لكل عصر ميزاته ، ويمتاز عصرنا بحضارته المادية الصناعية وبنزعاته الفلسفية المختلفة . والمجتمع الذي يخضع لهذين التيارين هو المجتمع الغربى هم السابقون ونحن اللاحقون . هذه هى حضارتنا : علم وتمزق فكرى ومشكلات الحضارة موضوع شديد التعقد يصعب الاحاطة به فى مقال .
أ - الحضارة الصناعية :
خطا العالم الغربى بالخصوص خطوات عملاقة فى مجال التكنولوجيا والتصنيع ، ونما العلم التجريبى نموا سريعا ، وهددت - الآلة - الانسان وعوضته فى المعامل . فالعلم سخر الارض والماء والهواء للانسان ، وهو فى نفس الوقت قد سخرها لتستخدم ضد الانسان . قدس الانسان العلم التجريبى . المحراب هو المعمل والمخبر . وتداعى العالم الماورائى أمام النزعات المادية .
قالوا : لا خلاص إلا بالعلم وقالوا : تحيا الآلة والتجربة والتكنولوجيا إنه سراب . العلم أقام العمران وأباده . أوجد أسباب الرفاهية للانسان ، وغدر بالانسان وأشقاه . سيد الانسان واستعبده قالوا : الآلة تحل مشاكل الانسان ، ولكنها عوضته فأوجدت البطالة
كان الانسان فى عهد مضى أسمى الكائنات ، فوضع العلم تقييمه فى الميزان . كانت الآلة ، يا حسرتاه ! ، تساعد الانسان ، ولكنها نابت عنه فبقى " عاطلا " . فكل من ثورة الميكنيك Mecanisation والآلية التلقائية Auomation جعلت الآلة تقوم بدور الاشراف والرقابة على آلة اخرى ، فهى توجهها وتتحكم فيها ، وتصلح وتنبه لما يطرا عليها من خلل . ومكث الانسان مشدوها بما صنعت يداه .
فالحواسب الالكترونية تقوم بحسابات تتطلب عددا كبيرا من الاشخاص ساعات وأياما طوالا .
ب - التوجيه الفكرى :
ان العالم المعاصر ممزق بين تيارين جارفين I- نزعة تؤمن بالمجتمع دون الفرد . انها الفلسفة الشيوعيه التى اغتصبت من الانسان حرية الرأى والتعبير والاعتقاد والنشاط الاقتصادى فهى
1) فى جانب الفرد قد حددت من حريته وصغرت من قيمته ، وهو كشاة وسط قطيع من الغنم ، مصيره بيد الراعى
2 ) وفى جانب المجتمع فهى تسمح للدولة بقهر الفرد في سبيل الدولة وتبيح لها اتخاذ التدابير التعسفية ضد الانسان . فلا وجود ل ( لأنا ) ويجب أن نضحى بمصلحة الفرد فى سبيل المجموع . فكرامة الافراد وحرماتهم وكيانهم الشخصى لا وجود لها .
3 ) وفى جانب الاقتصاد يؤجر الأفراد حسب إمكانياتهم فى الانتاج كما وكيفا ، وهذا نقل مطلق للاقطاع الزراعى ولرأس المال فى الصناعة من الافراد الى الدولة .
4 ) وفى جانب الاعتقاد فهى لا تؤمن الا بما يدخل المخبر ويحس وتجرى عليه التجارب ، والعالم الماورائى خرافة وخداع وأفيون ، والواقع المحسوس هو مصدر المعرفة الصحيحة . واليقين الذى لا يتطرق اليه ريب هو العلم التجريبى . لذا يجب الايمان به مقابل الايمان بالله وبوحى رسله
5 ) وفى جانب القيم الخلقية فهى ترى أن الدين فرض مقاييس خلقية لم تعد صالحة لأن مبدأ " التطور " حطمها ، والقيم الخلقية ليست ثابتة بل متطورة . لكل يومه . العلم هو الاله ! . . والشيوعى هو الكافر بالله المؤمن بالعلم . هو الذى يفنى فى الدولة لا عن اختيار بل عن جبر ، حتى يفقد ميزة الادراك والارادة . شاة وسط القطيع
II - وفى مقابل النزعة الشيوعية نجد نزعة الديمقراطية الغربية التى تطورت الى احتكار وتحكم فى الطبقتين العاملة والمستهلكة على السواء . انه
مجتمع تسيطر عليه الفردية والانانية والتخلف فى المثل والقيم العليا . واذا كان شعار الشيوعية ( الفرد للمجتمع ) فان شعار الديمقراطية ( المجتمع للفرد ) . ان الديمقراطية ألهت الانسان قبل ان يستكمل عناصر انسانيته .
والسؤال الخطير هو : كيف تقدس الفرد " وهو لم يستكمل بعد عناصر انسانيته ؟
ج - الانسان المعاصر وما يشعر به من تمزق
خلقت الحضارة المعاصرة مشكلات اجتماعية وأزمات نفسية غيرت نظرة الانسان الى العالم والى الناس والى نفسه . جادت الحضارة بأشياء كثيرة ولكنها فى مقابل ذلك أصبحت تهدد الانسان وتخنق شخصيته ، فكل يوم نسمع صيحات من الغرب والشرق على السواء تدعو الى تحصين الانسان من شر الحضارة . سمنها الانسان فأكلته . . الانسان فتك بنفسه . . فقأ عينه بيده . . . اختار الانتحار . . .
انه صراع مهول : صراع بين قيم الماضى والحاضر ، صراع بين الآباء والأبناء فى وجهات النظر فيما يتعلق بقضايا الساعة ، وصراع بين الزوجات والازواج فى تربية الاطفال ، وبين الدين والعلم . وصراع بين رغبات الفرد وبين امكانياته ، وتنافس مرير على اقتناء وسائل الرفاهية ، وصراع بين القديم والجديد .
أبواب كثيرة فتحت وقد كانت موصدة أو مجهولة تماما انفتح الباب أمام الاجرام المهول ، والاضطرابات النفسية ، والخلقية ، والمخدرات ، والانحراف ، والقلق ، والسخط ، والتمرد . فخنافيس الهيبيز والبروفوس والبيتنكس يكثرون يوما فيوما ، والانحراف يتنوع كل يوم الرجال يتأنثون والاناث يتذكرن . القيم الاخلاقية التى عشنا بها زمنا طويل تتداعى الواحدة تلو الاخرى ، ونحن حيارى ماذا نضع مكانها ؟
انه فراغ مهول ! . . انها غربة الانسان عن ذاته . غربة مهولة ! لم نستعد لها ولم تتهيأ لها عقليتنا الاسلامية .
الآلة التى قدسها العلم جعلت الانسان يشعر أنه معرض للاستغناء عنه . ازدادت حاجاتنا ورغباتنا لكن قصرت اليد عن ارضائها . انه صراع بين ما
نريده وما نقدر عليه بالفعل ، ونتج عن هذا أن دفعنا الى تأزم وتوتر نفسى موصولين يجران حتما الى تصلب الشرايين وضغط الدم فالانهيار النفسى رغم ادعاء بعض الاقتصاديين أن مشكلة الانسان - والعامل بالخصوص - تحل بالرفع من الاجور . وهذا رأى مردود لأن حاجات الانسان تتغير وتزيد ، إذ كل زيادة فى الأجر تخلق حاجات جديدة
ولا يخفى على أحد ان الحضارة الصناعية خلقت مشكلة الهجرة من الريف إلى المدن الصناعية ، ونتج عن هذه الظاهرة ان شعر الفرد بالوحشه والغرب والعزلة ، وهذا الشعور بالاغتراب Alienation أدى الى الثورة والتمرد على المجتمع .
ويرى دوركيم Durkheim ان ذاك الشعور بالاغتراب يؤدى الى الانتحار ، فهو يرى فى بحث قام به أن انعدام الشعور بالانتماء الى الجماعه العاملة وشعور العامل بالعزلة الاجتماعية قد يؤدى الى الانتحار ، وأثبت بالفعل أن الانتحار يتناسب تناسبا طرديا مع درجة التصنيع . . .
رحم الله زمانا كان الانسان يقتنى فيه ما يحتاج اليه فقط ، اما اليوم فقيمة الفرد ومكانته رهن بنجاحه المادى وقدرته على استهلاك حاجات كثيرة وامكانيات قليلة ودعاية تمزقه تمزيقا عنيفا .
رحم الله زمانا كنا نؤمن بالقدر المحتوم . أما اليوم فأجهزة الدعاية الضخمة قد ملكت على الانسان يده وافتكت ما له من حيث شعر أو لم يشعر
قالوا بالتصنيع تحل مشاكلكم الاقتصادية . ولكنهم خلقوا لنا مشاكل نفسية لأنهم ظنوا أو اعتقدوا أن الانسان يعيش بالخبز وحده
قديما قال السيد المسيح : لا يعيش الانسان بالخبز وحده . لكن الحضارة قالت لا بد من مسايرة التقدم العلمى والتكنولوجيا المادة وما أدراك من المادة
هذا صحيح ولكن قدرة الانسان لم تستطع أن تساير هذا التقدم السريع فلكل أمة إطار حضارى خاص ، وكل تغيير فى هذا الاطار يصيبها بالزلزلة " فكل تغير اجتماعى يكون بمثابة فطام اجتماعى وكل فطام أزمة " . كل . يهب ويدب ينذ ربفطام فكانت صراعات ممزقة .
ففى الأسرة الواحدة نجد جيلين مختلفين كل يؤمن بقيم تخالف ما يؤمن
به الآخر وكل فى ارتباك فى اختيار المعايير . انهار الوالدان وضعفت قوة الضوابط الاجتماعية وأصبح الفرد يشق طريقه بنفسه وكأنه يحفر مستقبله فى الصخر . ضعف الأب وأصبح لا يمثل قيمة من القيم وفقد الشاب شعورهم بالأمن فكانت العزلة والاغتراب . كل يوم تسمع موجات من الالحاد ، والغريب أن العلم أثبت عجزا فادحا فى حل مشاكل الانسان الاخلاقية ، إنه لم يقدر ان يقدم للناس " فلسفة حياة يسيرون على منوالها . زخرت الدنيا فيما مضى بخرافات ومعتقدات دينية واهية وزخرت فى العصر الحديث بهموم ومتاعب ومشاكل وقلق
ان الشخص المحترم هو من جمع ثروة ولكن هذه ( الثروة ) هى سبب المشاكل . ترى كارن هورناى Karen Harney الامريكية ان الحضارة الحديث تزخر بشخصيات عصابية معتلة يمكن ان ترد الى صراعات ثلاثة نجمت عما سود النظام الرأسمالى من متناقضات
1- صراع بين التنافس المصطبغ بالتحدى والعدوان ، وبين ميل الفرد الى مجاراة الناس والظفر بمحبتهم ، وولائه للمبادئ الديمقراطية 2 - صراع بين ما يريده الفرد وما يقدر عليه
3 - صراع بين ما يتوهمه الفرد من أنه يحظى بقوة وحرية لا حد لهما ، وبين شعوره بالعجز وقلة الحيلة فى هذا العالم المصطخب المفعم بالقيود والسدود .
مرض المجتمع فمرض الانسان . أمراضه نفسية واجتماعية ، إنها هزيمة فى معترك الحياة . هستيريا ، ونوراستينيا ، ووسواس ، وجنون ، ومخدرات ، وجرائم . . . إنه تصدع وانهيار
يقول ردليش Redlich أحد أطباء النفس الامريكين ان نسبة المصابين بعقولهم تساوى 42 % من مضطربى الشخصية ، وان عدد المجانين يزداد بصورة مهولة . أما الطلاق فحدث عن ذاك ولا حرج فهناك حالة طلاق فى كل أربع زيجات
رحم الله زمانا كان الطالب فيه يحترم أستاذه ويقبل بجد على العلم . أصبح الاستاذ يخاف الطالب ، وما حركات الطلاب فى العالم إلا " حركات احتجاج عنيف على شرور الثورة المعاصرة فى العلم والتكنولوجيا ومفاسدها وتمرد
سافر عنيف على فكرة الانسانية كما رسمها لهم مجتمع الاستهلاك ، ودعوة صارخة الى المطالبة بحرية الفرد وحقه فى الخلق والابتكار ، لا التبعية والاذعان . . . "
ظن قوم ان ثورتهم اقتصادية ولكنها فى الواقع ثورة نفسية . ما كان طالب الامس يعرف التهور والاندفاع وراء اللذة والتمرد على كل سلطة أو نظام ، والاستخفاف بالقيم واعتناق المذاهب المتطرفة ، واحتراف البغاء قالوا اننا نريد تغيير الواقع الاليم ، إذ هم لم يستطيعوا الانسجام مع معطيات مجتمعاتهم ، بل رفضوها رفضا .
وقال قائلهم : إن الكبت الجنسى هو أساس كل بلاء يصيب الانسان ، وكنتيجة لهذه النظرية الهدامة اتجه الانسان المعاصر الى اشباع هذه الغريزة ، ورأى عن وعى - أو لا وعى - أن الخلاص لا يكون الا بالتحرر الجنسى والاباحية اطلاقا .
قال هربرت مركوزة H Marcuse الزعيم الروحى لحركات الطلاب فى كتابه الايروس والمدنية " : إن تحرير المجتمع لا يتم الا بتحرير الغريزة الجنسية من كل ما أحيطت به من حواجز وقيود . . . والكبت الجنسى يعطل الانتاج ويعوقه . وكنتيجة لهذا الانحراف الجنسى تمرد الانسان المعاصر على غريزة الجنس نفسها وعلى الوالدين والقانون والدين والمجتمع
كان الانسان قبل قرن يخاف أخطارا مادية أما اليوم فأخطاره نفسية ، وقد تبخر الادعاء الذى يزعم ان العلم قادر على حل مشاكل الانسان
تقدم العلم على حساب الروح فكان الدمار والخراب وكانت الصيحات تتعالى : ! Si Dieu n' existe pas il faut le creer إذا لم يكن الله موجودا لا بد من إيجاده وخلقه !
موقف العالم الثالث من أزمات المجتمعات المتحضرة :
قال ابن خلدون ان البداوة طور طبيعى يتقدم طور الحضارة . فنحن مجتمع بدوى سننتقل حتما الى مجتمع متحضر ، وسنصطدم - ان لم نقل اصطدمنا فعلا - بالأزمات التى يتخبط فيها الغرب والتطور هنا حتمى Determisme .
سبقنا الغرب فعقدنا العزم على الالتحاق به وها أننا نسعى جاهدين لنعمل بالاسباب التى جعلت أوروبا - بالخصوص - تفوقنا . وأخذنا الغث والسمين . هم الغالبون ونحن المغلوبون . وكنتيجة لهذا يقول ابن خلدون فى مقدمته :
" ان النفس أبدا تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت اليه . . . وانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به . . . ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبدا بالغالب فى ملبسه ومركبه وسلاحه بل وفى سائر أحواله . . . حتى أنه اذا كانت أمة تجاور أخرى ولها الغلب عليها فيسرى اليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير . . . " .
وليس عيبا أن نأخذ من أهل الغرب الاسباب التى جعلتهم يتقدمون وانما العيب ألا نفرق بين الغث والسمين ، وسوف نقع فيما وقعوا فيه أحببنا أم كرهنا . إنها حتمية التاريخ !
