ألف الاديب الكبير البحاثة الصديق الاستاذ عبد القدوس الانصارى . . - بفتح فكسر ففتح - البحث الدقيق . . والتحقيق العميق ، فى كل خطواته العلمية والادبية فلا يضع قدمه الا حيث يرى . . ولا يرى الا حيث يريد وضع قدمه .
الف هذا واعتاده كما يعتاد الانسان ويألف الاكل والشرب ، واستنشاق الهواء ، واستقبال أشعة ذكاء . . فكان من نتيجة ذلك التصاعد الذي يسير مع منهله الذى بلغ من العمر خمسا و ثلاثين سنة . . وكان من نتيجة ذلك هذه المؤلفات التى ألفها واحتلت فى دنيا الادب والعلم مكانها اللائق بها في المكتبة العربية. وللانصارى : معجبون كثيرون باسلوبه الكتابى الادبى . . ففى أسلوبه رشاقة، وعذوبة ، ويسر وسهولة ، واشراق ووضوح . . وفى أسلوبه ترابط متصل الحلقات فى الالفاظ والجمل والمعانى فهو عندما يبدأ كتابة موضوع وينشره يأخذ بيد القارئ فلا يتركه القارئ حتى ينتهى من بحثه ويخرج بنتائج افكاره التى تألقت فى صحفه المنشرة - بتشديد الشين - .
١ - تاريخ العين العزيزية
ولا أذهب بعيدا . . تعال واقرا معى مقدمة كتابه الذى صدر هذه الايام ( تاريخ العين العزيزية بجدة . . ولمحات عن مصادر المياه فى المملكة العربية السعودية ) تعال نقرأ معا هذه المقدمة . . فما اشك بانك ستشعر معي بهذا الشعور الذى أبى الا أن يخرج مرسوما فى هذه الكلمة التى وصفت اسلوب الاديب الكبير الانصارى.
ثم مر بالكتاب واقرا ما كتبه عن مصادر المياه فى المملكة العربية السعودية قديما وحديثا فستجد الدقة فى البحث ، والعمق فى التحقيق . . والصبر على استيعاب مصادر موضوعه حتى لا يكاد يخطر فى بالك
لا وتجده فى البحث . . ثم انتقل الى ما كتبه عن مشروع العين العزيزية بقسميه : الفاطمى . والخليصى . . وكل ما أحاط بالمشروع - منذ افتتحه واسسه جلالة الملك الراحل عبد العزيز آل سعود رحمه الله حتى يومنا هذا - من خطوات فنية ونتائج اجتماعية وتوسعية وترفيهية . . انتقل الى هذا واقرأ الكتاب . . وانظر الى فهارسه فستجدني لست مبالغا فيما وصفت فى الكتاب قد صدر فى ٤٧٥ صفحة بما فيها ( ٢٩ ) صفحة للفهارس والخرائط.
وتاريخ العين العزيزية . . جاء امتدادا لتاريخ جدة الذي ألفه الاستاذ الانصارى واصبح مرجعا هاما لهذه البلدة النامية المتحركة دائما الى الامام . . وكان لا بد أن يؤرخ للعين العزيزية من أرخ لجدة . . وكنت اتمنى هذا وتحدثنى به نفسى . . ومع صداقتى الوطيدة بالاديب الانصارى واجتماعاتنا المتوالية . . واعتناقى هذه الامنية فاننى لم أعلم ان الانصارى يؤلف عن العين العزيزية حتى اعطى هذا الكتاب الى المطبعة قبل مضي شهرين . . ولقد علمت انه لم يبح بالفكرة لأحد ما الا بعد المباشرة فى الطبع وقال لى : انه اعطى عهدا على نفسه ونفذه.
٢ - بين التاريخ والآثار
وكتاب بين التاريخ والآثار . . عنوانه يتحدث عنه وهو - كما قال المؤلف - حصيلة دراسات متوالية للتاريخ والآثار استمرت اكثر من ثلاثين عاما . . وقد بدأ هذا الجهد بالمدينة المنورة فمكة وجدة ، والطائف، والرياض ، والخرج ، والدرعية ، وتيماء .. والبحرين ، والكويت ، الأردن ، وسورية . ومصر ولبنان ، وقد توج دراساته التاريحية الاثرية ببحوث موغلة فى العمق وبصور
دار الذى والصور والنظر والنقوش.. وقد بذ ، مسذه الصور( ٣٥)صورة للنقوش والخطوط والصور والمبانى الاثرية فى ربوع المدن والبلدان والصحارى التى زارها المؤلف وناقشها وترجمها وأرخ لها .
واذا قمت بجولة فى الكتاب فانك تنسى نفسك ويخيل اليك انك تعيش مع الذين احدثوا تلكم الآثار وبنوها ثم تركوها لنا لنكتب ونورخ لها . . وانك لتجد مع ذلك متعة نفسية وعظات تصل اليك وتصل اليها عبر التاريخ.
وخذ مثلا تحقيقات المؤلف الفاضل عندما تكلم عن مدائن صالح وآثارها قال : (( كان مؤرخو الاسلام ورحالوه وعلماؤه يرون ان البيوت التى نقرت فى جبل أو جبال مدائن صالح هى بيوت كانت معمورة باحياء الثموديين الذين نحتوها ، وبذلك فسروا قوله تعالى- فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا- وبذلك فسروا الآية الكريمة الاخرى - واذكروا اذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم من الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون من الجبال بيوتا - فخواؤها اى فراغها منهم بعد هلاكهم ، دليل صارخ على سكناهم فيها فى حياتهم . . بل ان الرحالة الاسلامى الاصطخرى صرح بان بيوت مدائن صالح هى مثل بيوتنا وذلك عقب مشاهدته لها . . اما الرحالون المستشرقون الغربيون فرأيهم كان خلاف ما ذكر ، انهم يرون أنها كانت مقابر للاموات ولم تكن مساكن للاحياء . وقد أخذ برأيهم من جاء بعدهم من مؤرخى العرب وكتابهم معرضين عما أجمع عليه علماء ومؤرخو اسلافهم . .
ورأى الاستاذ المؤلف القائل بأن بيوت مدائن صالح منحوتة فى الجبال هى مساكن احياء ، يتمشى مع رأى مؤرخى الاسلام ورحاليه
وعلمائه . ورأى المؤرخ الاصطحرى . . وناقش اعضاء نادى البحر الاحمر الذين زاروا هذه البيوت سنة ١٣٨٤ ه ١٩٦٤ م وكتب بعضهم فى بعض الصحف المحلية آراء النادى وهى ان منحوتات مدائن صالح لم تكن منازل للاحياء وانما كانت مقابر لامواتهم ، ويؤيدون رأيهم بالضيق الموجود فى تلك البيوت ثم بما أورده الرحالون الغربيون فى كتب رحلاتهم ومقالاتهم . ومما كتبه المؤلف فى مناقشتهم قوله :
(( وكنت قد ناقشتهم فى هذا الرأى من ناحية الضيق . . ومن ناحية رأى من سبق هؤلاء الرحالين الغربيين من مؤرخى العرب وعلمائهم الذين هم أعرف بديارهم وآثار اسلافهم واخبارها وألصق بهما ، وأقرب رحما ، وقلت لهم فيما قلت : ان ضيق المنزل لا يقتضى بطبيعته ان لا يكون منزل احياء ففى المدن المكتظة بالسكان وغير المكتظة اليوم نرى مثل هذا الضيق . وفى المدينة المنوره فى بنايانها القديمة التى لا يزال بعضها قائما فى حى الاغوات مثلا ، وفى زقاق الحمزاوى . شئ من ضيق الغرف يتبرم به الساكن وفى أنقاض مدينة الفسطاط بمصر ما يثبت هذه النظرية فان الانقاض الباقية تدل على ضيق فى الغرف والمسألة اذن مسألة اقتصاد وفن وذوق ومقتضى حال وعصر ولنا خير مثال فى بعض شقق العمارات السكنية اليوم فى العالم الحديث )) .
ثم اخذ المؤلف فى مناقشة الموضوع وفقال: انه اطلع على كتاب ( آثار الاردن ) الذي ألفه العالم الاثري ( لانكسترهاردنج ) وترجمه الى اللغة العربية سليمان موسى ثم ذكر المؤلف ما نصه :
((وقد الفيت فى الكتاب ما أكد لى صحة ما ذهب اليه قدامى مؤرخى الاسلام وعلماء
العرب من أن بيوت مدائن صالح هى بيوت سكن لاحياء الثموديين الشماليين خلفاء العاديين الجنوبيين الذين هم ( عاد ) وجيران النبطيين الذين يقطنون بشمالهم أيضا )).
بهذا الاسلوب العلمى الحديث يناقش المؤلف القضايا التاريخية والاثرية فى كتابه ( بين التاريخ والآثار )
وقد بلغت صحف الكتاب ٤٧٦ صفحة منها (٤٠ ) صفحة لفهارس الكتاب العامة .
٢ - حصاد العيد
ومن مؤلفات الاستاذ الكبير عبد القدوس الانصارى هذا الكتاب الذي اسماه )(حصاد العيد ) اربعة ايام مع شاعر العرب عبدالمحسن الكاظمى . . وهو دراسة ادبية لشاعر العرب عبد المحسن الكاظمى - وكما قال المؤلف - ليست دراسة كاملة وشاملة لكل نواحى شاعريته ولكنها تعطى ملامح عن حياة هذا الشاعر وشاعريته وبيئته التى عاش فيها.
افتتح الكتاب بكلمة المؤلف الموجزة ثم بقصيدة رائعة للاستاذ الكبير محمد سعيد العمودى فى ١٨ بيتا من الشعر . . هى فى الواقع . . مقدمة شعرية للكتاب . .ثم تلا ذلك بحث للمؤلف بعنوان تجديد عهد قديم )) . . تحدث فيه كيف ولدت عند المؤلف فكرة دراسة هذا الشاعر.
ومن تتبعى لما كتبه الاستاذ المؤلف عن هذا الشاعر عرفت انه ولد فى بغداد سنة ١٨٦٥ م ونشأ بالكاظمية وانه هوى الشعر صغيرا ونظمه وهو فى السادسة عشرة من عمره وانه حفظ اكثر من اثنى عشر الف بيت من الشعر ولم يبلغ من العمر عشرين ربيعا حتى نبغ فى دنيا الشعر وعالم الادب .
ولما قدم السيد جمال الدين الافغانى الى بغداد منفيا من ايران اتصل الشاعر به واعتنق مبادئه ثم أخرج الافغانى من العراق ونال الكاطمى رشاش من النقمة التى حلت بالسيد جمال الدين فهاجر الى مصر واقام بها طيلة حياته . . وكان الشيخ محمد عبده قد خصص للشاعر عشرة جنيهات لنفقاته ولما توفى الشيخ محمد عبده قطعت عنه وحاول اعادتها فلم يوفق ثم توفى هو ايضا .
ثم تكلم عن مؤلفات الشاعر ، وذكريات وطنه العراق ثم أخذ يتنقل بين شعر الشاعر الكاظمى محللا ، ومناقشا ومفسرا . . وأخذ يبوب ويرتب تلك الزهور الشعرية كما يرتب بائع الزهور باقاتها والوانها ويمر عليها اريج قلمه وأدبه فيفوح طيبها .
اقرأ للمؤلف وهو يعرض أبياتا للكاظمي حيى بها صديقه الاديب سليم سركيس هى :
سركيس حسبك قبة
فضلت بمعناها القبب
بعكاظ ان شئت ادعها
او فادعها نادى الطرب
جمعت بفضلك نخبة
من قادة الرأى النجب
قال المؤلف : (( وبعد أن اضفى بديع الوصف على مجلس سليم عاد فمنحه صافى التقدير :
هل كاتب متفنن
ك ( سليم ) يبهر ان كتب
لبق بتصريف الكلام
يروض منه ما صعب
ثم يمضى فى طريقه محلقا كالطائر الغريد الذي له فى كل خميله مدحات وتغريدات مشجيات على الغصون
ولم ينس فى ( مطوله ) المطربة المحبوكة ان يعرج على وصب الحاله العالمية الراهنة - حينئذ- بالنسبة للغرب المسيطر على الشرق المستعمر - بفتح الميم - فيقول:
انظر الى الدنيا ولا
تعجب لمنظرها العجب
الغرب من يقظاته
كالليث ادرك ما طلب
والشرق من غفلاته كالطفل يلهو باللهب
وقال المؤلف : أنرى الشرق قد زايل اللعب باللهب اليوم ؟ ام ما زال يمارس هذه اللعبة الخطرة ؟ ،
بهذا الاسلوب الرائع المنسق كانت دراسته للشاعر ( ابى المكارم عبد المحسن الكاظمى ابن محمد بن على بن المحسن بن محمد بن صالح بن على بن الهادى النخعى ) وكانت الدراسة نابعة من آثار الكاظمى الشعرية والمراجع الكثيرة التى استوعب المؤلف ما جاء فيها عن هذا الشاعر.
وحصاد العيد : صدر فى ١٣٨ صفحة . .
طبعت مؤلفات الانصارى الثلاثة طبعا انيقا على ورق ابيض جيد وببنط متوسط .
وهكذا خلي حرف عالم الكتب مؤلفات الاستاذ الانصارى فى شهر واحد فكأنما كان على موعد مع القراء وكأنما كان ذلك مقصودا . . فهل يريد المؤلف الفاضل ان يضع بمؤلفاته المقبلة بما فيها تاريخ مكة الذى اشار اليه فى بعض مؤلفاته الثلاثة - ما صنع هذه المؤلفات الثلاثة فنراها فى المكاتب فى آن واحد ؟
( جده )

