الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

ليلى .. لا ألف ليلى !

Share

                               - 2 -(*) ملأ الحقد قلبك . . . وانفجرت موجة من الآلام مثل بركان غاضب . . . فتمنيت في صمت . . . تمنيت متأملة بأن يحدثوك عنه وقد انهار كالجدار المنسوف .. أن ترينه ضعيفا ، عاجزا ، فقيرا بلا مأوى ولا قوت ، يطاطئ رأسه إلى الارض . . . يتنازل عن قسط من الغرور . . . ان يصطدم فى الطريق بسيارة ما . . .  بقطار ينهب الارض . . .

يفرط فى السرعة ولا يحترم قوانين السياقة ولا اشارات الاضواء . . يتجاهل شرطة المرور .

تمنيت ان يحدث له ثقب بعجلة السيارة . . . فتحتضنه شجرة عملاقة فى خارج البلد او عمودا لا يرحم . . . فيسقط وتنهزم أنانيته جريحا ، فاقد الوعى ملطخا بالدماء يلتف حوله الناس تتأخر سيارة الاسعاف . . وفي المستشفى كل الاسرة قد حجزت فيضعونه على الارض . . . بينما أنت بغرفتك منكمشة ، تستمعين إلى المذياع . . ينقطع الصوت فجأة . . نداء إلى أهل البر والاحسان :

- " من يتبرع بدمه لجريح فى حالة سيئة والله لا يضيع أجر المحسنين " تشمتين تفرحين ، تحزنين ، تبكين عندما . . شيئا فشيئا يضيع أنينه تنطفئ أحلامه . . . تسكن ذاكرته . . . فيضيع ماله ويلاشى ويخرج من حياة  مصطنعة .. وينتهي الحوار بينك وبينه عندما ينتهى أمام الاطباء .. تلبسين

السواد . . تقصين شعرك . . . تزورينه بمقبرة الحي تضعين على قبره خبزا وزيتونا . . . تجلسين فى خشوع تتحسسين التراب وهو تحته تحتفل به الديدان . تمتص عينيه . . تتغذى من جسمه .. وهو مطبق بين اللحود والتراب . . .  تذكرين كيف كانت المرأة في حياته بضاعة يطلبها . . . يساومها . . . يشتربها . . يغيرها . . يرفضها والجديد يأتي . . . طغت عليه المادة . . . فوضع المرأة في ميزان . . . هكذا تعلم من الغرب . .

وتساءلت في التياع :

- كيف يسمحون له بأن يكون من ضمن موتانا بمقبرة الحي وقد كان يجهل الشهادتين ؟ . .

وتتلاشى أمنيتك كأوراق الخريف عند الغروب . . . ويأتي المساء ثقيلا . . . وفي الصباح تمر سيارته تطوى الارض كالعادة فى تحد فاحش . . . كأنه يقول لك :

-" أنا فنان وراء المقود . . الموت نصيب كالحب والزواج يا صغيرتى !" .

بكيت هزيمتك . . . في صمت لانك أحببت رجلا منعدم الاحساس . . وقد تحولت من فتاة واعية أمينة إلى فتاة ثائرة مضطربة العواطف . . .

والتقيت به بعد هذا كله . . فحدثك بجدية . . . لان فى ذلك الوقت كانت شباكه خالية من الاسماك . . . تحركت كل أعضائك له . . مازلت تريدينه . . غالطت نفسك ، فمات الحقد في قلبك . . . وعلى الطريقة الاوربية . . . طلب منك تناول بعض الحلويات من صنع محلى على مائدته . . قبلت الدعوة دخلت البيت . . . تتساءلين مشدوهة :

- ما هذا الديكور ؟ أأنا في متحف !؟ . . . لوحات على الحيطان مستوردة . . قاعة الجلوس . . كأنما هي حديقة زهور بها حوض للاسماك الملونة . . الزرابى ملونة . . الجدران ملونة . . الوان . . الوان . . أبهة تتحدى الفناء !

فى ذهول أمعنت النظر في كل تحفة ، بحثت عن تاريخها عن ثمنها ، من أى بلد ، احسست بمتعة رسام يغوص فى لوحاته بعد جهد .. المنزل محط بحديقة فيها أنواع الاشجار والورود بألوانها وأشكالها . . . الياسمين قد تدلى وتشابك واحتضن مدخل الحديقة . . .

لكن . . فوجئت بأن البيت كان مقرا لمن يهربن من الاعين المتطفلة . لمن يركحن لعدسة الالتقاط المسيرة إلكترونيا فاذا هن صور ملونة فى وضعيات

جنسية مختلفة في اطر على جدران ذلك البيت . . عرفت من بينهن شفيقة بنت الجيران !

تراجعت كل الاشياء الثمينة سقطت أمام عينيك . . تبعثرت . . تكسرت وأنت تشاهدينها . . تأتيه بدون خجل فى شهر معظم تدخل بشجاعة بعدما اعترضها وساومها ، فقبلت لان المبلغ كان مغريا . . فاحتقرتها ، لعنت أمثالها اقسمت أن لا تعودي . . . أمسى ذلك المكان بمثابة كوخ مهجور فى قرية نائية . . .

التقيت به بعد هذا كله خارج المؤسسة . . . فاستنفر غضبك . . عاتبك فلفك الصمت . . وقال :

- أحبك . . أحبك . . أحب كل النساء كل ما هو جميل . . . ما حيلتى وقد خلقت هكذا ، أنت امرأة أنانية . . . همك كل همك ان تمتلكى الاشياء ..

أنسحب فتمسكت بالصمت . . تحديث ساعة اللقاء . . . غيرت طريقا معاكسا . . . طال سكوتك . . . أحدثت حريقا فى كل ما كتبت من ذكريات .. اضمحلت لهفتك . . أفقت عقلك فعاد اليك . . . وانتظرت ربما يأتي معتذرا ، معترفا بحسن نيته ، يبكى والدموع دليل العجز والاعتراف بالذنب انتظرت . . انتظرت حتى أباك أن يأتيك معتذرا ، يبكى نادما عما مضى فيطلق سراحك . عندها لا تنسى أمك الحبيبة . . . خذيها معك من وراء ستار حجب عنها أشعة الشمس وزرقة السماء . . . لتطير معك من حي تنام فيه قلوب تحمل نفس الاسطورة  ... ضعي يدك فى يدها ... ساعديها على فهم ما تجهل بمنظارك الصغير . .

لا فائدة بدأت تيأسين . . . قلبك ينزف حزنا ونور عينيك يخبو لحظة بعد لحظة . . . التعثر فى الكلام أفقدك متعة التعبير حددت سلوكك والتزمت احترام نفسك كي لا تكونى أسيرة لعواطفك . . . من أجل المحافظة على ذاتك وكيانك . . . واعطاء حساب لكل شئ ، وقف حبك في أول خطوة . . . أردت أن يفهمك . . . يفهم لغتك أفكارك . . يحرر نفسه من آراء بالية جاء بها من وراء البحر . . . أن يدرك بأنك حق بسيطة كما وصفك . . لكن لن عيشى الخديعة مع من تجنس على أجراس الكنيسة . . .

الايام تعاقبت ، نفذ صبرك ، قدمت استقالتك من الوظيفة رغم عدة عوامل تمنع قرارك . . انزويت تحاسبين نفسك . . استرجعت أنفاسك . . فكرت فى العودة للدراسة . . . الطريق شاسع . . . كيف تعودين للدرس وقد

كبرت ! ؟ . . تحملين بين أضلعك تجربة مع ذكريات مؤلمة . . ! وكان اليوم السادس من نفس الاسبوع الذي قدمت فيه استقالتك اجاءك ساعي البريد برسالة ، فتحها فى ارتباك هامسة لنفسك :

- كسبت الرهان ..! لكن جاء فيها صراخ حاد يخالف همساك العطشى : - " صغيرتى ،

أى مدرسة احتضنتك ؟ ماذا تعلمت مدة سنى الدراسة ؟ لغة النحو والصرف . . علم أصبح لا ينفع لم تفهمى الاشياء على حقيقتها . . أنت جاهلة ، متخلفة ، رجعية . . . عودى من جديد . . تسلحى بالمزيد . . تعلمي لغة الارقام . . . كيف تتعاملين مع الرجال . . . تذوقى طعم الحياة قبل ان تمر القافلة . . أنا رجل مهما تقدم بي السن أجدها ضائعة فى الزحام . . في كل مكان كونى لطيفة ، بشوشة ، لينة فهذه الخصال جمال الانوثة . . الا تعلمين  بأن هناك فى بعض البلدان الافريقية والآسيوية عوض الدروس الرياضية والاقتصادية والسياسية يدرس فن الحياة الجنسية ؟ ! . .

الحب يا صغيرتى كالطعام والهواء . . . غريزة . . هبة من الطبيعة . . لا تكونى جبانة فالعيش بين احضان رجل ، حق ، حرية الاختيار ، بداية الاستقلال الذاتى . . لن يحاسبك عليه القانون . . . اسمعي ندائى ، فان نخليت ، فانت حيوان فى شكل انسان . . كوني كفيلة بتجاوز بيئة مخطئة فى معاملتها لك ، جعلت منك آلة لا تنفع . . . رمتك يسحن محرم فيه عليك التصرف في حريتك . . .

من أنت حتى ترفضى زيارة بيتي ؟.. و ..... ومن أنت حتى تحدى تصرفاتى ؟ وعلاقاتى ؟ وانا قد تعلمت بأكبر المدارس الاوربية وصاحبة العيون الزرقاء والشعر الذهبى لم تبخل على !

انت يا صغيرتى تجهلين اسرار بلدك الصغير ، ما بالك لو زرت مثل باريس وتركيا واليونان وكاليفورنيا !؟..

باريس يا صغيرتى كل ما فيها جميل وخلاب ، رائع . . مدينة بالليل لا تهدأ ، لا تنام ، الاضواء فيها نجوم معلقة فى السماء . . . السهر متعة .. هناك تعلمت النحت . . تعلمت كيف أغرق ، كيف أعلو على السطح فى  باريس عندما نغرق نكتشف جمال عمق البحر . . أسراره . . ثم نرسى على

البر تحلل المحاصيل ... بعد التعب ، مشاكل النهار وبرده . . نعيش متعة الغوص ... هواية نتفرغ لها كليا ...

النساء يا عاشقتي هناك ، اختلفن فى الاشكال ... الواحدة منهن بيضاء .. حمراء .. عارية ، ساحرة ، تلعنها الملائكة فتلعن الآلهة ، تأخذنى فى دلال كالطفل الصغير من مهده ، نأكل ، نشرب خمرا ، نرقص ، نغني ، نضحك من كل شئ في كل شئ . . والليل طويل . . مع الفجر تبدا الحياء تحت أضواء خافتة ملونة متلونة ... اتصبب عرقا فتمتصه بمنديلها المعطر . فاحترق وأذوب فأطلب مزيدا من الخمر . . تأخذني إلى بيتها تخلع حذائى ، تدثرنى، تعطيني شرابا ساخنا فتأخذني الاحلام هكذا بدون مقابل . .

نعم في بلاد الشقراء نشترى اللذة بدون شئ من تلقاء نفسها ، تأتي للبحث عنى ... تطرق بابى بدون موعد ، في صمت بلا مقدمات . . فأحبها بجنون لم لا ؟ . . وقيمة العطاء عندها بلا حدود

أما في اليونان وتركيا وكاليفورنيا ، أعطتنا الطبيعة بلا نهاية . . نمارس هوايتنا بلا عنصرية نصطاد اسماكا ضخمة رائعة ، رائعة . . مغربية.. لن أحدثك الكثير . يا صغيرتى . . . عالم من الدهاليز . . . اخاف عليك من عطب فى الذاكرة . . .

أنت لا تعين ما تقولين . . تعشقين مثل الصبية فى خجل . . . أنت تجهلين الحب وأعماقه وما وراء الاعماق . أنت أرض جرداء قاسية لا تنفع . . نشات في ترية قاحلة أنت صحراء فيك المسافر الغريب يموت عطشا . انت صغيره، بائسة . . معقدة ، الخوف يلفك من كل الجهات .

وأخيرا فيما أن أودعك عل أمل اللقاء . . فكرى ، مزقى شراع الصمت . . تحركى بعقل كبير . . . عندما تقررين .  . . تجدينني فانا فى كل مكان ، أنا مدرسة بحالها .. روضة للصغار أمثالك ... سأجعل منك ألف ليلى " .                                                                 إلى اللقاء

تحكمت فى حبس دمعك ، نفسك كل أنواع المعاناة ، لازمت مكانك، أخذت القلم . . تراجعت في الإجابة . . لائحة عرضت عليك . . يجب ان تدافعي بحثت عن الكلمات . . تخلصت من القلق . . جمعت شجاعتك وكان الرد :

تونس - مارس 1982 : " أتذكر يوم فاتحتك فى الموضوع ... وضعتك أمام السؤال وكان الجواب مرا ، وضحت لى المسافات الطويلة التى تفصلنا عن بعضنا البعض منها : الحي الذي أسكن فيه . . مركز أبي . . . لغتى التى يغلب عليها طباع اهل الريف . . . كنت أجهل الفوارق الاجتماعية ظننت بأن احساسي الطاهر يحطم كل الحواجز . .

يومها فتحت لى ملفات من التحقيق . . جعلت لحبى قضية .. لا أنكر بأنى أحببتك ، واجهتك بدأت السؤال ..

لا أنكر يوم التقينا كنت أغرق أتنفس بضيق ، أقاوم . . أجهد نفسي . . ظننتك بحر السلام . . . ارتطمت بصخرة النجدة . . تشبثت بها علني ... فكان صدرك العريض . . . احتضن رأسى يبحث عن الامان . . عن الدفء يوم عرفتك ، باتت حياتى جزيرة من الطموحات ، من الاحلام مطوقة بأحلى ما قال الشاعر عن أجمل كلمة أهدتها الطبيعة الينا[الحب]  ..

جعلت منك أحلى الرسوم يعجز عنها رسام محترف ... قصورا من الحب بنيتها . . تفننت فى الزخرفة بأصابعي ، أخيرا تيقنت باني ركزتها على سطح الرمال ، شاهدتها بعينى رأسى تذروها الرياح وأنا لا اصدق عينى ، يدى ، وعقلي . . ان الحواس لتكذب !

أنا لست بجاهلة ولا صغيرة . . أنا أعرف كيف أصبر وصبرى دهر بحاله . . أعرف بأنى رجعية ، ريفية ، لكنى قادرة على امتلاك نفسي عندما تتفاقم الاهواء .

كفاك مراوغة ... لقد أدركت بأنى لا احسن معاشرتك ، فقررت بأن أتحرر ، نعم لقد علمتني التجربة بأن الكرامة أجمل من كلمة [لحب].. أجمل كلمة حفظتها فى حياتى مكنتني من الرؤية من فوق الحواجز . . . قررت الانسحاب كى لا تنظر لى نظرة ابتذال .. تستغل لحظة يأسى وضعفي . . فتتلذذ بهزيممتى وتنتزعني من صمتي وواقعي . . قلبت القضية  ليصبح السجن حريمى فيه .. لتظل "ألف ليلى" عندك " ليلى واحدة " عندي .

ماذا علمتك المدارس العليا بأوربا ؟ علمتك ان تنسى . . بأنك تونسي ان تتجاهل قوميتك ؟ ! . .

فمهما تعلمت وذهبت إلى أقصى العالم وتحصلت على شهادات عليا فى جميع اللغات الاجنبية . . فأنت عربي من أب وجد عربيين ، غيور ثورى الطباع أصلك . . عندما تمل حياة العزوبة وتفكر فى الاستقرار ترفضني .. ترفض أمثال . . وتبحث عن زوجة مثالية لم تفكر فى غيرك من قبل . . . تحاسبها عن مشاعرها . . . أسرارها . . أخطائها . . ماضيها .

ماذا فعلت عندما عدت من الغرب . هل جئت بزوبعة علمية ثقافية هدية لهذا الوطن ؟ أم جئت بزوبعة لا أخلاقية تغير بها التقاليد والعادات التى لم تعجبك ؟

ماذا ورثت من بلاد الشقراء صاحبة العيون الزرقاء . . . فان كانت أفكار المثقفين على هذا النمط ، فليصمت الحب ! وليذبح فوق أرض وطني وتبكيه كل العذارى !

أما أنا فقد تعلمت كيف اجتاز العقبات ، كيف آخذ حريتي . . . كيف أواجه الآخرين حتى أبى بدون تعثر . . .

قبل أن تأتيني رسالتك أخذت قرارى . . لاني مجبرة . . . لاني تعبت المقاومة . . . ففررت دورى فى تمثيلية هذا الوجود وذلك قبل ان استسلم فأعاشرك بدون ورقة قانونية مسلوبة الارادة ... فلا تنسى بأنك طلبت مني ثمنا باهضا فلن أدفع ... لانك لا تبصر ما أبصر .. ولأني " ليلى واحدة " ولن أصير " ألف ليلى" أبدا !

اليوم خرجت من حياتك ، فلن يقف العالم ، كل شئ على طبيعته يمضي . . . وأمضى انا بثبات رغم جروحى لانك لست قدرى . . لان حبك مجرد حادثة عابرة . . كان رحلة مرهقة عبر الصحراء . . ولاني كرهت كل الاماني والاحلام والاماكن التى تجمعني بك . . ولاني فضلت الحرمان والعذاب عوض أن أشاهد التلاعب بى والحدة والتحدى فى عينيك كانت استقالتى من العمل فى مؤسسة تأويك .

هذا قرارى . . . ولا أنكر بأنه فوق طاقتى . . أنت وأنا . . مخلوقان نختلف في المبدإ والاصل والغاية ، ولكل منا زمان ومكان .

لقد خسرت ما كنت أحمل في قلبي . . تلاشي بمرارة وأنا صغيرة ، فقيرة . . جبانة كما تدعى . . لكن ليس مهم . . الحياة - عندي - لن تتوقف على رجل واحد . كما أنها لا تتوقف - عندك - على امرأة واحدة ! " .

اشترك في نشرتنا البريدية