مات أبو اليتامى والمساكين ، مات أبو الشعب المخلص الأمين ، مات أبو المروءات ، ومفتح الضيافات ، و " مسره " الضيفان . و " مسنع " الغادي والرائحين ، مات مسدد الديون ومفرج الكرب ، مات السخى الوفى . مات العربى الأبى ؛ مات المسلم المؤمن التقى ، مات الرجل الفذ ، مات خليفة الزمن . مات عظيم الدهر .
لقد خلق الله فى هذه الدنيا رجالا هيأ بعضهم للرسالة ، وحضر بعضهم للنبوة . وأعد البعض الآخر للعظمة . وخلق أسباب التهيئة والتحضير والاعداد ؛ فهناك رجل يساوى أمة بأسرها ، بينما توجد أمة لا تساوى رجلا بمفرده . وعظمة الرجال ، تختلف باختلاف البيئة والمحيط والظروف . ومن عظماء التاريخ من كانوا مصدر الهام وخيال للمادحين والقادحين مع انفرادهم بناحية من نواحى العظمة ، أما عظيمنا وفقيدنا المغفور له " الامام عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل " فستظل عظمته مداداً لا يجف لأقلام الكاتبين ؛ وستبقى قصته خالدة مذكورة بالدهشة والاعجاب ، وسيغدو شخصه مضرب الأمثال ؛ ومنبع الالهام والخيال ؛ وسيخلد التاريخ ذكر عبد العزيز الصبي اليافع ؛ وعبد العزيز الفتى المتوثب ؟ وعبد العزيز الشاب المجاهد ؛ وعبد العزيز الأمير القدير ؛ وغيد السلطان الكبير ؛ وعبد العزيز الامام الجليل ؛ وعبد العزيز الملك العادل " وعبد العزيز العاهل الراحل .
ان نواحي العظمة فى هذا الرجل عديدة ومتشعبة ؛ وجديرة بأسفار ومجلدات ، فمادته غزيرة ؛ ومعين الأدب فى تاريخه لا ينضب ؛ فهو عظيم فى مولده ؛ عظيم فى نشأته ؛ عظيم فى دينه واستقامته ؛ عظيم فى جهاده وغزواته ؛ عظيم فى حلمه وعفوه وكرمه ؛ عظيم فى واقعيته وبعد نظره ؛ بل انه لعظم حتى فى موته .
اما عظمته فى مولده ؛ فانه لما كان نطفة فى صلب أبيه ؛ وكانت والدته متزوجة من رجل أصل كريم لكنه عقيم ؛ فغاطبته مراراً ؛ وأعيدت اليه تكراراً ، حتى رفضت آخر الأمر ان تعود اليه ؛ فسألها ذووها في ذلك فقالت : " لا اعتراض لى عليا فهو فى غاية النبل والكرم غير أنه عقيم ، وأنا أشتهى ان يرزقنى الله ولداً يساوى الدنيا
وما فيها " . فطلقت منه كى تتزوج من قريب له لعلها تنجب منه ، ولكن الأقدار تدخلت فى أمر زواجها ، فكانت من نصيب الامام عبد الرحمن الفيصل ، فحملت منه ، ووضعت حملها بالرياض فى ليلة مباركة هى ليلة عيد الأضحى من عام ١٢٩٧ ه ( ٢١ اكتوبر سنة ١٨٨٠ ) م . . لقد جاءها المخاض بينما كان المسلمون فى عرفات يرفعون أكف الضراعة الى الله يسألونه ان يعز الاسلام والمسلمين ، ووضعت حملها بينما كانوا يذكرون الله عند المشعر الحرام فى مزدلفة ، وضعت غلاما سماه أبوه " عبد العزيز " عسى الله ان يعز به الاسلام والمسلمين ، اجابة لدعوة الملبين الذاكرين المتضرعين ، وتحقيقا لرجاء تلك السيدة الكريمة التى أصبح ولدها فما بعد - كما كانت تشتهى - " يساوى الدنيا وما فيها " .
وأما عظمته فى نشأته ، فلان أباه قدر معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " ، وقدر المسئولية الملقاة على عاتقه ، فأخذ يمرنه منذ طفولته على الرجولة والخشونة . ولما بلغ الخامسة من عمره ، عهد به الى محمد بن مرحوم معلم الأولاد بمدرسة مجاورة لمسجد الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف بالرياض ختم كتاب الله فى مدى أربع سنوات ؛ ثم عهد به الى الشيخ عبد الله الخرجى لتفقيهه فى الدين ، تنفيذا للحديث النبوى الشريف : " من يرد الله به خيراً يفقهه فى الدين " . وكان والده علاوة على ذلك ؛ يجلسه فى مجالس الرجال ؛ ويصحبه الى ساحات القتال .
ولما قضى الله على آل سعود ان يغتصب الملك منهم نتيجة تفرقة كلمتهم واختلافهم على الحكم والسلطان بعد وفاة الامام فيصل بن تركى ، وان يلتجىء الامام عبد الرحمن بأسرته وذويه الى الكويت ، أخذ يلقن ولده دروساً فى الدين والوطنية والدعوة الى الله ، ويذكر له العهد الذى كان بين جده محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب ذلك العهد الذى أصبح لآل سعود بسببه شأن وجاه وسلطان ، ويوضح له ما آل اليه أمر آل سعود بسبب اختلافهم وعدم انصياعهم لقول الله تعالى : ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) ، وبذلك ربى الامام عبد الرحمن فى ولده البطولة والرجولة والغيرة على دين الله .
واما عظمته فى دينه واستقامته فلأنه لم يذكر منه أنه ارتكب معصية ؛ ولأنه لم يفرط فى أى ركن من اركان الأسلام طول حياته ، ولأن مجالسه الصباحية والمسائية كانت عامرة بذكر الله من الدروس الدينية فى الحديث والتفسير والحكم الاسلامية ، ولأنه كان يرتجف خشية من الله حين يقول له أصغر صعلوك من رعاياه : " خف الله يا عبد العزيز "
ولأنه كان خاضعاً للشريعة الاسلامية السمحة ، حريصاً على تنفيذ أحكامها ، مستمسكا بأهدابها ، مؤمناً بأن خير المسلمين بل خير البشر أجمعين فى اتباع تعاليم الاسلام وأخلاقه وهدايته . والمعروف عنه - رحمه الله - أنه كان يتهجد فى الليل فى السلم والحرب ولقد قص علي ثقة من الملازمين للمغفور له فى اكثر حروبه وغزواته قصة ان دلت على شئ فانما تدل على قوة ايمان عبد العزيز وشدة تمسكه بخالقه قال :
" كنت فى احدى الحروب اتفقد الخيل نصف الليل ، فاذا بي أسمع عويلا صادرا من خيمة " ابي تركى " فعمرت بندقى ، وتحرت صوت الخيمة ، فوجدت بوابها ابراهيم الحميدى واقفا عند مدخلها ، فسألته : " ما الخبر ؟ قال : لقد سلم أربع تسليمات ،ثم وقف وسط وسط الخيمة يضرع الى الله ويبكى كما تراه ؛ فنظرت داخل الخيمة ؛ فرأيته كما وصف واقفاً رافعاً اكيف الضراعة الى الله يسأله من فضله ويجهش بالبكاء والناس نيام . هذه من علوم أبى تركى الذى هو زبدة الكلام . "
وأما عظمته فى جهاده وعزواته فيكفى لانباتها ما أصبح حديثا مكرراً ؛ وتاريخاً عظيما معطرا ، عن طريقة خروجه غازيا بفئة قليلة معدودة ؛ وبأسلحة ومئونة ضئيله محدودة ، فى طرق بعيدة ممدودة ؛ وعن أسلوب استرداده الملك الآباء والأجداد ؛ بعد جولة في الصحارى والوهاد ؛ تمهيداً للبدء فى الجهاد ؛ وعن توفيقه بعد ذلك فى فتح البلاد ؛ واتساع رقعة المملكة ؛ وتأمين ما كان منها مهلكة ، مما لا تستوعبه هذه الفذلكة ، وعن عبقريته فى تجهيز السرايا وتعيين القواد ؛ وتحديد الزمان والمكان للجولات والصولات وحسن معاملته للغزاة والمجاهدين .
واما عظمته فى عفوه وحلمه وكرمه ، فلأنه كان يمد لمسئ فى حبل حلمه لعله يرعوى من غيه ؛ ولا يؤاخذه فى أول هفواته ؛ ولا فى الثانية ؛ واذا وقع فى الثالثة ثم لجأ اليه ؛ عفا عنه وهو قادر عليه ؛ بل انه قلب كثيرا من أعدائه أصدقاء نتيجة تأليفه لقلوبهم ثم عطفه عليهم واغداق افضال عليهم . ومن رعاياه المتفانين الآن فى الاخلاص والولاء للعرش السعودى المفدى من كانوا حرباً عواناً عليه ؛ مثيرين للفتن ضده على الحدود وداخل البلاد مما كلفه كثيراً من الدماء والأموال ، ثم أصبحوا من المقدمين المرموقين وكانوا من أشد الناس تأثراً بالفجيعة فيه ؛ واكثرهم ذرفاً للدمع السخين عليه .
وأما عظمته فى واقعته وبعد نظر ، فلأنه لم يكن ليقدم على عمل ما لم يطمئن الى حسن نتائجه بعد قتله درساً وتمحيصاً ، ومعروف عنه - غفر الله له - انه لم يكن من رأيه دخول الدول العربية لمحاربة فى فلسطين ؛ بل كان يرى نجدة الفلسطينيين بالمال .
والسلاح والمتطوعين حتى تظل الدول العربية محتفظة بكرامتها فى حالة هزيمة عرب فلسطين ؛ وحتى تكون لها كلمة مسموعة في الأوساط الدولية لحل قضيتهم ، ذلك لانه كان غير مطمئن الى حسن العاقبة ما دامت الدول العظمى تصر على دق اسفين فى بلاد العرب من مشردى اليهود ، ولكنه وافق على اشتراك بلاده فى تلك الحرب مسايرة للجماعة مع احتفاظه برأيه .
وأما عظمته حتى فى موته ، فلأن الله تعالى قد اكرمه بتنفيذ الشريعة الاسلامية فى مراسم دففنه والتعزية فى فقده ، ولأنه أدرك بثاقب فكره وصائب رأيه ان الخلود فى هذه الدنيا محال ، وان كل نفس ذائقة الموت ، وشعر بدنو أجله فعمل على تهيئة خليفه للحكم والسلطان فى حياته .
هذا هو فقيدنا العظيم الذي مات جسده الفانى دون روحه الخالدة مع ارواح الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا . أما ذكراه فستظل حية أبدا ، وأما أعماله من الدنيا فلن تنقطع من الثلاثة المستثناة فى الحديث النبوى الشريف : ( إذا مات المرء انقطع عمله من الدنيا الا من ثلاثة : صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد بار يدعو له ) ترك - غفر الله له وأنزل عليه تشآبيب الرحمة - صدقات جارية من خيراته وحسناته ومبراته ، وترك علماً ينتفع به فى السياسة والحرب والخلق . علاوة على كتب أئمة الدين التى ظبعت على نفقته ؛ وترك أولاداً بارين به يدعون له آناء الليل وأطراف النهار ، أولادا مباركين من صلبه وأولادا معنويين هم كل شعبه ، وأولاداً روحانيين من المحبين فى مختلف العالم العربى والأسلامى .
وبعد فلئن رزئ العرب والمسلمون بفقد العاهل الراحل العظيم ؛ فعزاؤهم أنه خلف بطلا عظما واماما كفؤاً كريما ، وانجب اشيالا غرا ميامن متآخين متحابين متعاضدين
نسأل الله الكريم ان يتغمد الفقيد الراخل برحمته فرضتوانوانه وان يسكنه فسيخ جناته وان يبارك فى خلفه وبضعته والنسخة الاصيلة منه فى خلقه وخلقه امام المسلمين جلالة الملك سعود بن عبد العزيز المعظم ، وان يجعل عهده المديد مقروناً بالسعد والاقبال ويحقق على يديه معظم الآمال ويوفقه لخير العروبة والاسلام وان يشد عضده باخيه سمو الامير فيصل ولى العهد المعظم ويسدد خطاه نحو الرفعة والسؤدد والمجد والله ولى التوفيق والسداد .
