الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "المنهل"

مؤلف كتاب النجوم الزاهرة

Share

أستمنح الدكتور مصطفى جواد سماحا واستميحه عذرا فى التعليق على بحثه القيم المنشور فى مجلة " الكتاب " بعنوان : " المؤرخون المصريون المنسيون " بملاحظتين : -

الأولى - ان الدكتور حكم بمجرد اطلاعه على ورود اسم كتاب " النجوم الزاهرة " فى كتاب " الجوهر الثمين فى سيرة الخلفاء والسلاطين " ان هذا الكتاب الأخير لابن تغرى بردى ، لابن دقاق وهذا حكم يعوزه الدليل وينقصه التحقيق العلمى المستوفي لايراد البراهين القوية المدعمة لهذا الراى لأمور منها : ان من الجائز ان يكون لابن دقاق كتاب يسمى "النجوم الزاهرة " غير كتاب ابن تغرى بردى لا سيما وان العصر الذى عاش فيه ابن دقاق قد اشتهر بكثرة التاليف المتماثلة فى التسمية مثل " التبر المسبوك " لعماد الدين صاحب حماة اسماعيل و " التبر المسبوك " للسخاوى و " السلوك في طبقات العلماء والملوك " لبهاء الدين الجندي و " السلوك لمعرفة دول الملوك " للمقريزي و " جواهر السلوك فى الخلفاء والملوك " لابن الجزري و " المسجد المسبوك فى تاريخ الاسلام ودول الملوك " للخزرجى و " فتح البارى شرح صحيح البخارى " لابن رجب و " فتح البارى " للحافظ ابن حجر

ومنها ان ابن دقاق من كبار المؤرخين ومشاهيرهم وحسبك برجل يعتبره الحافظ ابن حجر من مشايخه الذين يثق بهم فى علم التاريخ ويعول عليهم ويرجع اليهم فى هذا العلم بخلاف ابن تغرى بردى الذى اشار الدكتور السخاوى وابن الجوهرى الخطيب فيه من هذه الناحية . . ومنها ان ابن دقاق توفى قبل ولادة

ابن تغري بردى بثلاث سنين على أقل تقدير وإذن فليس من المعقول ان ينسب ابن دقاق لنفسه كتابا لم يوجد ولم يخلق مؤلفه بعد .

ومنها أن حجة المؤرخين فى ذلك العهد العلامة المقريزى قد حكم - فقطع بحكمه قول كل خطيب - بان ذلك الكتاب لابن دقاق حينما قال فيما نقله الدكتور عنه بقوله الذى هذا نصه : ) ومنها ما نراه بالكتاب المرقوم ب ٥٧٦٢ من العربيات بدار الكتب الوطنية بباريس فقد كتب على جلده : " هذا كتاب الجوهر الثمين فى سيرة الخلفاء والسلاطين " لابراهيم بن دقاق مع انه مجموع هو وذيله الذي لتقى الدين المقريزى . فقد جاء فى حوادث سنة ٨٠٦ ما نصه : هذا ما انتهى الينا من تاريخ المرحوم برهان الدين ابراهيم بن محمد بن دقاق رحمة الله عليه وما وصل الينا من كلام غيره فى استقبال سنة سبع وثمانمائة ( اهـ كلام الدكتور وغريب - وأيم الحق - ان يقع فى مثل هذا التناقض العجيب فينفي اولا صحة نسبة ذلك الكتاب لابن دقاق ثم يعود فيورد من الأدلة ما يثبت مانفاه !

الملاحظة الثانية : - أليس من الجائز أن نعكس قضية الدكتور المتعلقة بكتابي " الجوهر الثمين " و " النجوم الزاهرة " فنعود بعد ان ايدنا صحة نسبة الأول لابن دقاق الى القول فى نسبة الثاني لابن تغرى بردى وهل هذه النسبة صحيحة أم لا !

إنني أميل إلى أن أصل " النجوم الزاهرة " ليس لابن تغرى بردى وإنما اثر ابن تغرى بردى فى ذلك الكتاب لا يتجاوز التعليق على بعض الحوادث والأخبار بكلام موجز محدود . وها هى الوسائل التى جعلتها ذريعة الى هذا الراي

١ - ان بعض معاصرى ابن تغرى بردى من المؤرخين طعنوا فيه من الناحية العلمية وجهلوه ونسبوه الى عدم التحقيق بل بالغوا فى ذلك حتى زعموا أنه لا يحسن مبادىء الكتابة العربية وان اسماء المؤلفات المنسوبة اليه ليست من وضعه بل من وضع الشيخ قاسم بن قطلوبغا الحنفي

٢ - ان صاحبه وتلميذه و " صنيعته " احمد بن حسين التركمانى المعروف بابن المرجى ترجمه ترجمة بالغ فيها فى مدحه والثناء عليه وقد عد مؤلفاته ولم يذكر فيها " النجوم الزاهرة " ) ١ ( وكذلك الحافظ السخاوي فانه لم يذكره ايضا . وقد ذكره من ضمنها ابن الجوهرى الخطيب فى الترجمة التى نقلها الدكتور من تاريخه ونشرها ضمن مقاله . وذكره ابن اياس فى تاريخه ولكن الخطيب وابن إياس من ناحية العلم وسعة الاطلاع لايقاسان بالسخاوى . اما تعليل عدم ذكر الأولين لذلك الكتاب وذكر الآخرين له فلا يبعد ان يكون ابن تغرى بردى ! يشا ان يشتهر بنسبة ذلك الكتاب اليه لدى انسان واسع الاطلاع كالسخاوى - قد يكون لديه من العلم عن اصل هذا الكتاب ما يكشف به ما يريد ابن تغرى بردى إخفاءه ، ولكنه حينما يامن ذلك يظهر ما يخفيه من نسبة ذلك الكتاب اليه . وإذا كان السخاوى يقول فى حق العلامة المقربزى - وهو هو من حيث التحقيق وسعة الاطلاع - (٢) إنه نقل خططه الشهيرة من مسودة للأوحدى ظهر بها وزاد عليها قليلا آفلا يصح أن يكون هذا القول أكثر انطباقا على ابن تغرى بردى منه على المقريزى ؟ !

٣ - ان قارىء كتاب " النجوم الزاهرة " يلاحظ ان ابن تغرى بردى يورد فى ثنايا القصص والاخبار شيئا من كلامه يبتدئه بقوله : " قلت " و مختمه بكلمة : " انتهى " فلو كان الكتاب جميعه من جمعه وسبكه وتنظيمه وترتيبه لما احتاج الى ذلك مع انه يفعل هذا الفعل بدون اشارة الى ان القول الذى يفصله بكلامه هو من كلام غيره مثال ذلك : / ص ٢٢٧ ج ٧ / " السنة التاسعة من ولاية الملك الظاهر بيبرس على مصر وهى سنة سبع وستين وستمائة : فيها توفي الامير عز الدين ايدمر بن عبد الله الحلى الصالحى النجمي كان من اكابر امراء الدولة واعظمهم محلا عند الملك الظاهر وكان نائب السلطنة عنه بالديار المصرية في غيبته عنها لوثوقه به واعتماده عليه وكان قليل الخبرة لكن رزق

السعادة " قلت " : له أسوة بامثاله . " قال " : وكان محظوظا من الدنيا " . فما الذي أحوجه الى كلمة قلت ؟ : ثم من هذا الذى عبر عنه بكلمة " قال " ؟ !

وفي ص ٢٠٠ ج ٧ / : ) السنة الأولى من ولاية السلطان الملك الظاهر بيبرس البندقدارى على مصر وهي سنة تسع وخمسين وستمائة على انه حكم فى اخر السنة الماضية نحو الشهر " قلت " : ودخلت سنة تسع وخمسين المذكورة وليس للمسلمين خليفة " . . إذا كان هو القائل : ) السنة الأولى ( وما بعد ذلك فما الذي يحوجه الى كلمة : " قلت " ومثل ذلك كثير فى سائر أجزاء الكتاب .

وحينما يذكر وفاة احد من المشاهير يعقبها بقوله " قلت : وقد ذكرناه فى كتابنا المنهل الصافى " ثم يختم كلامه بكلمة ) انتهى ( مع أنه لا ينقل خبر تلك الوفاة عن أحد - أى لا يصرح بالنقل - مثال ذلك / ص ٢٠٩ ج ٧ / : - بعد ذكر وفاة الملك الناصر " قلت " : وقد ذكرنا من محاسنه وفضله نبذة كبيرة فى تاريخنا المنهل الصافى . . إذ هو كتاب تراجم يحسن التطويل فيه " انتهى " الذين ذكر الذهبى وفاتهم " . . وقال مثل ذلك عند ذكر وفاة النووى ص ٢٧٨ ج ٧ / وابن خلكان ص ٣٥٤ ج ٧ / وسبط بن الجوزى / ص ٣٩ ج ٧ / وغيرهم

٤ - يلاحظ المدقق الفرق واضحا بين كلام ابن تغرى بردى الذي يصرح فيه بانه من قوله وبين الكلام الذى نرى أنه لغيره من ناحية الأسلوب . فكلام ابن تغرى بردى ركيك محشو بالاغلاط فى كثير من المواضع ومثال ذلك : ) ص ٣٢٢ ج ٧ ( " قلت : واما طرابلس القديمة كانت من احسن المدن واطيبها ثم بعد ذلك اتخذوا مكانا على ميل من البلدة وبنوه مدينة صغيرة بلا سور فكان مكانا ردىء الهوى والمزاج من الوخم انتهى . ولما فتحت طرابلس كتبت البشائر " . وفي ) ص ٣٢٨ ج ٧ ( - فى الكلام على الملك المنصور قلاوون " ولو لم يكن من محاسنه إلا تربيته مماليكه وكف شرهم على الناس لكفاه ذلك عند الله . . بخلاف زماننا هذا فانه مع قلتهم وضعف بنيتهم شرهم معروف ، ونفعهم عن الناس مكفوف هذا مع عدم التجاريد والتقاء الخوارج وقلة

الغزوات فانه لم يقع فى هذا القرن لقاء مع خارجى غير وقعة تيمور وافتضحوا منه غاية الفضيحة وسلموا البلاد والعباد وتسحب اكثرهم من غير قتال " . وهي ) ص ٩٤ ج ٧ ( : " ذكر سلطنة الظاهر بيبرس . . قلت : اخذ بيبرس المذكور من بلاده ، وأبيع بدمشق (١)

٥ - نجد فى " النجوم الزاهرة " ) ص ٢٢ ج ١ ( : " وقال ابن كثير فى فتح مصر وجها آخر على ما أخبرنا به شيخ الأسلام قاضى القضاة جلال الدين عبد الرحمن عمر بن البلقينى مشافهة باجازته من الحافظ ابن كثير مجموعا من كلام ابن اسحاق وغيره . قالوا . . " والبلقينى هذا قد تزوج أخت ابن تغري بردي ونشا ابن تغري بردى فى حجره . وذكر بعض المؤرخين انه قرأ عليه بعض القرآن . ولكننا حينما نبحث عن وقت اشتغال ابن تغرى بردى بعلم التاريخ نجده حوالى سنة ٨٤٠ ه كما يدل على ذلك كلام السخاوي ووفاة البلقيني كانت سنة ٨٢٤ ه . وحينما نبحث عن مقدار عمر ابن تغرى بردى وقت وفاة البلقينى نجده تسع سنوات وثمانية أشهر . وليس من المعقول أن انسانا فى مثل هذا العمر فى ذلك العصر يشافهه البلقينى بأخبار فتح مصر عن ابن كثير على اختلاف الروايات الواردة فى ذلك وكثرتها ، ويجيز له أن يروى عنه ، ثم يحفظ عنه ذلك ، وهو فى مثل تلك السن - بصرف النظر عما يذكره علماء مصطلح التحديث عن الأجازة وشروطها ومقدار سن المجاز فكثير مما ذكروه لا يقوم امام النقد العلمى . مع اننا نجد ابن تغري بردي لا يذكر البلقيني من شيوخه الذين اجازوه حينما يذكر اولئك الشيوخ . وحينما يتكلم عن البلقيني يختفى بقوله ) ص ١٣٢ ج ٧ ( : فى أثناء الكلام على قضاة الشافعية " قلت : وقاض القضاة جلال الدين المذكور هو صهرى وزوج كريمتى ، ومات عنها رحمهما الله وعفا عنهما "

٦ - روى الدكتور مصطفى - فى مقاله - أن مؤلف " الجوهر الثمين "

- وهو ابن دقاق كما ذكرنا فيما تقدم - قال فى ذلك الكتاب " وتخلف عبد الرحمن الداخل هو وجماعة من ذريته ذكرنا من امرهم نبذة فى تاريخنا النجوم الزاهرة " وقال الدكتور : " واشار الى النجوم فى عدة مواضع " . والقارئ حينما يبحث فى الأجزاء التسعة التى طبعت من ذلك الكتاب يستغرب قلة ذكر ابن دقاق فيه ، فلم يصرح باسمه فيه الا فى موضع واحد ) ص ٢٠ ج ٩ وحينما ينقل المؤلف عن كتاب " نزهة الأنام " لا يصرح باسم ابن دقاق بل يقول : ) ١٧٧ ج ٨ ( : " قال ابن كثير فى تاريخه . . وقال غيره " وهو يعنى بكلمة " غيره " ابن دقاق كما نبه على ذلك المحشي . وفى ) ص ١٧٨ ج ٨ ( قال " وقال صاحب النزهة " . ومؤلف " النحوم " فى هذه المواضع التى أشرنا اليها لم ينقل عنه سوى بضعة أسطر . فكيف يعلل الباحث هذا الأمر ? أم كيف يعلل كون المؤلف حينما يشير الى احد معاصريه يكتفى عن تسميته بكلمتى " بعض الناس " كما فى ) ص ٣ ج ٧ ( وفى مواضع كثيرة غيرها ؟ ! . أما انا فالذى أميل اليه فى تعليل هذين الأمرين هو مبالغة ابن تغرى بردى فى إخفاء " فعلته " فى اغارته على تراث غيره ونسبته ذلك التراث لنفسه . ولعل لابن دقاق من الحق فى نسبة هذا الكتاب اكثر مما لابن تغرى بردى - بعد استثناء زيادات وذيول - هى الصق بابن تغري بردى ، وهو او احد معاصريه احق بها

وبعد : فهذا رأى - كغيره من الاراء - قابل للنقض ، وقابل للقبول والأخذ به ، وسبحان المتفرد بالكمال :

اشترك في نشرتنا البريدية