من مظاهر التخلف فى ميدان النقد لدينا ، إقامة الحجب المدعوة بحجب المعاصرة بين الادباء والفنانين . فانت قلما تجد اديبا يقول فى صديق له كلمة الحق التى يجب ان تقال فهو أما ان يمدح ، او ان يصمت ! ولعل لهم عذرا أيضا ، فأنت قلما تجد من ادبائنا من (( يرضى )) أن تقال فيه الكلمة التى يجب أن تقال ، بكل تجرد . . . فاما أن يشكر ، او ان يسكت عنه ! ومن المؤكد ان هذه الظاهرة : قد ادت الى نتيجة لا تحمد ، اذ نلاحظ - فى هذه الفترة الخصبة من حياتنا الادبية . ان الآثار التى تنشر تقع فى الاول فى الوسط الادبى فتستقبل بالتصفيق والترحيب . وتلهج بها النوادى والصحف مدة او بعض المدة ، ثم (( تترك للتاريخ )) ! ولو تجمع الكلمات التى تقال فى أى أثر ، سواء فى الاذاعة او فى الصحافة او فى النوادى ، لما كفت حاجة ولا أفادت دارسا . . . فهى ضرب من (( التهانى )) و (( التحيات )) وكلمات الثناء تغدق مجانا . وذلك بدعوى التشجيع على مواصلة الطريق ! ولكن الى متى هذا التشجيع ؟ فكم من سنة مرت لحد الآن على قصة (( حليمة )) ، وكم مر من زمن على ديوان (( قافلة العبيد )) وديوان (( قلب على شفة )) ، وكتاب (( رسائل الشابى )) وغيرها وغيرها ٠٠٠ ؟؟ وهل قام رغم ذلك من حاول ان يدرس الدرس الموضوعى الجاد ، محاولا سبر الاعماق وكشف الحقائق ، التى لا يخشاها الا ضعاف العزائم ؟ أم أنها الظاهرة التى نحاول ان ندافعها وندحضها دحضا تأبى الا أن تتمركز وتثبت كيانها ، وهى انعدام النقد الحقيقى لدينا ؟
وهذا ديوان (( نجوم على الطريق )) قد مضى على صدوره ما يزيد عن الاربعة أشهر . وقد سبقه ديوان (( حنين )) بكثير . ولكن ، رغم ما لحق صاحبيهما من (( كلمات التشجيع )) وما يرضى غرور الفنان فيهما . فانه لم يقم لحد الآن من يدرس هذين الاثرين الدرس الذى يستحقانه . وفى هذه الالمامة ، سأحاول التعرض بالدرس لديوان (( نجوم على الطريق )) على أمل العودة الى دراسة بعض الآثار الاخرى من ادبنا الذى لا يعترف به بعض الناس (( المتشائمين )) . اذن ، فما هى العناصر المكونة لشعر جعفر ماجد ، وما هى خصائص شعره الفنية ؟
ماجد ، بين التجربة الفردية والتجربة الجماعية :
لقد كانت مقدمة الديوان غمرا من الاضواء على شخصية الشاعر . وذلك
مما يوفر على الدارس عناء البحث عن بعض الحقائق النفسية عن شخصية الشاعر .
يقول الاستاذ مزالى : (( وابرز مظاهر شاعريته سرعة انفعال مع الكون المحيط به وعفوية تعاطفه مع الطبيعة والانسان وعمق تأثره بالأشياء والاحداث )) ( I ) ومن ذلك نفهم السر الذى جعل جعفرماجد (( يحوى الوجود فى جبته )) ! فالديوان شاهد بهذا الشمول الذى تميزت به نظرته الى الكون ، فلم يكن الشاعر الضارب على وتر واحد ، بل كانت أحاسيسه الممتدة الى أعماق الوجود نابضة بشتى الانفعالات السارية فى شرايين الكون . . . فهو ليس البذرة النابضة فى تربة القيروان الخصبة ، المنفعلة بها ، المتفاعله معها ، فحسب ، بل هو البذرة فى تربة الوجود ، تمتد الى الاعماق ، لتذوب فى الحياة ، الكل ، شغفا بها ، وفناء فيها ، والوجود الملء ، تعاطفا وشمولا له . . .
ولكن ، رغم ذلك ، فان الناظر لهذه النجوم الشقراء يراها - فى أماكن من الديوان - اجلى واسطع منها فى أماكن أخرى . . . وذلك من طبيعة كل شاعر ، فهو - وان شملت رؤيته الوجود فى كل مظاهره ، وبكل أعماقه - فان أنغامه تكون على وتر أعذب منها على وتر آخر ، ونبضاته تكون فى عرق برهه أعمق منها فى آخر . . . ولذلك فان جعفر ماجد فى مذكراته السياسية والاجتماعية فى صفحاته القيروانية ليس مثله فى صفحاته البيضاء ووروده الذابلة وما عداها . . . ولذلك كان وجود تلك المذكرات قلقا فى الديوان . لاننا - رغم شمول انسانية ماجد فى كامل قصائد الديوان ، اذ لا توجد الثنائية التى تكون جعفر الشاعر وجعفر الشخص - نلاحظ انقسام الشاعر الى ذاتين : ذات اجتماعية لا تخلو من زيف إذ أنها تمثل رواسب المجتمع التى ورثها واكتسبها من المحيط والبيئة ، وذات أصيلة متصلة بأعماق جوهره . . . والفرق بين الذاتين هو الفرق بين جعفر - الشاعر الاجتماعى - وجعفر الشاعر الحالم . الشعر الحق هو احتيال على الواقع بالخيال ، فهو الحلم تخلصا وهروبا من حالة الاحساس الحاد بالواقع ، الى حد الشقاء . . . وهى الحالة التى عبر عنها جعفر : (( آيا ربى ، من لى بحس ، فحسى حين يدوى الصداع جد رقيق )) (2)
وهى الحالة التى عبر عنها الشابى من قبله بصورة اوضح :
(( والشقى الشقى من كان مثلى فى حساسيتى ورقة نفسى )) ( 3 )
اذن ، فالشاعر - حالما - أصدق منه اجتماعيا . وكذلك جعفر . وهو نفسه بعير لنا فى افتتاحية الديوان عن هذا الحلم الذى امتلأت به ذاته الحقيقية :
(( أحيا على حلم ، لكم يغفو به نور القمر ، (( الليل واحته واهداب الكواكب والسهر ، (( لكنه ابدا يطير مهفهفا فى اللامقر )) ( 4 )
لذلك ، فيستتكون نظرتنا الى اجتماعيته عرضية ، ما دامت لا تشف عن ذاته الاصيلة .
وتبرز مظاهر هذه الاجتماعية بجلاء ووضوح فى صفحاته القيروانية إذ أن فيها تعبيرا صادقا عن موروث الصلة بين (( أنا )) الشاعر الثابتة ( Le Moi Profond) ومحموعة الغرائز والطباع التى خلقها فيه المحيط او البيئة التى نشأ فيها ، وساعدت على تكوين وإنماء أنا - ٥ (( المتحركة )) السطحية ( Le Moi Superficiel ) . فشعوره بأصالته بذرة فى أرض القيروان هو شعور كل انسان بأصالة التراب فيما يحيط بجوهره من سياج . وفناؤه حبا للتربة التى ينتمى اليها هو حنين كل انسان للارض التى انبتته ، منذ خلق آدم من تراب . . .
(( بلادى عدتك عوادى الزمان ولا خانك الفوز يوم الرهان ,
لأنت جمال الحياة بعينى وفاتنى قبل كل الغوانى ,
عددت الحسان خلال العصور فلم ألق مثلك بين الحسان ,
. . . أنا بذرة فى ثراك الخصيب رضعت بثدييك سحر البيان ! )) ( 5 )
وليس ما فى هذه الصفحات القيروانية من بقية غير امتداد لهذا الحنين ، وتعديد لألوان هذه العلاقة ، وما يلازم ذلك من ذكر لأسباب هذا الحنين وتبيين لأعماق تلك العلاقة وأبعادها . وقد اجاد الرسام - الذى تمنيت ان لو ذكر اسمه كاملا واضحا - - الى حد ما ، فى تشكيل ذلك ( 6 ) ونفس الذى وجدناه فى (( الصفحات القيروانية )) من حنين الى (( المنبت )) وشوق الى الارض ، وتعلق
بالتراب ، نجده فى (( مذكرات فى السياسة والمجتمع ، ولكن بشكل أوضح هاته المرة وفى اطار اكبر . . . اذ انطلق من اطار (( المحلية )) الى الاطار الكونى الاشمل . ولكن الاطار الاول ازهى الوانا وأعمق أبعادا ، اذ كانت الرؤية اعمق والتجربة أصدق . . . وهو ما يؤسف ، اذ أن جعفر ما زال يفرق بين البعوضة والجمل ، والذرة والجبل ، فيرى فى عالمه سدودا تقوم وحدودا تفصل بين أجزاء الكون والانسانية . وعندما تزول دنيا الفوارق والفواصل عن بصيرته ، تنقشع الحجب وتتمزق الاكفان عن بصيرته الواعية ، فيكتمل شمول نظرته الى الكون ، ويرى صغير الوجود ككبيره ، وحقير الكيان كعظيمه ، اذ الحياة اقنوم واحد ، وناموس موحد . . . وعندئذ يكون حديثه عن هوريشيا ولوممبا وجيل الثورة ، كحديثه عن صقلية وبنزرت ، وعندئذ يكون حديثه عن هذه جميعا فى حرارة وصدق حديثه عن القيروان . . .
تلك هى ألوان الاطار الاجتماعى الذى ترعرعت فيه (( انا - ٥ المتحركة )) - الزائلة - والذى غذى تجربته الجماعية . وهى ألوان لا تمدنا الا بظل باهت لاناه الثابتة الدائمة ، ذاته الاصيلة ، التى تظهر بشكل واضح فى ما تبقى من عقد النجوم . . .
وتحاول أن تستشف هذه الذات ، فتراها تطل عليك من افتتاحية الديوان - التى تصلح ان تكون خاتمة (( ملحق خير )) للديوان ، أيضا - حائرة ، قلقة ، أمام تمزق الشاعر الى الثنائية التى يعيش إزمتها كل انسان : الحيوان الذى يشده الى اسفل ، والاله الذى يجتذبه الى أعلى . وهو الصراع الدائم فى الانسان بين التراب ، الطين أصله ، وعالم الكمال . فالشاعر يحيا على حلم ، هو حلم كل شاعر بالعالم المثالى الذى يريد الفرار اليه ، بخياله من لواقع . . . وقد خلق ذلك العالم فى خيال جعفر - ككل شاعر حالم ، من الهاربين الى هذا العالم - :
(( أنا فى الليل افترش الخيالا وأغزل من اشعته ظلالا
(( وأملأ من نجوم الافق جيبى وأركب عند مرفئه الهلالا ،
((فأقلع مثل مملاح غريب مدى الايام يحترف الضلالا )) ( 7 )
فجعفر اذن يعيش على حلم . هو الحلم بهذا العالم الخيالى ، الذى لك ان تسميه عالم المثال ، أو أتوبيا ( Utopie ) الخيالية . ولكن الثنائية التى تمزقه توقفه حائرا أمام مفترق الطرق :
(( شئ بعيد كالقريب وحاضر مثل البعيد ،
((أحيا له كالطفل يحيا للدمى فى ليل عيد ،
(( وعلى فمى هذا السؤال اعيده :
ماذا أريد ؟ )) ( 8 )
فأى طريق سيسيلك لتحقيق هذا الحلم ؟ وأي حلم تراه سيحقق ؟ وأى جزء من ثنائيته - الا له الهاجع فى ذاته الاصيلة ، والحيوان الخامس فى ذاته الزائلة - تراه سينتصر ؟ ذلك ما سيجيب عنه الشاعر فى الاجزاء الثلاثة الباقية من الديوان .
ونظرة مجملة نلقيها على هذه الاجزاء الثلاثة ، نتبين من خلالها وجود ثلاث مراحل قد انقسمت اليها حياة الشاعر . . . وأولى تلك المواحل هى التى صورها فى (( الصفحات البيضاء )) . فهى فترة شبابه الاول ، أو هى فترة تفتحه على الكون ، التى بدأت فيها قوادم خياله تمتن وتصلب . وبدأت فيها شاعريته تتفتح على الوجود تغريها ابتسامات الحياة ودغدغات انسامها . . . ولكن الواقع الذى كان يعيشه الشاعر آنئذ لم يكن باسما . فقد عاش على اليتم عصاميا يجاهد قساوة الحياة . ولكن القدر أراد ان يقسو عليه اكثر فى امتحانه ، فما أن بلغ سناهقة حتى (( لسعه الحب بجمرته الملتهبه ، فعرف ما وراء الشهد من وخز الابر ، وأن الحب يقف بصاحبه على حافة الهاوية ، فاما ان يدفعه إلى الاعماق أو يقفز به إلى الجنة الفيحاء )) ( 9 ) . اذن ، فقد رمى القدر المرأة على دربه ، فكانت حكاية قلبه . . . وليس لدينا ما يثبت أن الشاعر كان (( ناجحا فى حبه . بل إن الاستاذ مزالى يقول : (( ولم يظفر ماجد دائما بما كان ينتظره من المرأة ، بل كثيرا ما خابت مساعيه )) ( 10 ) ورغم ما فى كلمة مقدم الديوان من تعميم للمراحل الثلاثة ، فان هذه الكلمة تضئ لنا جانبا من المسألة ، فى المرحلة الاولى بصفة خاصة . فلو ظفر الشاعر من المرأة بما كان يحن اليه قلبه من الحب ، لما احتلت بعض القصائد وكثير من الاببيات محلها من هذه الصفحات البيضاء . ونحن أمام موقفين لا مفر من احدهما : اما ان نتهمه بالشهوانية المفرطة ، فيكون ما قاله من أبيات مفرطة الاباحية نتيجة طبعه الشبقى - أو ان نعتبر ما صدر عنه أحاسيس ومشاعر محروم عطش ،
تواق . . . وأعتقد أن خيبة الشاعر فى حبه الاول ، هى التى ولدت لديه هذا (( الكبت )) الذى جعل أبياته فى هذه المرحلة المبكرة تتفجر عنيفة ، خاصة اذا عرفنا أن (( وظيفة الكبت . . . هى منع النزعات النفسية من السير فى طريقها الطبيعى . وهذا المنع لا يقضى على النزعات النفسية ، فهى تظل قوة متحفزة للظهور ولكنها تبقى مع كل هذا مختفية بما يسمى باللاشعور . وهى تحاول فى كل وقت ان تطفو على السطح وأن تظهر بصورة ايجابية . ولكن الذات العليا ( والأنانى بعض الاحيان ) ما دامت منتبهة وواعية ، فانه لا مجال لطفوها وتحققها )) ( 11 ) . غير أنها عندما تمتزج بالموروث الغريزى وتتحد بالطبع الجبلى ، فى اللاشعور ، فانها تتخذ ثيابا رمزية وتتسرب الى الخارج فى أعمال الفنان عن رغبة منه أو كره . وانت عندما تقرأ لماجد قصيد (( عالم فى خيالى )) تبدو أمامك نتيجة هذا (( الكبت )) واضحة ، اذ انه يعبر بصورة واضحة عن (( الحرمان )) من المرأة وتوقه الى عالم الانثى ، فهو عالمه الخيالى الذى يهرب اليه - مفترشا خياله - تخلصا من الواقع :
(( . . . وأرمى فى شواطئ سندباد بعيدا حيث لا أجد الرجالا ،
فأترع من زلال اللحن كأسى وآكل حين أقتات الجمالا ،
(( وأضرب باليدين هنا فتجرى جوار ينحنين لى امتثالا
(( نحيلات كلألاء المرايا عواري لسن يحملن النعالا
(( . . . وافترش الشعور على ضفاف شربن الغل ماء حين سالا
(( وتلتحف النهود رياش غيم فاسرق من غلائلها الغلالا )) ( 12 )
فهو إذن هذا التوق الذى عبر عنه جعله يقول :
(( أنا من تركت احتراق وعصف يدمرنى فى الظلام الشتاء
(( أنا نفخة فى دخانى عليها تموت الحياة ويطوى الفضاء )) ( 13 )
وهى نفس الاندفاعية - وليدة ذلك الكبت - التى انطقته فقال :
(( مضيت ولم تعرفى من جنونى سوى نظرات تهاوت عليك
(( لتنهل من شفتيك ابتساما وتبكى جياعا على حلمتيك ,
(( وكانت دمائى دخان لهيب يذوب أحمرارا على وحنتك )) ( 14 )
(( التفسير النفسى للادب )) - بقلم : الدكتور عز الدين اسماعيل -
ص 47 - ط 1 - دار المعارف بمصر . 1962.
( 12 ) (( نجوم . . . )) - ص 66 .
( 13 ) (( نجام . . . )) - ص 54 .
( 14 ) (( نجوم . . . )) - ص 56 .
ولكن هذه النزعات النفسية تطفو أحيانا ، لديه ، على الذات العليا ، والأنا ، فيرتج عليه ، اذ يعصف به عاصف :
(( حتام يا مغرورة يصطادنى النهد الاسير ،
(( كان يشكو أسره فقطعت أغلال الحرير ،
(( أنا لا أموت بحبه فى حصة العمر القصير ،
(( النهد يحسره القميص ، فيعتلى كالمستجير ،
(( يهتز فى أغلاله ويهم - رغمك - أن يطير ،
(( لا تخجلى ، هل يمنع التيار زمجرة الهدير ؟
(( واستنزلى النار الاكول ، فما الذك من سعير ! )) ( 15 )
انها عاصفة لا تبقى ولا تذر ، يمحي عندها كل ما ورثه من أرض المنبت من إيمان وحياء وطبع قروى :
(( أنا شاعر حسبى الهوى والخمر واللحن المثير ,
(( اطعمت نفسى بعضها وكفرت باليوم الاخير ! ))
فهو إذن يخرج من جولته هذه وقد عرف المرأة لحما ودما ، ولكنه لم يعرفها قلبا ينبض حبا وحنانا يغمرانه فينقذانه من عالم الاوحال ، والحرمان . وهو لذلك يقف أمام نفسه حائرا وفى يديه قبضة من ضباب وخيبة ، فى لهفة الى (( المطلق )) وتوق الى اللامحدود ، وهو نتيجة الصراع فيه بين الملاك والشيطان , بين الثنائية الخالدة : الاله والحيوان .
واذ أخذنا هذه النتيجة بعين الاعتبار ، تبين لنا فى غير لبس اللون الابيض لهذه الصفحات ، فهي صفحات ايام الشوق ، والحنين الاكبر ، يغذيها شباب طموح - بكل ما فى الشباب الطموح من اندفاع وذبذبة وحيرة وقلق وجودى - لما يتجاوز طور المراهقة التى ساعدت الظروف على ان تكون حالة ، شاعرية فتمتزج فيها شتى الالوان والاحاسيس . . . وتمتزج فى مخيلة الشاعر الطبيعة والمرأة ونزعة التوق الى المطلق :
(( يا ليتنى فى الموج أغنية ينساب فيها الحب والشغف )) ( 16 )
وقد تتجرد نظرته الى الكون أحيانا عن العالم المادى المحض ، إذ يحاول " الشئ الكبير " الذى يحيا بقلبه ، وهو مجموعة أشواقه اللافحة وحنينه
الاكبر قد اتحدث فى أناه الواعية كلا - أن يرتفع به عن مستنقعات الارض ، وروائح الغريزة والتراب ، ليذوب فى المطلق شعاعا ، ويفنى فى اللانهاية سرا :
(( زرقة فى الماء تغرى باندفاع من يراها ،
(( فوقها الامواج تجرى ثم تفنى فى مداها ,
(( ليتنى قضيت عمرى تائها فى منتهاها
(( فوقها كالنور يسرى دونما أدرى اتجاهها ،
(( جامعا مدا لجزر مازجا نفسى بماها )) ( 17 )
بل إن هذا التمنى ليتمثل له أحيانا حلما قد تحقق ، الى حد الاحساس لأصالة اتحاده والوجود ، ومطلق ذوبانه فى عالم الصحو ، بسمة الله ، فيشعر بنفسه حرا انعتق من حدود اللحظة ، وأبعاد المكان :
((كلما فى البحر يرمى ناظرى المضنى الكليل ,
(( اشتهى ان تستحما مهجتى فى المستحيل ,
(( واخلى فى حذائى كل أصناف التراب
(( وأغنى فى الفضاء بحناجير الشباب :
(( إننى يا بحر حر ! ))
(( . . . وإذا هاجت رياح واستبدت بالفضاء ،
(( ارتمى مثل الجناح فى متاهات البقاء ،
(( فأرى هذا الشروق وأرى هذا الغروب ،
(( وأغنى فى البروق وعلى كل الدروب :
(( إننى يا ريح حر ! )) ( 18 )
إن ذلك الطور المزدوج الذى ولده الصراع بين الثنائية هو الذى كون له أحلامه الشاعرية الجانحة ، وجعل صفحات تلك المرحلة من حياته بيضاء . فهو الحالم المتخيل لعالم باسم عذب بعيد عن التجهم والعبوس . وإذ ارتبط ذلك الحلم فى المخزون اللاشعورى لديه ، بحكم طبيعته الشاعرية ، بحياة الواقعية التى ما كان يحسد عليها ، فقد تولد عن ذلك شعور بالسعادة الروحية التى تعيش فى خياله ، ويحيا على طيفها ، وقد ساعد على انماء ذلك الشعور
احساس الشاعر بخفة كاهله من ثقيل الحياة ، الذى تولده فيه رقه الحس المفرطة ، والتى ما زالت لم تتبلور بعد ولم تتميز ملامحها لدى الشاعر . . .
تلك هى الالوان التى اصطبغت بها هاته المرحلة من حياة ماجد الشعرية . صراع بين الارض والسماء ، بين المطلق اللامحدود ، والتراب المشبع بروائح الغربية والجنس ، أسطورة الانسان . . . يغذى ذلك كله توق الشاعر الى عالم مثالى ، عالم شعرى حيث يعيش طفلا يلهو . . . (( والليل مغسى )) وحرمان من قلب المرأة قد غذاه (( الكبت )) الذى عاناه فجعله يتوق الى أبعد . . .
ويشاء القدر لماجد أن يمر يمرحلة أخرى من حياته ، يتغلب فيها أحد جزئى الثنائية فيه ، وينهزم الآخر انهزاما ذريعا . . . إذ يتوجه الشاعر الى باريس طالب علم ، وهو على ما هو عليه من تعطش وحرمان ونهم حواس شابة ، وليس من اليسير عليه ان يصمد أمام تيار الحياة القرفة الذى يجتاح العالم المجنون الذى اندس الشاعر بين طياته . فهو عالم يعيش على أعصابه ، قد طال ظله والتد . . . يصرف جل وقته فى الاقبية والحانات ، يهب أنفاسه لليل ، وينهب الشبق والحيوان ثوانية الغالية . . . . هو عالم شتائى الضياع ، شيطانى مرعب :
(( باريس حمراء وفجرها ازرق ،
(( تعيش فى كأس وتشرب المطلق ،
(( فى كل ما مقهى شبابها يحرق ،
(( بشعرة تلوى بقبلة تسرق ،
(( عيونهم حيرى وقلبهم مرهق ,
(( شفاههم جمر دخانها يعبق ،
(( . . . عروق ايديهم تهم ان تنطق ! )) ( 19 )
فى هذا العالم ، يشتد الصراع بين الثنائية فى نفس الشاعر ، إذ انه أمام مرحلة حاسمة ومصير لا يعرف كنهه :
(( وخلف فنجان أنا هنا مطرق ،
(( أنوء بالدنيا وسرها الاخرق ! )) ( 20 )
ولكن النتيجة كانت سلبية ، إذ ينتهى الصراع بانتصار الحيوان فيه على الانسان الاله ، ويميد عالمه المثالى الخيالى ، لينهار ، إذ يقبل نهما على واقعه
يعيشه ، ينغمس فيه مخلصا ، يمحى فى ظله ويفنى ، إذ تعربد به هوج العواصف فى هذا العالم الاحمر ، فيقذف بنفسه فى اعماق غريزته ، ويتيح لنهم حواسه أن يمتد ، ويقبل على الجسد يمزقه تمزيقا . . .
(( ولهبت معى أبدا أبدا ثم اعرف مثل براكينى ,
(( شفتاك عصرت دماءهما قبلا فى كل شرايينى ,
(( فكى دنتيلك آنستى عن هذا النهد المجنون ! )) ( 21 )
إذن ، فقد عرف هناك المرأة بلحمها ودمها ، لقد عرفها واقعا ، لا حلما . فعاش معها مرحلته هذه أياما حمراء الشفق ، ولكنها صفراء الأفق ، لا تبشر بخير , ولا تنبئ بميلاد ما كان يطمح اليه الشاعر من طمأنينة . . .
وهكذا تكون صفحات حياته الباريسية مرحلة حاسمة من مراحل حياته الشعرية ، بل إنها لتعتبر نقطة تحول فاصلة من جعفر الطفل الذى لا ينوء كاهله بثقل الحياة ، الى جعفر المهموم الذى انكشفت له حقيقته عن حلم زائف , جعفر الذى ينظر حواليه فيرى القتام يسد عليه منافذ البصر . .
وتظهر الملامح الجديدة لشخصية جعفر فى مرحلته الثالثة ، التى عبر عنها فى (( ورود ذابلة )) ونست أدرى لماذا أراد الاستاذ عبد العزيز قاسم أن يخفف من حدة هذا الذبول ، وأراد أن يترك هذه الورود بلا نعت ! ( 22 ) فهذه الورود فى نظرى ذابلة الى الحد الاقصى ، وكيف لا وهى تمثل أحلام الشاعر التى ذبلت ، وأطفأت الخيبة التى أصابته ابتساماتها ؟
أجل ! إن الشاعر لم يخرج من باريس سالما . فقد أعقبته التجاوب التى مرت به هناك ، وأورثه الواقع الذى انغمس فيه ، آثارا نفسانية غير محمودة . لقد دخل باريس طفلا ، فخرج منها كهلا . . .
ونحن كنا قد رأيناه فى المرحلة الاولى يحلم بالكثير . بالحب الحقيقى بالسعادة الروحية ، والدعة والطمأنينة الشعريتين ، يملأ قلبه حنين أكبر الى عالم خيالى يغمره الحنان والحب . . . ذلك هو الحلم الذى كان يريد أن يحقق . واشتد فيه الصراع بين الحلم والواقع ما أن تفتحت نفسه لذبذبات الحياة . ولكن (( الموجه الاعظم )) شاء له سلوك طريق شائكة لتحقيق ذلك الحلم , وكأنه يريد امتحان عزيمته على الصمود أمام التجارب التى تقضى على (( آلانا
الملك )) فى الانسان ، وتزيد (( الأنا الخلاء )) فيه آمتلاء بالفراغ والجدب . إنه لم يسلك الطريق التى تمهد لأناه ان تتمركز ، والى ذاته الدائمة ان تتحد بذاتها وجودا كلا . بل اننا لنراه قد عمل على تعديد ذاته وتقسيم أناه الى ذوات و (( أنوات )) تطل به على عوالم اللامعنى والقرف ، وآفاق اللاجدوى . . . وذلك تكون الطريق التى سلكها لتحقيق حلمه خاطئة ، وبذلك يكون حلمه قد انكشف عن مخلوق مشوه زائف ، يمثل فشل الشاعر وخيبته الصارخة . . .
ذلك ما نلمسه فى هذه الباقة الحزينة من الورود الذابلة . فهو بعد رحلته الطويلة عبر المدى الشعرى ، عبر إطار تداخل فيه المكان والزمان تداخلا مضطربا عنيفا ، فقامت لذلك صور ومشاهد فى حياة الشاعر ، مرت على أجفانه المتعبة ، فكانت جزءا من أحلامه ، وبعضا من انفاسه . بعد تلك الرحلة الطويلة عبر عوالم الكلمة والحرف ، وما يعتريها من توالد واندثار كل رفة حفن وطرفة عين ، يرجع الينا الشاعر وفى يديه قبضه من الضباب والخيبة . . . واننا لنلمس مدى عمق هذا الشعور بالخيبة لدى الشاعر عندما ننظر إلى الفارق الذى يوحد بين جعفر في صفحاته البيضاء ، وبينه فى هذه الصحائف الباهتة اللون ، وهو الفرق بين الطفل والبالغ ، او عالم الطفل وعالم البالغ . . . فقد كان فى عالمه الاول لا يشعر بمرور الزمن عليه وفرار البرهة من ايامه المعدودات بالصورة المهولة التى أضحى عليه عالمه الحالى . كان يصطاد اللحظات الباسمة ، وكانت أيامه الطفلة تصطبغ بألوان أحاسيسه ومشاعره أحلام يقظته :
(( عندما كنت لا أحس عنائى باجتناء الورود والبسمات )) ( 23 )
أما الآن فان قلبه قد امتدت جذور احساسه بالكون من حوالىه أكثر من ذى قبل ، فأصبح يسع الكون ويحمل الوجود بكل ما يعتريهما من التناقضات والتقلبات . . . فقلبه هو سر شقائه :
(( ذكرياتى على الطريق هشيم لفها البرد ، لفها كالرفات !
(( . . فأنا الآن فى الطريق وحيد ساهم الطرف شارد النظرات .
(( . . . المساء الكئيب يقطر حزنا والسكون الثقيل ينخر ذاتى .
(( أنت يا قلب ، انت سر بلائى فتكلم ، وهات عذرك هات ,
(( انت اثخنت كل يوم جراحى وعصرت الدماء فى كلماتى ,
(( فقطعت الحياة أجهد وحدى فى طريق الدموع والذكريات )) ( 24 )
لقد أصبح الآن يعيش وفى رأسه تعصف دوامة . . . لم يبق ذلك الطفل الذى لا تزعج أحلامه أوهام الكبار وهواجس عالمهم الشائك المضطرب :
(( هوة العالم السحيق ، السحيق دوختني ، فما عرفت طريقى ، (( فى ضباب الوجود ، شاهدت نفسى فاعترانى الدوار من تحديقى ! (( ورياح الرصاص عجت برأسى وسيول الغثاء هدت عروقى ! )) ( 25 )
والشاعر لم يتهم قلبه إلا لأنه كان السبب فى ارتياد المجاهل التى سببت له شقاءه . لقد عاد من تلك المجاهل بخيبة الانسان الشاعر ، الذى اكتشف حقيقته البائسة ، حقيقة الشاعر الذى يعيش على حلم فينكشف له زيفه ، ويكتشف أنه ليس سوى مصادفة زمانية قد آحتواها مكان ما ، أسطورتها الجسد واللحم : الجنس ؛ وبعض الأوهام التى يؤمن بها وينخدع ببريقها ! بلى . إنه ليس سوى اتفاق زمانى قد أخذ منه الجسد ما أخذ ، ونهب منه الجنس ما نهب :
(( أنت يا لحم ، انت أكبر دائى بعذاب الجحيم جد خليق ،
(( يا عدوا حملته فى ثيابى يسكب السم فى زلال رحيقى ,
(( كيف شوهت أنت وجهى لعينى ولماذا قطعت حبل الطريق ؟ ! )) ( 26 )
تلك هى النطفة التى تكونت منها مأساة وجوده . ومما زاد تلك النطفة نموا وترعرعا ، فزاد مأساته حدة ، هو حسه الرقيق ، الذى كم قذف بشاعر مثله فى لجاج الاسى والألم :
(( آه يا ربى ! من لى بحس ، فحسى حين يدوى الصداع جد رقيق ! )) ( 27 )
ذلك هو جعفر ماجد كما تعبر عنه هذه الباقة الذابلة : انسان خائب ، فاشل ، يرزح تحت وطأة شعوره بالمأساة . وجعفر ، اذ يعبر عن خيبته ومأساته ، فانما يعبر عن تجربة جيل كامل ، هو الجيل الخائب ، أو جيل الخائبين ، الذى يعانى ، فى عالم اليوم - الخائب - مأساة التمزق الذاتى . ولكن ، مع ذلك هل نستطيع فى النهاية إدماجه - ادماجا كليا - فى جيل الخائبين الديونيزوسى العالم ؟ أنا لا أعتقد أن ذلك من اليسر بمكان ، رغم إلحاح النتائج السلبية التى انتهينا اليها . إنه يشترك معهم فى اكتساب الجنس عورة دائدة تنز القيح الصديد فى أعماقهم ، وفى اتخاذ بعض الاوهام
- يرتدونها ثوبا سائسا - سلما الى تحقيق حلم بعيد ، حتى يكون الاصطدام الفاجع بين الفكرة والانجاز ، بين الوهم والحقيقة ، بين الواقع والخيال ؛ وفى الاندفاع اللاواعى مع نزعات النفس الغريزية ، حتى الوقوف على شفا هاوية الموت - تلك هى أبرز الخصائص التى يشترك فيها جعفر ماجد مع جيل الخائبين - من شعراء الرفض ( Poetes du Refus ) خاصة - وذلك ما يكسب فى نظرى - شعر جعفر العالمية ، التى تثبت ارتباط الشاعر بسفينة عصره . . .
كل ذلك يلح بادماج جعفر ماجد فى جيل الخائبين . إدماجا كليا - ولكن يصبا من نور بشع خافتا فى آخر هذه الباقة من الورود الذابلة ، فيخفف من حدة هذا التشاؤم ، ويحدد من قيمة هذه النتائج السلبية . فالمرأة التى كانت عورة الشاعر الدائدة ، فى كل من المرحلة الاولى والمرحلة الثانية , تصبح فى المرحلة الاخيرة - بعد احساسه بفداحة ما يثقل ظهره ويكبله من قيود كائنا يعزيه : ( Consolatrice ) ، لأنها سر يشف وضوحا ، كالبلور صفاء ، عن معنى خالص ، وروح محض ، يحمل فى أعماقه سر الحياة ، وليست لحما ودما - فقد شع من اللحم والدم - كما كانت من قبل . إنه فى لجوئه الى المرأة ثانية ليتخلص من وطأة الخيبة ، لا يتداوى (( بالت كانت هى الداء )) , مما الطريقة النواسية ، ولكنه يقبل عن وعى منه ، لأنه اكتشف فى المرأة ذلك المعنى المحض والروح الخالص اللذين يشف عنهما ما تغرق فيه عيناها من الصحو ، وما يحيط بهما من حلم تعبر عنه هذه الهالة من الحزن :
(( حنانيك
(( حنانيك
(( أنا احيا لعينيك !
(( لحب فيها باك
(( لأحزان اراها فى محياك
(( لأحزن الى دنيا ذراعيك ،
(( لأنسى فيهما ذكرى خطاياك ! )) ( 28 )
هذه الأنثى هى المرأة التى تخطت مرحلة الخطيئة لتعيش مرحلة الندم والاخلاص . هى المرأة التى تطهرت من الخطيئة واللعنة ، والتى يجد لديها الدعة والطمأنينة والروح ، فيقبل عليها - بعد التيه - يحمل من التعب أضناه ، ومن اليأس أقساه ، كالملاح الذى رجع من أعماق البحر وفى عين اشاح الخبية والفشل ؛ ليلقي الى عينيها أحزانه - ويرتاح فيهما - :
(( ولى من الآفاق بعد اليوم ملاح
(( وخلى البحر فى صمت المدى الازرق ،
(( . . . واذا ولى والقى جسمه الوانى
(( برمل الشاطئ المذهب
(( أنا القى إلى عينيك أحزانى ،
(( وفى عينيك ارتاح
(( لأنى مثله متعب ! )) ( 29 )
ولكن الحنين الذى يعاود الملاح الى البحر وزرقته ، هو نفسه الحنين الذى كان ولا يزال يشد الشاعر الى المطلق وامتداده خلق الزمان والمكان . . . وها هو ذا قد وجد المرفأ الذى ينطلق منه الى عالم الخلاص - دنيا الشاعر - حيث يغرق فى الحلم ، وينسى اللحظة ، وتعود الى قلبه طفولته :
(( إذا ما اشتاق للآفاق ملاح
(( ونادته الى التيه فلم يصبر ،
(( أجرى مثله فلكا ،
(( وفى عينيك يا معبودتى أبحر )) ( 30 )
هذا التفاؤل ، الذى انفتح لنفس الشاعر نافذة ، هو الذى يميز تجربة ماجد الفردية عن تجارب غيره من الجيل الخائب . فهى لم تنته الى يأس ذريع رغم ما نالها من الخيبة . واعتقادى أن ليس مرجع ذلك الى ما تجلى فى شعر جعفر من (( رفض )) ( Refus ) قوى حازم فى ثورته على الواقع الذى أراد - الشاعر - نسيانه ، فعاش اللحظة الباسمة ، كأحد (( الصاديين )) ( Sadiques ) بل إلى ما ذكرته من قبل ، من توق الشاعر وحنينه اللافح الى المطلق اللامنتاهى ، الذى يمكن ذاته الثابتة من التمركز ، والانسان إلاله فى من التغلب على الحيوان . . .
بقى الآن أن نجيب على سؤال كنا طرحناه : ما هى الملامح التى تظهر لنا لذات الشاعر الحقيقية ، من خلال هذه المراحل الثلاث التى تولد فيها حلمه ونما ، ثم انتهى الى تلك النهاية الخائبة ؟ الواقع أن تبين هذه الملامح ليس هينا ، سهلا . فخيبة الشاعر فى حلمه قد جعلت كل ما كان من الممكن تكوينه , حولها ، ينهار . ولو تحقق حلم الشاعر لسهل تبين ملامح هذه الذات فى سماء الصحو التى كان الشاعر يتمنى الذوبان فى فضائها . ولعله فى المستقبل ، يسعى الى تحقيق أصالة هذه الذات ، للقارئ ، بمحاولة إبراز ملامحها فى شقافية ووضوح ، خاصة وأنه على موعد فى مرحلته الاخيرة مع المطلق ، حيث يتعانق الروح والطمأنينة ، وتتجلى الذات مجردة عن الاوهام ( * ) . - يتبع - إ . م .
