الرئيسى .

حتى أمك ليست ككل الامهات .. تمنيت عندما يحاسبك أبوك على بعض الاخطاء أن تحتمى بها ، تتولى لسان الدفاع عنك ... تمنيتها صديقة . تحفظ أسرارك مثل معظم الامهات ، بالعكس .. هى انسانة بسيطة ، ليست بصيرة بالاشياء ولا تدرك حقائقها .. فهى تحترم أباك الى حد الطاعة التى تقلقك ، فكلما صاح فيكم غاضبا ، تحتمى بالمطبخ ، تتظاهر بغسل الاوانى .. أو بشىء آخر ... وان أدى بها الامر الى مواجهته يصرخ فيها قائلا :

ـــ اسكتى يا امراة ، أنت تجهلين ما يدور خارج البيت فقد تغيرت الاخلاق وغاب الحياء ، فاصفرت الوجوه فالتجأت الى المساحيق تغلف بها تلك الصفرة الفاقعة .. وانتحرت القيم على قارعة الطريق اسكتى يا امراة ، القرآن يكاد يرفع .. وهكذا نخسر كل شىء ، ديننا ، أولادنا وأنفسنا ونمضى عبثا ... لم لا .. يا زوجتى العزيزة .!؟ حتى فى المقهى بنت حواء تزاحمنى ... لم تجد وقتا كافيا لتناول قهوة الصباح فى بيتها ... لان الالوان التى لطخت وجهها أخذت كل وقتها ... يا امرأة يجب أن نحافظ على قدسية البيت كما حافظ آباؤنا عليها من الاذى .. من الذئاب الجائعة التى تعبث .. وتبعث الرعب فى كل عائلة وديعة . وان لم نفعل نكون قد اذنبنا فى حقها ...

تسكت أمك مؤيدة كلامه بدون نقاش فى تخاضع وتواضع ، فتحسين بأنه  يظلمك وهو يحكم بمقاييس عقله ، كأنه القانون الضابط ...

على تلك الشاكلة تمضى الايام بك وأنت تتخبطين غير مرتاحة ، تظهر أمك وقد طرأ عليها تغير مفاجىء ، بطنها انتفخ وبدأت تجر خطواتها كثيرة التألم ... سريعة الغضب على غير عادتها ... تحيرت ، انزعجت وانزويت أنت تسألين نفسك :

ـــ ما هذا ؟ ماذا فعلت ؟ أما يكفيها هذا الفريق المزعج من الاطفال الذى تنقصه كل الضروريات ليسير فى طريق أفضل ، وأنت يا أبى قضيت حياتك تسدد سهام النصائح لنا .. لو وفرتها لنفسك ، لكنت المستفيد ... الدخل ضئيل ! كراء البيت ! و الأكل ! والعلاج ! وغير ذلك كثير . . وكثير جدا !

كنت تتألمين فى قرارة نفسك عندما تشاهدين بطنها يعلو يوما بعد يوم وشهرا  بعد شهر وتبدو لك ضعيفة كأنها عبد مملوك .. تأخذ بكل ما يفرضه عليها أبوك بالرغم عنها وليس من حقها أن ترفض ... كم من مرة سمعته عن حين غفلة ودون قصد وهو يقول لها :

ـــ  اسمعى يا امرأة، الدين صعب، عسير ، طاعة الزوج واجبة ، المرأة لا تنام بجانب بعلها وهو غاضب عليها ... تطلب رضاه قبل النوم . . . فيرضى الله عنها .

كان بودك أن تصارحيها .. أن تشرحى لها بعض الامور الحقيقية .. لكنك تشعرين بالخجل فتتراجعين ونفسك تود لو تقولين لها :

ـــ لماذا لا تقررى مصيرك ؟ لماذا الحوار يبدو مستحيلا بينك وبين أبى ؟ لماذا تأخذين الاشياء فى صمت ؟ أنت لست محرومة لقد اعطاك الله من البنين اكثر مما تشائين ... اليوم أصبحت عاجزة جسمانيا وأبى فعلت فيه السنون ما فعلت وهو فقير الحال لكنه عنود ... وأنت يا أمى تحققين طلباته وهو يزداد قوة علينا بخضوعك انت له يرأسنا ولا نخالف رأيه ... كلنا مازلنا فى مفترق الطريق ... ماذا سنفعل بالمولود الجديد ؟ ...

وترقبت ترقبت مجيئه كرها .. وجاء اليوم الموعود ... كان أبوك غائبا عن المنزل ... وفى ساعة متأخرة من الليل ... استيقظت مرتبكة ... احسست بأمك تتألم فى صمت والجميع فى سبات عميق .. غيرت ثياب النوم بسرعة .. اتصلت بجار لكم .. حملتماها على متن سيارة الى المستشفى وصلت بعد ساعة ، لا تعرفين قسم الولادة .. ركضت فى جميع ارجاء المستشفى من الاسفل الى الطابق الاعلى ناديت ولا من مجيب . كأن الجميع نيام حتى الحارس !

أخيرا أدخلتماها القسم الاستعجالى وقد ذهب من الليل شرخه .. فى تلك الردهة الاخيرة من الليل ..كأن عشرات من النساء على موعد واحد.. صراخ.. كلمات تتردد فى معنى واحد ... ، بحثت عن صوت أمك بين النسوة فضاع عنك ... الممرضة تمر .. تشتم .. تأمرهن بالسكوت لعلها ملت مما يحدث كل ساعة .. تتوتر اعصاب الممرضة .. تدخن .. تترشف قهوة سوداء .. تنظر فى المرآة من حين لآخر وأنت تطلين من كوة فى زجاج النافذ تقشر طلاؤها .. تبكين ، تبكين ... تطلبين الله بأن تبقى أمك على قيد الحياة .. نعم يجب ان تعود الى البيت بمولودها فى سلام . حتى لا يبحث ابوك عن فرصة جديدة .. يجيء بامرأة جميلة صغيرة تبعث فيه الشباب والسيطرة من جديد ، وتبعث الشحناء بين أفراد الاسرة القدماء والجدد .

استيقظت من شرودك على صوت الممرضة يبشرك ولد .. ولد .. وقد أشرق الصباح على طقس بارد فعدت مسرعة تبحثين عن النوم والدفء ... وأمام عينيك صورة امراة وضعت مولودها وخرجت من غرفة الولادة تحتضن الحائط تتلمس الارض بأصابع رجليها .. هامدة القوى .. تتحسس سريرها .. بلا معين حتى تكره الحمل .. خرجت أمك من تلك الولادة التاسعة منهوكة القوى .. صفراء الوجه .. مرتخية الاشلاء .. شبح أو بعض شبح .. ليس لها من المقومات الغذائية ما به تقوى على النحول .. ليس لابيك طاقة على تلبية حاجتها وحاجة وليدها الى الغذاء والدواء ورفاه العيش .

منذ ذلك اليوم بدأت تفكرين . . . ولكن لن تحدث المعجزة . . اذن الانقطاع عن الدراسة هو الحل الوحيد . . . لكنك بقيت مترددة فى تفكيرك، لان الدراسة سلاحك الوحيد . . أنت تودين أن تدسى نفسك فى الحياة الجامعية كى تهربى عن الجو المخنق . . . وفعلا مرت الايام . . . بدأت تبحثين عن عمل لتسديد حاجيات العائلة التى تتفاقم، والسوق مزعجة، والطلبات مخجلة، والمولود الجديد جاء برقم جديد ينفذ طلبه قبل الآخرين . . . وبعد جهد اشتغلت ، دخلت عالما واسعا ، اعطيت كل ما عندك . . .اتقنت عملك ، اعطاك رئيسك كل الثقة . . . وكنت فى المستوى المطلوب . . . شعرت بفرحة عارمة ، وانت تغدقين على عائلتك من عرق جبينك . . . وجالت بمخيلتك فكرة تغيير المنزل ليتمتع أفراد الاسرة بنصيبهم فى الحياة من سىء الى أحسن لكن الايام نكثت ما واعدتك به . . . خدعت نفسك . . ضحكت من أفكارك ، مما رسمته من مشاريع ، يوم صادفك من غير واقعك. . وأجهز فيك على المعتاد !

كان يحتل مكانة هامة فى المؤسسة يعتنى بقسم الهندسة. أحسست بأن له ميزة خاصة وأنه صاحب شخصية مرحة ، معتز بنفسه . . . أعجبت به . . . وانقلب ذلك الاعجاب الى احساس آخر . . . كنت تطالعينه فى تلك المجلات والكتب التى كنت تختلسينها من اخوتك الذكور . . احببته بقوة . . انه رجل يجمع بين اللين والشدة . . . وحملت ذلك الاحساس فى قلبك صامتة خوفا من أن تحيلك المفاجأة ضحية . . تأملت فى الموضوع مليا ، لانه بدأ بدوره يقترب منك . . . فأمسيت تخافين لحظة ضعف يكون فيها انهيارك فتصبح لقمة العيش على حساب كرامتك بل كرامة تلك العائلة البسيطة التى تأخذ منك مرتبك شاكرة . . . وقفت عاجزة لانك دخلت منطقة ، غريبة غامضة ذات شعاب . . . . الرجل قوى على امتلاك انسانيته ينام الذكاء فى عينيه . . .

حبه حملك الجهد القاسى الذى ادى بك الى فقدان توازنك . . همس لك قمس بن الملوح من بين كتبك المدرسية المكدسة فى زاوية من غرفتك هاتفا بك :

وانى من الباوى أسير صبابة         وزادت بى البلوى بكر مرورها

لقد غزى كبرياءك فتحداك ، فواجهته عندما اكتشفت بأنه يشرب حتى الثمالة. . . المرأة فى نظره متعة فقط ، ساعة من النشوة يحياها ، صاحب سياسة يدير مهامه بفطنة بذكاء متوقد . . . غربى الطباع فى معاملته . . . الزواج فى نظره عبث . . . البيت والاولاد جريمة . . لكنه أظهر لك عناية خاصة وانت لا تستطيعين الاستغناء عنه لانه يحيطك بعطف كبير أنساك نسبك . . . وجاء يوم الاختبار حملته على الاعتراف ، جردت نفسك من كل خوف حتى تدركى أى نوع من النساء انت فى حياته . . . كان النقاش طويلا . . كنت صريحة ، واضحة دون ارتباك . . وافق بكل كبرياء ان يطلب يدك . . .

وضع أمامك شروطا قاسية ، قبلتها من اجل قلب يحترق . . . يومها طال الحوار بينكما . . أخذك الى حيث يرفض المنطق . . . قال لك :

ـــ  زواجنا لا تقيده ورقة قانونية ، لقد تعودت على نمط معين من العيش . . . ما دام الحب موجود ، نحن أحرار ٠٠٠

كان الطلب مفاجئا . . والصدمة قوية . . . شعرت بانهيار عصبى . . . جعلك تمرين بفحص طبى ، لازمت الفراش . . بكيت بمرارة ، اعتبرت ذلك نوعا من امتهان كرامتك عبارة عن صاعقة نزلت بالمكتب ، بالحى دمرت كل جميل وثمين . . . طلبه زعزع كيانك حتى فقدت القدرة على تقييم المواقف . . . تحققت بأنك دخلت فى مجتمع انتهازى . . . اجل . . ما دام الزواج أصبح مذكرة شفوية بدون توقيع . . .

فى ذلك المساء . . . جلست وحيدة . تتسائلين عن أشياء طبيعية : ـــ  الزواج ! المرأة فى حياة الرجل . . ! الحب . .! سر الخيانة ! الفقر ! الغنى . . الزوال ! وما بعده . . !

كان الطقس حارا حتى فى داخل غرفتك التى يعينك الليل فيها على التفكير ! تعبت من التفكير حتى بدا حاجب الشمس فاسترخيت فى فتور . . . والتجأت الى الله فى نومك ويقظتك ، حيثما كنت أن يهبك الصبر حتى تخرجى من اليم بسلام . . . فرارا من أمواج البحر التى تهددك . . . تترصدك وانت تعلقت به بالامس، احببت فيه ذلك الهيجان ذلك الزحف من حين لآخر . . . أخذك من واقعك . . . من هدوئك . . . تمشين منهارة ، تقيسين المسافات بصعوبة حتى لا تحيدى عن الصواب . . . ولاول مرة فقدت توازنك لتفهمى نوعا من الرجال . . . فتمنيت فى لحظة غضب لو ترتج الارض وتبتلع النساء فقط . . . كل الفصول شتاء برد . . ثلج . . رياح صرصر يموت الحب فى قلوب النساء عندما تتوقف عن النبض تتقطع الاصوات ، ينتهين فلا يسمع لهن صريخ . . . لتصيرى انت سيدة الكون . . . ليصبح حبيبك رجلا واحدا لامرأة واحدة . .

دخلت منطقة الشر . . . كدت من أجله أن تجهلى دينك وذاتك . . . ولاول مرة تشعرين بأنوثتك . . . تعلقت بالحياة . . غيرت لون شعرك ، أحب اللون الاحمر والوردى . . فاخترت فساتينك كما أراد . . بأمر منه . . . صرت هزيلة الجسم . . . لانه لا يحب المرأة البدينة . . صعب الامر عليك . . شاركت أمك فى الموضوع . . .

ـــ  لماذا هذه القوانين التى تأخذ فى شأن الزواج ؟ لماذا نلجأ الى احضار شاهدين لامضاء العقد ؟

ـــ لماذا هذا الرجل يهرب من الواقع . . . من القانون ؟ لو كان حقا . . أحبك لفعل المستحيل . . !

أجبتها فى خجل :

ـــ لقد خلق هكذا يا أمى . . . يرفض الاشياء التى تفتك منه حريته . . . لا يؤمن بالتحقيقات فى شأن الزواج . . .

خرجت غاضبة ثائرة ، تتنفسين بصعوبة . . . خرجت والدنيا فى نظرك صغيرة ، صغيرة مقعدة ، لعنت التقاليد التى تضغط عليك لانك خلقت امرأة . . . بدأ الظلام يخيم على الحى . . . عدت منكسرة الخطى والخواطر . . .

نمت مرهقة بعدما أعادك الى حدود الواقع . . . استسلمت لان القانون فوق كل شىء . . . لانك فى نظره فقيرة لا تملكين ما يملك . . ورغم أن التجربة فاشلة فقد مكنتك من معرفة نوع من الرجال . . . أصبحت عاجزة على التفريق بين الخطأ والصواب . . .

أنت لك عالم وعالمك يحوم فى دائرة صغيرة ، العمل والبيت . . . شعرت بأنك شابة أشرفت على سن تخول لك الاشراف على ما يدور خارج الحلبة . . . أعصابك توترت . . . سئمت الاوامر . . تريدين أن تتوسعى أن تتمتعى بمياه البحر . . . ان تستلقى تحت اشعة الشمس لينال جسمك لونا آخر ، أن تطردى برد الشتاء . . أن تحضرى زفاف زميلاتك . . . أن تسافرى عبر الاجواء . . . أن تغنى . . . أن تتعلمى الرقص . . ان تهربى من قبضة العائلة أن تصيرى أنت التى تقررين وتختارين وليس ثمة مخلوق يشدك الى الوراء . . أن تخرجى فى الليل . . ان تتصرفى بلا حدود أن تقفى عند الحدود التى تريدين ، لا نهى ولا أمر ، أن تنتقدى أفكار أباك . . . مبادئه . . ان تجعلى من نصائحه خرافات . . . لكن ذاك خارج عن نطاقك ومحيط عائلتك . . . فى هذا العصر . . عصر الحرية وما بعد الحرية . . .

اليوم عندما واجهت المجتمع مشتتة الخواطر طلب منك أول رجل عرفته الزاوح لفترة معينة ثم ترحلين قبل أن تصبحى مملة بلا طعم . . . كم هو ذكى الى حد الغباوة . . ! بل كم أنت غبية ! كنت مجرد طفلة تخافين الاوامر . . . أبوك أيضا كان غبيا لم يعلمك الشجاعة منذ حداثة عهدك حتى لا تفاجئك الامواج زاحفة واليوم كبرت فارتميت فى لجة الاستمتاع حتى فاجأك البحر ـــ وقد دخلته بلطف . . بكل وداعة . . بقلب صادق ـــ بتقلباته فكدت تغرقين لولا قوة ارادتك . . .

المؤلم أنك لم تنسى ماجد وحدث على ساحة الحب . . تغالطين نفسك . . . تتناسين ولكن خياله لا يفارق مخيلتك . . . تهتمين بغيابه عن المؤسسة تحفتظين جدول أوقاته . . وهو لا يهتم بك . . دائما مستعجلا القهوة والسجائر تحرق داخله . . الاورق النقدية تزيده نشاطا . . بعد الثامنة مساء يمر بمطعمه المفضل . يرمى فى بطنه لحما مشويا . . قارورة من الخمر تهضم ما بداخله . . فيخرج وقد جالت بعقله المخمور ألف حكاية فى سيارته . . يحملق يمنة ويسرة بنظرات وحشية جنونية . . يبحث عن سمكة لفظها البحر فباتت تتنفس بصعوبة تطلب نفسا كى تعود الى حيويتها . . وأنت تتألمين تنهش الاسماك وحدانك . . فى غلبة وخوف . . الظنون والشكوك استولت عليك . . وهو يمارس الخيانة أمام عينيك . . فتموتين ببطء . . .

اشترك في نشرتنا البريدية