الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

مات العربى الكبادي،

Share

. . . ختمت انفاس شيخنا العربى الكبادى فى اليوم السابع من فيفرى المنصرم المطابق للواحد والعشرين من شعبان من هذه السنة الهجرية سنة 1380 ، وكان مولده سنة 1880 المطابقة لسنة 1298 هجرية . وقد ناهز الثمانين بقليل ، وانها لسن محترمة ، وفى مثلها يقول بعضهم وما ظننته سوى ابى عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ، متوجها الى بعض الرؤساء ، متمنيا له مزيد العز والبقاء

ان الثمانين - وبلغتها                   قد احوجت سمعى الى ترجمان

وقاربت منى خطى لم تكن           مقاربات ، وثنت من عنان . .

 

ولله در الشاعر لبيد بن ربيعة الذى بلغ هو اdضا من الكبر عتيا اذ يقول :

اليس ورائى ان تراخت منيتى     ركوب العصا تحنى عليها الاصابع

ولئن كانت كل حياة ارضية فانية ، وكل نعيم ماديا زائلا بطبيعته ، فلقد نعم شيخنا العربى الكبادى بحياة طيبة هادئة ، وان لم تخل فى النهاية من السقام والضنى الملازمين لعلو السن وتدهور القوى بعمل الليالى والايام .

لقد عاش شيخنا عيشة ارضية طويلة لذيذة هادئة وديعة ، مستمدة بهجتها من ممارسة دواوين الشعر والادب ، ورواية أخبار الشعراء ومناقلة روائع آثارهم فى حصصه التدريسية ومجالسه العديدة اللابسة اثواب الانس والصفاء ، والتى كان كثير من هواة الادب امثالى ، فى نضارة شبابهم ، وجدة اثوابهم ، ينتابونها ، مغترفين من معين ذاك الادب الرقراق ، وقد حبب اليهم ذلك التراث الادبى العربى الخالص ، وزينه فى اعينهم ، ورغبهم فيه ما كان يسبغ عليه شيخنا من رقة طباع ، ودماثة اخلاق ، وظرافة حوار ، وطلاوة بيان ، وفصاحة لسان ، وبراعة القاء ، ورشاقة استطراد ، وتفنن فى الانتقال من روضة غناء الى أيك خضل فينان ، ومن حدائق الاندلس الوريفة الظلال ، الى مجالس بغداد ومفاوز الحجاز فى غوابر العصور . لقد كانت هذه المجالس الكبادية فريدة فى حسنها وبهجتها وفاتن ايحائها بما كانت تأتلق به من صور حية ممتعة طلية من التاريخ الانسانى والتراث الادبى والرصيد الممتع الثقافى ، مما كان يرهف

المشاعر ، ويصقل الاذواق ، ويرق حواشى الطباع ، ويفتح مغالق الآفاق ، ويروض جوامح الاذهان . ولئن كانت هذه الاحاديث منقولة فى معظمها عن كتب معلومة ليست بالمستعصية عن الايدى ، ولا بالممتنعة عن المطالعين ، فلقد كان شيخنا رحمه الله ينفض من فوقها غبار الترك والاهمال ، وينشلها من هوة النسيان ، وينظمها فى عقد مؤنق طلى من ذلاقة روايته ، وفساحة درايته ، ونفخ الحياة فى مواتها ، ويجمع الشتيت من رفاتها .

لقد قيل عنه انه راوية ، ولكننى ازعم انه كان ابعد من الراوية مدى واعمق من ذاك غورا . اذ لم يكن النقل والتسجيل همه ووكده ، بل كان جهبذا حصيفا فطنا ، وكان نقادة خبيرا متنطسا ذا حدس لا يخطئ مواطن الجمال ، وحس مرهف بصير بدقائق المعانى ، وفرائد المبانى وتفهم عجيب لمقاصد الكلام ، وخصائص المنظوم منه والمنثور . فانت لاتنفك معه فى جولة ممتعة مغرية فى اروع واجمل بستان وارف الظلال ، متهدل الخمائل منهمر الجداول مزقزق العنادل مؤتلق الاجواء متضوع عبير النرجس والورد والريحان ، فيه من كل حسن معنى ، ولكل فن منزل ومغنى ، وما ينفك شيخنا يجوس عبره مذللا قطوفه للمجتنين ، مروضا شوارد ظبائه للقانصين ، مسوغا عصارة رحيقه للشاربين ، فاذا هى خمرة شهية لاحرج فيها ولا اثم ، واذا هى نشوة عذرية ومتعة بريئة روحية لا غول فيها ولا هم عنها ينزفون . وبعد ، فما خلت رجلا تذوق ادبنا العربى التقليدى لا سيما الاندلسى منه والتونسى المتأثر به - ما خلت رجلا تذوق تراثنا العربى الخالص الممتع المؤنق كما تذوقه العربى الكبادى رحمه الله . ما خلت رجلا ادى مثله تلكم الرسالة الفنية الانسانية فى التعريف بجمال ذلك التراث والتنويه الحى الممتع الطلى بمحاسنه ومفاتنه والترويج لبضاعته التى كادت ان تقبر فى طى الكتب الهامدة الذاوية الزهور ، لولا ان قيض القدر لها امثال العربى الكبادى ممن جمعوا تالدنا بطارفنا ، وربطوا ماضنا بحاضرنا ، واحتفظوا لنا بكنز انسانى للثقافة الرفيعة والمتعة الروحية الخالصة والفن والجمال . لئن تذوق شيخنا الادب العربى ، واتخذ من مطالعة كتبه ودواوينه والغوص عن فرائد بيانه وفائق درره وناصع غرره شغلا كرس له حياته ، وابدع مسلاة عن اكدار العيش وآلام الدهر ، ورياضة نادرة تروق النفس وترفه عن الوجدان ، فهو المضطلع بأقدس رسالة ازاء ذاك الكنز من جمال مزهر نفس . لئن تذوق ادبنا العربى على وجهه فلقد عمل على تذويقه لاجيال الناشئين المتعاقبة التى توافدت عليه بمزيد النهم وصادق التشوف الى آدابنا العريقة الامجاد . ولقد اضطلع الشيخ العربى الكبادى بهذه الرسالة

العربية اللسانية الادبية منذ تطوع للتدريس بجامع الزيتونة اثر احرازه على اجازة التطويع ، وكان فى مقتبل العمر يومئذ وزهرة الشباب . ومن العجيب ان ابواب التدريس الرسمية بقيت موصدة فى وجهه من طرف المهيمنين يومئذ على حظوظ الزيتونة ، وكأنما كان فضله وجم أدبه هو الذى اقصاه عن ذاك السلك الرسمى وجعله يرجع عشر مرات عن المناظرة بخيبة لن تحمل تبعتها بالطبع الاعلى اولئك الذين عرفوا بمقتهم لكل روح حرة وجحدهم لكل فضل ونبوغ . ولربما عزا ذلك بعضهم الى حرفة الادب ، وما تجره على ذويها من اخفاق . . ولربما كان للحسد مفعوله الذى لا ينكر فى رفت شيخ الادباء عن حضيرة التدريس الزيتونى اللائق بمثله من الاعلام فى البيان . . وهذا بعضها يقول :

حسدوا الفتى اذ لم ينالوا سعيه             فالكل اعداء له وخصوم

كضرائر الحسناء قلن لوجهها                 حسدا وبغضا انه لذميم

وانما هو مأخوذ من قول عمر بن ابى ربيعة المخزومى

حسدا حملنه من اجلها     وقديما كان فى الناس الحسد

وكثيرا ما دبت حيات الحسد وعقاربه بين المنتمين الى سلك واحد ومهنة واحدة وأسرة واحدة ، حتى ولو ارتفعت قدرا فى الظاهر ، كأسرة التدريس وتلقين العلم ، مما قد ينتظر من افرادها ان يتنزهوا عن مثل هذه الادران ويتخلصوا من ربقة البغضاء والتحاسد الذميم . ولئن اوذى شيخنا الراحل فى غابر شبابه من هذه الناحية ، فليس هو بالوحيد الذى اضطهد يومئذ من اجل ما حواه من كمال وتفوق على الاقران . وما اخطأ ابو العلاء رحمه الله اذ يقول فى مقام الفخر

نعد ذنوبى عند قومى كثيرة           ولا ذنب لى الا العلى والفضائل

ولعمرى ان افدح الذنوب والخطايا عند الاوغاد السفلة والاشرار الاغبياء ان يجدوا تفوق العظمة نصب اعينهم يعارض سخفهم وجهلهم ويلقى بشعاعه على سفاهة احلامهم وباطل اوهامهم وزائف اقوالهم . فمن اجل ذلك انتصبوا اعداء الداء للعظمة والفضل ، وتاههبوا لطمس النور ، وتامروا على الفضيلة والحق والكمال ، وما ابلغ ما عبر عن ذلك ابو الطيب اذ قال

واذا أتتك مذمتى من ناقص         فهى الشهادة لى بأنى كامل

اضف الى ذلك ان شيخنا المعروف بانسياقه الى الدعابة والظرف وحلاوة التنكيت ربما نظم بعض المقطوعات الفكهة المرحة البريئة ، مما قد اول تأويلا

سمجا خاطئا في تلك الاوساط الآنفة الذكر ، فأضمروا له العداء وتشفوا باقصائه عن مورد للرزق وعلو القدر كانوا فى الحقيقة محتكرية لابناء رهطهم وطبقتهم . ومعلوم ان بعض الفضلاء قد حزت تلك المعاملة الخرقاء فى أنفسهم فاثروا التغرب عن الاوطان ، وابتسمت لهم حظوظهم فى غير هذه الديار . اما شيخنا الكبادى رحمه الله ، فما فت ذاك الحيف الصارخ فى عضده ، ولا دفعه الى التذمر والاستياء ، فضلا عن ان يزمع الرحيل ، بل وجد له من أدبه الجم ، ودماثة خلقه ، وسعة آفاقه الروحية ونصاعة تفاؤله ومشرق ابتسامه ما كفاه ألم الحرمان ومضاضة الاخفاق ، وابقاه ينعم بخفض العيش ونقاوة الاحلام . ولله در اخينا احمد خير الدين اذ وصف تلك الظاهرة النفسية العجيبة اذ قال فى مرثيته لشيخنا الجليل :

واذا ما سامه الدهر اذى             اعلن البشر واخفى الغضبا

لقد غلبت طبيعة المرح والتفاؤل الذى هو اكسير الصبر ، وعتاد الظفر ، على مزاج شيخنا الكبير ، فكأنما اتخذ له شعارا قول الشاعر الحكيم :

فاصبر لها ، غير محتال ولا ضجر        فى حادث الدهر ما يغنى عن الحيل

وبالفعل فما لبث الدهر العادل احيانا ان منحه الانصاف من طريق غير منتظرة . فلئن تنكر لشيخنا الكهنة الرسميون واقصوه عن ميدانهم لاسباب لا يعلمها الا الله او الراسخون فى العلم - فلقد وجد الرجل اثر تعيينه بمعهد اللغة والآداب العربية بالعطارين افسح مجال للقيام برسالته الانسانية التى جنت ثمارها اجيال متعاقبة من الشباب ، كانت لولا شيخنا تبقى منقطعة عن ادراك مفهوم الادب العربى ، فى نصاعة بيانه وروعة آثاره ورقة تعابيره . وكفى شيخنا فخرا ان تخرج على يده فى أدب الاجداد ، وتراثهم الروحى امثال مجاهدنا الاكبر ، ورئيسنا الاوحد الحبيب بورقيبة الذى اصبح بمفعول ذلك الحب لأدبنا وشعرنا التقليدى ، عديل سيف الدولة فى هذا العهد المتأخر من الزمان . فلا شك ان الفضل فى التعريف بالأدب العربى المهضوم الجانب فى عهد الاستعمار ، لاشك ان الفضل فى تحبيبه الى النفوس وتقريبه الى عقول الناشئين انما يرجع الى شيخنا العربى الكبادى والى من سلك منهاجه واخذ عنه واهتدى بهديه ، ممن عملوا على بث الذوق الادبى وايقاظ الحس الفنى المرهف بدلا من تلكم الشعوذة السخيفة الباردة التى ينسبها بعضهم الى العلم والى اسلوب منهجى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . لقد آتت رسالة العربى الكبادى التثقيفية الانسانية العربية اكلها ، وبرزت آثارها واضحة لعين

الناظرين ، وانها لمستمدة من تقاليد انسانية عربية مثالية قد اهملت فى اعصر التزمت والانكماش والركود وتقييد الفكر وعرقلة الحياة ، ولكنها تقاليد ثقافية انشائية قد ازدهرت في المع عصور قرطبة واشبيلية وتونس والقيروان كما يشهد بذلك العلامة ابن خلدون ، ولقد كان شيخنا رحمه الله من ممثلى تلكم النزعة الانسانية العربية الحرة الخلاقة التوفيقية التى تحقق للفكر الانسانى اقصى ما يكون من نمو وانبثاق . فرحمك الله ياشيخ الادباء وممثل عصور الظرف والجمال الحق ، وما احرانا ان نقتفى خطاك فى تذوق تراث الفكر ، وارتشاف اكؤس الاشعار ، واستجلاء خرد البيان - فلا حياة حرة طليقة شهية كريمة من غير ادب وفن وجمال .

سوسة 9 فيفرى 1961

اشترك في نشرتنا البريدية