الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

مؤسسة الفندق في المدينة العربية العتيقة

Share

كثيراً ما نلتقي أثناء المطالعة بمؤسسات عمرانية في المدينة العربية القديمة ، أو خارجها ، كان لها دور له أهميته في الحياة الاجتماعية ، أو الاقتصادية ، مع إنها لم تبرز في مجالات البحث بروزا يوضحها ، ويكشف عن الرسالة التي كانت تؤديها ، فنتعرف من خلال ذلك عن تلك المؤسسات : عمرانياً ، ووظيفياً ، وتاريخياً ، ومدى تأثيرها في الحضارة العربية عبر العصور .

إن المؤسسات التي أعنيها هى الخان والفندق والوكالة وتأتى بعدها وإن كانت أقدمها حسب بعض النظريات . ويمكن أن تندرج جميعها تحت عنوان (المؤسسة الفندقية )

لقد عاشت المؤسسة الفندقية طويلاً صوب أطراف اجتماعيين كثيرين مثل التجار والصناع والسياح والزوار وغيرهم ممن كان يهوى التنقل والأسفار ثم أتى عليها التطور الحضاري بعد ما تعرضت له . خلال القرون من إهمال وترك وتخريب وإندثار بأسباب عديدة منها الفتن والحروب ، فالغزو والخطوب فاختلست فنياتها العمرانية لتكون لقاحاً لمنشآت أخرى .

تعرض بعض الدارسين لبعض هذه المؤسسات غير إنهم لم يفرقوا بينها ومنهم من يراها أسماء متعددة لمدلول واحد ، ومنهم من يشبهها بالأسواق الكبيرة أو يعتبرها كذلك . قال : الدكتور حسن إبراهيم حسن : " خصصت فنادق للتجار الغرباء كانت تشبه الأسواق الكبيرة وكانوا يضعون بضائعهم في أسفلها ، وينامون فى أعلاها ، ويغلقون غرفهم بأقفال رومية ، ويطلقون على

هذه الأسواق أو المخازن الفنادق ، أو القياصر ، وهناك خانات أو مخازن كبرى "

إن هذا التفسير يبعدنا عن فهم هذه المؤسسات ، وما كان لها من تأثير في حياة المدينة العربية . ويجعلنا نتصورها تصوراً غامضاً - إن لم يكن خاطئاً - من حيث هندسة بنائها وتصميمها وما كان لها من اختصاصات عمرانية .

نعم إن الفندق والخان والوكالة تتقارب وظيفياً ، تقارباً بارزاً ، لكنها أشمل من الأسواق وظيفياً ، وعلاقتها بها أكيدة فهما أعنى السوق والمؤسسة الفندقية تربط بينهما مصلحة واحدة : التبادل التجاري ، بين تاجر السوق القار والتاجر المتنقل بين الأقطار . ولزيادة البيان نتناول البحث قاعدياً مع  إن الأسماء الإصطلاحية في حاجة للشرح .

الفندق والخان :

لم يفرق علماء اللغة بين الفندق والخان تفريقا يذكر ، بل شرحوا المفرد بالمفرد ، ولم يرد مرادف لإحدى الكلمتين :

جاء فى القاموس : ( الفندق كقنفذ خان السبيل ) (2 ) وقال ابن منظور :  الفندق الخان فارسي حكاه سيبويه (3) وفي تهذيب اللغة : ( قال الليث: والفندق أيضاً بلغة أهل الشام خان من هذه الخانات التي ينزلها الناس مما يكون في الطرق والمدائن (4) ( ونقل عن الفراء أنه قال : ( سمعت أعرابياً من قضاعة يقول فنتق للفندق وهو الخان ) (5) ( نفهم من هذا إلاجماع أن الكلمتين مترادفتان ، وأن كلمة خان فارسية حسبما نص سيبويه وأكده العسكري ) (6)

وهناك أيضاً من قال بفارسية كلمة فندق ، إلا إننا - إن صح هذا - نراها أسبق إلى لسان العرب من كلمة خان....

يرجح الأستاذ برهان المياح أن كلمة خان اشتقت من الكلمات الفارسية الآتية : ( خانة - خانات - حانة ) إلا أن هذه الكلمات تعطى معنى البيت أو الموضع سواء كان للسكن أو لراحة المسافر ) ( 7 ) .

وهذا التأويل لا حاجة به لأن كلمة خان تطلق على الحانوت أو صاحبه كما في القاموس ، وقال العسكري : الحانوت بيت الخمار ثم كثر حتى صار كل بيت يباع فيه شئ حانوتا ( 8 ) وبما أن الخان هو بيت كبير يباع فيه ويشترى فهو حانوت كما نص في القاموس.

واستعمل الأتراك كلمة خان بمعنى بيت أو دار من ذلك تسميتهم لإدارة الأملاك العقارية ( دفتر خانة ) أي دار الدفتر ، وإدارة البرق ( تلغرافخانة) أي دار البرق ، حسب قواعد لغتهم في تأخير المضاف على المضاف إليه ونجده حول إلى لقب سلطان من ذلك ما نقرأ على النقود التركية ( السلطان عبد العزيز خان ) مثلاً .

وإطلاق كلمة دار أو بيت على الإدارة إستعمال عربي من ذلك ( بيت مال المسلمين  و ( دار الأشغال ) و ( دار المواريث ) .

من هذا البيان اللغوي نتحقق بأن كلمة فندق ترادف كلمة خان مع إننا نميل للقول بفارسية كلمة فندق .

وصف ومقارنة :

لم تمدنا المصادر التي وصلتنا بوصف متكامل للفندق أو الخان ، إذ اقتصر جل من تحدث عن المدن العربية على ذكرهما ضمن المنشآت العمرانية للإستدلال على التوسع الحضاري ، لذا فإننا نعتمد في وصف الفندق على فندق ما زال شاخصاً قائم الذات بمدينة صفاقس التونسية هو " فندق الحدادين " وإن كان

بشكله الحالي غير متعمق في التاريخ إلا أن ظرف تشييده الأول أقرب منا لعمارة الفنادق الأصيلة ، كما نعتمد في وصف الخان على الأستاذ المياح فى ضبطه لخان مرجان الذي ما زال موجوداً بمدينة بغداد ، بحيث سنحاول اعطاء صورة متكاملة أو تقرب من ذلك لهذين المؤسستين .

ومن باب الصدف - لا الإختيار - أن تقدم أثرين رغم ما بينهما من مسافات زمنية ومكانية الفندق بتونس والخان ببغداد ، الأول جدد في القرن الثاني عشر الهجري ، والثاني في القرن الثامن الهجري ، ويبدو لي حسبما وصفه الأستاذ المياح أن تشابهاً كبيراً بينهما :

" يعتبر خان مرجان من أجمل الخانات العراقية حيث تتجلى فيه روعة عمارته وتخطيطه ودقة زخاريفه الآجرية الجميلة".

" والجدير بالذكر أن هذا الخان يتكون من طابقين ، الأول يحتوي على 22 غرفة والثاني على 23 غرفة ، وكان التجار والمسافرون يحتلون غرف الخان وكان يجري فيها وفي ساحته عملية البيع والشراء مدة ما يقارب السبع قرون " ( 9 )

أما فندق الحدادين فهو يقع وسط سوق النجارين القديم داخل مدينة صففاقس وهو يمثل شكلاً مستطيلاً له باب كبير يربط بينه وبين ساحته دهليز ( سقيفة ) متسع يبلغ طوله نحو ( 12 م ) تقريباً لصق جداريه الشرقي والغربي دكتان حجريتان يتوسط الأولى باب مقهاة ، والثانية بها حجرة تبدو أنها كانت مكان إقامة صاحبه وباب ثان به أدراج الطاق العلوي ، وساحة الفندق غير مسقوفة مستطيلة الشكل وحولها أروقة مقامة على ( عرصات ) حجرية مربعة تعقد بينها أقواس وتحت الأروقة نحو 22 حجرة وفوق الأروقة ممر به نحو 25 غرفة ، وفي ركن الساحة الشرقي الشمالي نجد حجرة تبدو أنها كانت للمرافق الضرورية وإلى جوارها باب ينهي إلى فناء مستطيل يبلغ عرضه نحو سبعة أمتار تقريبا يبدو أنه كان يستعمل إصطبل دواب ، ويتوسط ساحة الفندق صهريج للماء ( ماجل ) .

وكان بصفاقس فندق آخر يدعى ( فندق الباي ) لا يبعد عن هذا تصميماً وهندسة إلا أنه كان مسقوفاً وله مدخلان .

فإذا نظرنا بين فندق الحدادين وخان مرجان نجدهما يمثلان شكلاً يكاد يكون موحداً تصميماً وهندسة إذ كل واحد منهما يرتكز على ساحة واسعة حولها حجرات تحت أروقة وفوقها ما يماثلها .

مكان الفندق أو الخان من المدينة :

قبل أن نتحدث عن الوظيفة التي كان يقوم بها الفندق وما شابهه يتأكد أن نتعرف على المكان الذي كان يحتله من المدينة لنتصور الدور الذي كان يلعبه وظيفياً .

ذكر المقريزي في خططه عدداً من فنادق مدينة القاهرة وخاناتها مثل ( فندق العادل ) و ( فندق الزمام ) و ( فندق الدبابليين ) وأخبرنا أيضاً : أنه على عهد الملك الناصر بن قلاوون اتصلت عمائر القاهرة ومصر فصارت بلداً واحداً يشمل البساتين والمناظر والقصور والدور والقياصر والأسواق والفنادق والخانات والحمامات ( 10 ) .

ونفهم من هذا ان المؤسسة الفندقية كانت تركز في الأماكن الحساسة من المدينة العربية القديمة ، وتعد من المنشآت الاجتماعية الحضارية ذات الدور الإقتصادى الهام .

ويحدثنا الأستاذ برهان المياح في بحثه القيم عن خانات بغداد التي بلغت 118 خان ونجد جلها ينتصب بقلب عاصمة الرشيد وتجاور بعضها بعضاً أو تتواجه أحياناً ، فخان ( الزرور ) يقع بالقرب من ( خان مرجان ) في سوق الخياطين القديم ، وخان ( الدجاج ) كان في سوق العطارين ( 11 )

ونلاحظ من خلال ما وصلنا عن المدن القديمة في عهد إزدهارها أن المدينة كلما اتسع عمرانها كثرت فنادقها وهي أكثر فنادق إن كانت مدينة صناعية كثيرة المعامل ، فمدينة "المرية" أحدى حواضر بلاد الأندلس الإسلامية اشتهرت بكثرة المعامل والمصانع وحدثنا عنها الشريف الإدريسى بانها كانت : " كثيرة التجارات والمسافرون إليها كثيرون وكان أهلها مياسير ولم يكن في

بلاد الأندلس أحضر من أهلها نقداً، ولا أوسع منهم أحوالاً ، عدد فنادقها التي أخذها عد الديوان في التعيين ألف فندق إلا ثلاثين " ( 12 ) .

وأكد هذه الرواية ( الشقندى ) الذي أخبر بأنه : " كان في المرية ألف فندق إلا ثلاثين فندقاً مقيدة في ديوان الخراج " ( 13 ) .

وإذا دخلنا مدينة تونس على عهد بني حفص نجد الكثير من الفنادق أحدث بأماكنها منشآت غير فندقية مثل الفندق الذي شيد بمكانه ( زاوية الشيخ أحمد بن عروس ) ومنها ما حول إلى أسواق مختصة لبعض المنتجات الفلاحية كفندق الزيت وفندق الفحم وفندق الملح (14) وكان الأمير حسين باي مؤسس الدولة الحسينية شيد المدرسة المنسوبة إليه فوق أرض كان بها فندق ، وأحدث خانين داخل باب منارة قرب سوق السكاجين وخانا قرب سوق الشواشين كان أحسن الخانات ( 15 ) وشيد أبنه علي باي خاناً بمدينة صفاقس التي كان بها  فنادق عديدة وسط الأسواق منها فندق الفخارين وفندق الخراط ( 16) وفندق عباس بل كان ما بين نهج ابن خلدون الآن وسوق النجارين يدعى - قديماً - ( حومة الفنادق ) لكثرة ما كان به منها هذه أمثلة أوردناها من جهات مختلفة لتقرير ما نحن بصدده لا للحصر .

وظيفة الفندق :

مما مر بنا علمنا أن الفندق وما في حكمه كان يحتل أمكنة اقتصادية حساسة داخل المدينة العربية ، إذ نجده بالأسواق التجارية والأحياء الصناعية أو على مقربة منها وذلك - فيما يبدو لنا - لما بين السوق والفندق من علاقة وظيفية وثيقة ، لأن الفندق يشغله تجار القوافل كلما حلوا بمدينة بما معهم من بضائع الأقطار والأمصار فيقتنيها منهم تجار الأسواق ويبيعون لهم من البضائع ما يرغبون فيه وهكذا تعامل وتبادل بين الطرفين .

وكان تجار القوافل بوردون ويصدرون ، وفي الوقت نفسه يحملون معهم ما يحملون من رسائل الأهل والأصدقاء أو الوثائق الهامة أحياناً وينقلون أخبار ! المدن التي نزلوا بها أو صدروا عنها ، بحيث أن مهمة هؤلاء التجار كانت هامة جداً ، لأنهم سفراء اقتصاد ، ورواة أخبار ، مما جعل أنه لا يقوم بعملهم إلا من كان له حنكة وتجربة ، وذكاء ، وقوة بدنية ، وشجاعة فؤاد . . لأن عملهم يقتضي ذلك ، ولأنهم يقطعون البراري والقفار وكثيراً ما يتعرضون لأعظم الأخطار .

لقد كانت القافلة تحل بالفندق فيشغل تجارها الحجرات السفلى بما اصطحبوا معهم من البضائع والتحف ، ويقيمون بالغرف العليا بينما الإبل والدواب تناخ وتشد بإصطبل الفندق أو بساحته إن لم يكن به إصطبل ، وكانت تعقد صفقات البيع والشراء تحت أروقة الفندق أو في ركن من أركان ساحته ، وكانت كلما حلت قافلة تجارية أسرع إليها تجار الأسواق المجاورة الفندق فتجدد الروابط والعلاقات ، وتروي الأخبار ، وعلى الأخص خلال الأسمار. وتعدد الفنادق في المدينة الواحدة دليل على كثرة القوافل التي كانت زد عليها ، وبرهان عما كانت عليه تلك المدينة من نشاط اقتصادي ، ووفرة غنتاج بهدف تجار القوافل لتصديره في طريق العودة.

كذلك تتصور الفندق في المدينة العربية في القديم ، وكذلك نفهم وظيفته ، وتفاعلها مع التجار والصناع وتلاقحها مع الكثيرين من الفئات الشعبية التي لها صلة بالتجارة أو الأسفار أو رغبة في التعرف على أحوال الشعوب والبلدان .

إن المؤسسة الفندقية أكثر شمولاً من السوق لأنها مستودع بضائع ومحل إقامة وسكن ، وسوق عامة ، ومن وظائفه أيضاً رعاية دواب قاصديه وللفنادق وظيفة أخرى اجتماعية لا يمكن نسيانها أو التغافل عنها أعني بها ما يوفر لصاحبه من دخل لأن الفندق يكون مؤسسة خاصة يستثمر دخلها مؤسسها  ومالكها أو مؤسسة عامة تصرف مداخلها في مشاريع اجتماعية تعود على ثلة من الشعب بالخير والنفع وتكون من مؤسسات الدولة أو الحكومة وتستفيد منها خزينتها .

تطور الفندق :

تعرضت الفنادق خلال القرون إلى تطور جعلها تقتصر على بعض ما كانت تؤديه من الوظائف ، ونلاحظ هذا بتونس العاصمة وبغيرها ففي القرن التاسع الهجري نجد تحول عدد من الفنادق إلى أسواق تباع فيها بعض المنتجات الفلاحية منها فندق القمح وفندق البياض ( الفحم ) وفندق الملح وفندق الخضر

وصار اليوم يدعى ( فندق الغلة ) ( 17 ) ونجد بعد هذا الظرف بصففاقس فندق المحصولات الذي صار يدعى فندق السعي ( الماشية ) وبعض الفنادق تحول إلى مصلحة إدارية كفندق الزمام بالقاهرة ، ومنها ما حولت حجراته وغرفه إلى نوع من الصناعات مثل فندق الحريرية بتونس العاصمة وفندق الحدادين بصفاقيس وفندق الجلود بالقاهرة وصار يدعى قيسارية الجلود بينما جل الخانات المتبقية حولت إلى أسواق تجارية ومن ذلك خان الخليل بالقاهرة وخان مرجان ببغداد ثم نرى الفندق في العهود القريبة حول إلى مستودع للدواب وصارت كلمة فندق تطلق على ذلك واشتق منها ( الفنادقي ) أي صاحب الفندق الذي يرعى الدواب به وكانت بعض الفنادق في مسالك السفر تحولت إلى قرى مضافة إلى أسم مؤسسها مثل ( قرية فندق ريحان ) التي كانت بين مدينة نونس وحمام الأنف ، وقرية ( فندق شكل ) وكانت تبعد عن تونس بنحو مرحلة ( 18 ) وما زالت قرية ( فندق الجديد ) ماثلة .

بما إننا تعرضنا بالذكر والوصف لفندق الحدادين أثناء البحث فمن المفيد أن نسجل في خاتمة هذا الفصل ما عرفناه عن هذا الفندق ، وتقدم آراءنا فيه خصوصاً وهو الفندق الوحيد الذي سلم من ايدي الإنسان والزمان ووصلنا على صورة واضحة الهندسة والتصميم

فندق الحدادين :

يقع هذا الفندق داخل الباب الجبلي بمدينة صفاقس وسط سوق كانت تدعى ( سوق النجارين )ثم حولت بعض دكاكينه إلى صناعة الحديد فصار يجمع بين صناعتي النجارة والحدادة ، ولم نعثر داخل هذا الأثر على ما يفيدنا عنه شيئاً ، وربما تكون بعض جدرانه تحافظ على نقيشة تؤرخ له وحال بيننا وبينها الطين والكلس ، ولا نستبعد ذلك لأننا نجد واجهة باب الديوان الداخلية أحدثت في الظرف الذي أعيد فيه بناء هذا الفندق وقد أرختها نقيشة فوقة . والشيخ محمود مقديش الذي أرخ للكثير من المنشآت الصفاقسية لم يذكر هذا الأثر، وقد أطلعني صديقي ( الأستاذ علي الزواري ) على وثيقة مؤرخة فى شهر ربيع الثاني عام 1062 ه . مذيلة بعقد العدلين المرحومين : ( عبد السلام الشرفي- وأحمد السماوى ) نفهم منها :

2 ( إن هذا الفندق في تاريخ تحرير الوثيقة كان خراباً يحده غرباً رحبة الذبح وقبلة الخراط وغيره وشرقاً عباس ، وجوفاً مخازن .

2) إنه على عهد بني حفص ( 625-981 ه ) كان فندقاً وقفا على برج ( الكرك ) المجاور لمقام سيدي منصور خارج صفاقس من الشرق ( 19 ) ثم حول جزء منه إلى صناعة الفخار وصار يدعى ( فندق الفخارين ) .

هذا ملخص ما جاء بالوثيقة المذكورة عن الفندق ، لكن فى أي سنة أعيد بناؤه على الصورة التي نراه عليها اليوم ؟ فمن المحقق أنه شيد بعد تاريخ الوثيقة والغالب على الظن أن ذلك كان خلال القرن الثاني عشر الهجري لأننا نجد تجاوباً فنياً هندسياً بينه وبين بقية أثر ثان ما زالت بقيته شاخصة ؟ أعنى به المدخل الرئيسى ( لسراية السبعي) وقد كانت بطريق المهدية على بعد تسع كلمتر من المدينة وما زال مدخلها الرئيسى قائم الذات ويتكون من باب كبير ينتهى إلى دهليز ( سقيفة ) تعلوها غرفة كبيرة ، فبين هذا الأثر وباب الفندق ودهليزة تشابه كبير من حيث طابع البناء وهندسته بل حتى في نوع بنائه وكل متأمل فيهما لا يشك بأنهما أنجزا في عصر واحد على يد صانع واحد ، وسراية السبعي شيدها أحد أبناء السبعي الذين تولوا ( القيادة ) على صفاقس في عهد الأمير حسين باي مؤسس الدولة الحسينية وعلمنا من خلال الوثائق أن :

( أحمد السبعي) كان قائداً ( والياً ) على صففاقس سنة 1138 ه . ( الحاج حمودة السبعي ) كان ( قائداً) بصفاقس سنة 1142 ه .

ومن جهة ثانية أن هذا الفندق يشبه إلى حد ما ( فندق الباي) الذي كان خارج باب الديوان وكان بناؤه سنة 1189 ه . ونرى الشبه بينهما في كل ما يتعلق بالهندسة والتخطيط إلا أن فندق الباي كان له مدخلان ومسقوف الساحة بينما فندق الحدادين له مدخل واحد وغير مسقوف الساحة .

ونستنتج من هذا أن فندق الحدادين يرجع بناؤه إلى أواسط القرن الثاني عشر الهجري وبني بعده بقليل ( فندق الباي ).

اشترك في نشرتنا البريدية