- 11 -
أثر " الصدق " فى تجربته الشعرية :
تلك هى العناصر التى تكونت منها شاعرية جعفر ماجد فى ديوان " نجوم على الطريق " (* * ) . وتلك هى الابعاد والالوان والخطوط التى تكونت منها تلك العناصر ، فى كل من تجربته الجماعية وتجربته الفردية . ولكن ما هى الخصائص الفنية لتلك الشاعرية ؟ ليس من العسير استجلاؤها . فأنت عندما تأخذ الديوان يثير فيك عنوانه بعض الذكريات والرسوم لمؤلفات أخرى . . . فذلك " كرم على درب " لميخائيل نعيمة . وتلك " شموع على الطريق " لمحمد الصباغ . . . ولكن الفرق بين كرم نعيمة وشموع الصباغ ونجوم ماجد ، هو أن تلك يستضاء بها ويسترشد ، فهى هادية ، " هادفة " ، فينتفع بها . أما هذه النجوم الشقراء فتضم ، وتشم ، وتلثم . . . إذ أنها تسحر بارتعاشاتها ، وخفقاتها . . . وهكذا تعرف من أول وهلة أنك فى عالم من الجمال تحملك صوره ورسومه الى عالم سحرى ينعصر في شرايينك عذوبة أنغام وروعة صور . . . ويقوم أمامك حينئذ الفرق بين ما يسمى " نافعا " وما يدعى " جميلا " . فالفرق بين هذه النجوم المرتعشة الخافقة ، وتلك الشموع والكروم المنتصبة على الطريق " باردة " ، هو الفرق بين النافع والجميل .
الكلمة النافعة ، أو الطيبة ( Lutile) تمتد لك يانعة لتهتدى بها سراجا ينير لك سبيلك ديجور الحياة . فهى كلمة هادفة . أما الكلمة الجميلة ، وليدة كون من الجمال ( Le Beau ) فتغمرك سحرا وبهارا ، ويفتح عينيك على وجه الله : جمال فى جمال ! والصراع بين هاتين الكلمتين محتد منذ زمن طويل . واذا كان عنوان ديوان ماجد ينبئ بانه من أنصار " الكلمة الجميلة " . فهل يدعم ذلك محتواه ؟
إن أبرز ما يميز جعفر ماجد فى ديوانه هو ما ذكره الاستاذ محمد مزالى - مقدم الديون - : " وإذا كان من حقك على جعفر ماجد أن تحبه أو أن تكرهه ، أن تقبل على شعره أو أن تدبر عنه ، فان من حقه عليك أن تعترف له بالصدق فى الانفعال ، بالصدق فى التعبير ، بالصدق فى الرأى ، بالصدق فى الرؤيا . والشعر صدق وأصالة قبل أن يكون صناعة وفنا " (31) . ذلك ما انفقنا عليه عند حديثنا عن تجربة جعفر . ولكن هذا الصدق يتفاوت لديه : فهو فى تجربته الفردية أوفر منه فى التجربة الجماعية . وذلك لان الشاعر انما غير عن تجربته بصدق فلم يخادع نفسه ولم يكسها بطلاء العالم الخارجى . . . إذن فلا بد ان يكون منطويا على ذاته عاكفا عليها فى عالم خاص لا ينقد اليه الآخرون ولا يرتبط بالعالم الخارجى إلا بمقدار ، ولكن ذلك لا يمنع من أن يحمل العالم فى قلبه . . . وتلك الانطوائية التى يحتمها صدق التجربة الفردية ، تحتم على الشاعر أيضا أن يكون ذاتيا . واذا تحققت الذاتية فى شعره فلن يكون عندئذ ذلك الشعر " مرآة " تعكس العالم الخارجى . بل يكون صورة لما عبرنا عنه من قبل ب " حلم " الشاعر ، الذى يبرز الى العالم الخارجى فى تعبير التشاعر عن تجربته ، إذ تختمر هذه التجربة عبر ذات الشاعر ، فى " بؤرة " يمتزج فيها الشعر بالمخزون اللاشعورى ، ويندمج الوعى باللاوعى ، ويلتقى الحدس الشعرى بظلال الواقع ، فيتولد الحلم ، ويكون الشاعر صورته الشعرية نسفا لفكرة كامنة فى أعماق تلك البؤرة ... فتكون الصورة الشعرية بدلك رمزا لما فى ذات الشاعر من عوالم جمالية باطنية .
هذه الحقائق التى أقرها علم النفس ، تعتبر قيودا حتمية للشاعر فى عمله الفيى وهو اما ان يكون " حالما " صادق التجربة ، فيبرز للعالم الخارجى كلمات " جميلة " أو أن يكون فارضا نفسه على الشعر ، مرآة تعكس العالم الخارجى ، كالحاكى ، فيكون مبتور التجربة ، من شعراء الزيف ، يوزع على
الناس كلماته " الطيبة " ( * ) التى تكون كشحن " فيتامين تزيد شحم الناس ولحمهم " ويكون ذلك الشاعر " كمصلحة للتعاونيات تمون الناس بالفحم ، والزيت ، والدواء ، ولا تهتم إلا بمعد الجمهور ، وجهازه الهضمى " (32) . . .
كل تلك الملاحظات الأولية تبين لنا الحتمية التى فرضت على جعفر ماجد أن يحبذ هذا الاتجاه الذى سنتبينه فى هذه " النجوم " .
ولعله من الأجدى لنا ، قبل أن نقتحم هذا العالم الجمالى ، أن نزيح من طريقنا بعض " النجوم " التى نراها فى هذه المجموعة خابية اللمعان ، باهتة اللون ، وما من سبب لخباء لمعانها وبهتة لونها إلا أنها لا تعبر عن " حلم " الشاعر ، فهى لا تعبر عن صدق تجربته ، وإن عبرت عنه فالى حد ما . وجل هذه القصائد بالطبع هى وليدة تجربته الجماعية ، غير أن تجربته الفردية أيضا قد حوت بعض القصائد التى أسرع بها الشاعر الى النور ولما تختمر بعد فى " البؤرة " الى " الدرجة " الكافية . واذا قصدنا التحرى والدقة ، كان علينا أن نشير الى جل القصائد التى حوتها " الصفحات القيروانية " و " مذكرات فى السياسية والمجتمع " - ما عدا قصيدة : " فى صقلية " ، ففيها من الصدق ما يجعل وجودها بين هذه " المذكرات " قلقا - ثم قصائد له أخرى مثل : " الربيع " و " غيوم " و " هدايا الورد " ، فانها حشرت بين المجموعة " المتلألئة " حشرا - .
واذا سرحنا البصر فى هذا العالم الصحوى الذى تتلألأ فيه بقية النجوم ، تسارعت الى أذهاننا هذه الكلمات : " مهمة القصيدة كمهمة الفراشة . . . هذه تضع على فم الزهرة دفعة واحدة جميع ما جنته من عطر ورحيق ، منتقلة بين الجبل والحقل والسياج . . . وتلك - أى القصيدة - تفرغ فى قلب القارىء
شحنة من الطاقة الروحية تحتوى على جميع أجزاء النفس ، وتنتظم الحياة كلها ، (33). وذلك هو بالضبط ما تمثله هذه المجموعة من القصائد ، فهى فراشات محومة هائمة تنقل العبير من زهرة الى زهرة ، وهى " كهربات جمالية " تسرى فى قلوبنا وشراييننا وأجسادنا ، لأن الشاعر عندما " تكلم " فقد أفصح لنا عن الكنوز الجمالية الهاجعة فى بواطن نفسه ... وعندئد ، لا يعسير علينا أن نتبين اتجاه الشاعر . فأنفاس " الفن للفن " ولمسات أصابعه بادية آثارها عل كل بيت من هذه القصائد . فجعفر من المؤمنين بهذا القانون القديم : Rien que le Vrai et le Beau, tout ce qui est utile est laid) ) " ليس هناك غير الصادق والجميل ، فكل نافع قبيح " . فالشاعر فى نظره ، مثلما هو فى نظر نزار قبانى : " نحلة حبلى بألف قطرة سكر ، نحلة يتخمر فى احشائها السكر ، ولا يمكن للنحلة ولا للشاعر أن يهربا من هذا الجدول السكرى ، من غدد الجمال المخبوءة فيهما . . . وإلا قتلهما عطرهما " (34) والشعر لديه ، مثلما هو لدى نزار : " الشعر إفراز جمالى ، نزيف حروف ونجوم ونيسانات تتوالد من شق ريشة . وهو بعد هذا وجه الله مرسوم على بياض ورقة . . . " ( 34 ) .
ذلك ما نتبينه من خلال هذه المجموعة المنتخبة من قصائد الديوان . فجعفر لم يسع الى هذا الاتجاه سعيا ، ولكنه أراد أن يكون صادقا ففرض عليه هذا الاتجاه نفسه فرضا ، حاملا معه " فروضا " أخرى أخذت محلها من نفس الشاعر ومن تجربته الشعرية . وهذه " الفروض " تتجلى واضحة فى الشكل " أو " القالب " الشعرى لقصائد جعفر . فاذا كان جيل الشعراء العرب الجدد - الأحداث - قد عاشوا ويعيشون فترة من الذبذبات بين " شكل حديث " وشكل قديم " للقصيدة الشعرية ، نتيجة بعض النسائم التى هبت عليهم من الغرب ، فان شاعرية جعفر ، مثلما أنها لم تعرف لمسات أدباء غربيين مثل نيتشة وكامو وكافكا وكولن ولسون وسارتر وإيليوت ، فانها كذلك لم تتفاعل بما اختمر فى تفكير الجيل الجديد من الشعراء " الاحداث " من ضرورة تبديل القديم بالجديد . لقد شعر جيل الشعراء المحدثين - جيل ما بعد الخمسين من هذا القرن - بوطأة الرتابة الروتينية التى تحدثها الموسيقى الشعرية التقليدية فى أنفسهم ، وذلك نتيجة احتكاكهم بثقافات أخرى وفلسفات جمالية أخرى ، ولدت وتعيش فى بيئات أخرى . ووجدوا أنفسهم فى حاجة الى التخفيف على أنفسهم واراحة ظهورهم مما أنقضها ، فكانت
تجاربهم التى حققت لحد الآن من النجاح ما لا يجحد أو يغمط - فى الشعر الحر أو المرسل . أما جعفر ماجد فلم يكن احتكاكه بالثقافة الغربية احتكاك المتأثر المقلد - وذلك ما نلمسه فى المضمون الشعرى لقصائده - ولكنه احتكاك المتطلع التواق إلى آفاق أخرى من المعرفة . وهو لذلك بقى مخلصا للتراث الذى أخذه عن أجداده والزاد الذى زودته به القيروان ، ذلك أن ما أخذه من الزاد " الخارجى " لم يمتد الى الاعماق التى امتد اليها ما تزود به منذ صغره ، لذلك كان ما أخذه من الثقافة الغربية ، وقد تكونت له ملامح الشخصية الادبية ، عامل تدعيم وتمتين لتلك الشخصية وليس عامل تهديم لما كسب من أثر عميق ، فى نفسه ، ورثة عن أجيال سالفة تعاقبت على أرض القيروان :
" أنا بذرة فى ثراك الخصيب رضعت سحر البيان ،
" أنا ما قرأت على ( هوميروس ) ولم اشتر الحبر من ( أصفهان )
" ولكن هنا حفيت قدماى وذقت من العز مثل الهوان
" غشيت الكتاتيب عند الصباح وتحت العصى حفظت المثانى " (35)
ذلك الاخلاص ، أو ذلك الصدق فى التجربة الشعورية تجاه الارض التى أنبتته ، ذلك الصدق الذى انشأته فيه طبيعة تكوينيه فى بيئة خاصة ، هو الذى جعل - فى رأيى - قصائد فى ديوانه ، مثل " غلاتيه " و " غيوم " و " هيروشيما " و " لا تعودى " ضعيفة شكلا ومضمونا ، بسيطة فى صورها الشعرية ، باهتة فى ألوانها الشعورية ، يسودها التكلف فى أغلب الاحيان . ولو كان الشاعر قد أرجأ كتابة مثل هذه القصائد الى الفترة التى كتب فيها " الملاح " و " الخطابا " لكان أجدى له وأخلد لتلك القصائد المسكينة ، إذ أن تجربة الشاعر فى هذه الفترة أصبحت أعمق جذورا وأبعد امتدادا فى العالم الانسانى ، فلم يبق خاضعا لهيمنة " البيئة الاولى " على نفسه ، بقدسيتها ، كما كانت تهيمن عليه من قبل . . . وبذلك أصبح صدق تجربته الانسانية ، وشعوره بشمول انسانيته ذا مفعول على تجربته الشعرية . واعتقادى أن ماجد لو كتب فى هذه الفترة قصائد حرة ، لكانت فى مستوى " الملاح " و " الخطايا " أو لفاقتهما . . .
ولكنه ، على كل حال ، لم يفلح فى تلك القصائد الاولى ، الحرة الضعيفة . ولو أنه كتبها على طريقته الاولى ، الخاضعة للهندسة القديمة للقصيدة الشعرية العربية ، لما ضاره ذلك شيئا ، ولما قيل عنه إنه لم يكتب شعرا حرا ! ! بل إن الدارس النزيه ليكبر فيه صدقه ، فى عمله الشعرى ، شكلا ومضمونا .
أجل ! إن الشاعر يكون صادقا أيضا فى الشكل الذى يضع فيه قصائده : وذلك أن اللغة التى يعبر بها الشاعر تشكيل زمانى مكانى فى أن واحد ، إذ أن اللفظ الذى يستعمله وحدة نغمية ذات دلالة مكانية . والتشكيل الزمانى للقصيدة يتمثل فى كل ما يتصل بالاطار الموسيقى ( 36 ) والشاعر الصادق عندما يكتب فى وزن ما ، فانما يترجم حالة نفسية شعورية فى توقيعات نغمية تناسب ما يتموج فى نفسه من شعور واحساس . فهو يقدم للمتلقى صورة صادقة لوحدانه فى حالة نفسية خاصة ، فى شكل موسيقى مناسب لتلك الحالة . أما التشكيل المكانى للقصيدة فيتمثل فى محاولة الشاعر ايجاد توافق وتناسق بين عالمه الباطنى والعالم الخارجى من خلال ذلك " التوقيع الموسيقى " ، اذ تبرز الأفكار ( Les ldees ) متقمصة عالم الاشياء الواقعية ، بعد أن كانت مختفية فى عالم " اللاواقع " . والشاعر عندما يصف " الواقع " أو يتحدث عن عالم الاشياء ، فانما يضفى عليهما مشاعره . فهو إذن " يشكل صورا " . وذلك التشكيل يمثل " نسقا خاصا للمكان لم يكن له من قبل ، تماما كالنسق الزمانى ( الموسيقى ) الخاص الذى صنع به الصورة الصوتية للقصيدة " (37) . وبذلك نتبين أن الصورة الشعرية فى القصيدة نفسية ذاتية وليست موضوعية ، فهى تمثل " المكان النفسى " ولا تمثل " المكان المقيس ". . .
تلك هى علاقة الشكل الفنى للقصيدة بصدق التجربة التى يعبر عنها الشاعر . فصدق التجربة التى يعبر عنها يفرض عليه الكتابة على طريقة معينة وشكل معين . وذلك هو السبب الذى أراه معقولا لتعليل نجاح قصائد جعفر ماجد المبنية على الهندسة القديمة ، وفشل قصائده الحرة التى ذكرتها . فالتشكيل الزمانى والتشكيل المكانى للقصيدة جد وثيقين بحالات الشاعر النفسية ، والموروث الشعورى ، والمحصول التراثى لجعفر ماجد ، يجعلانه بلا شك مرتبطا ارتباطا وثيقا بحالات نفسية معينة ، نستجلى ملامحها من حبه العميق لبلاده ، ذات المجد العريق ، التى يذكر الشاعر بنفسه أن أثرها عليه كان أكبر من أثر أى عامل آخر . فهو إذن بحكم طبعه ميال الى القديم . ونحن نتبين ذلك فى الديوان دون أن نجد عسرا ، سواء عندما ننظر الى اللغة التى يستعملها غالبا ، أو عندما ننظر الى الناصر البلاغية التى توفرت فى شعره . فهو يقول مثلا :
" ولى وحى وتنزيل ، ألا كم هجت من حس ! " ( 38 )
أو يقول :
" بلادى عدتك عوادى الزمان ولا خانك الفوز يوم الرهان ،
" ٠٠٠ فكم فاخرت (صبرة) (بصرة) بنثر (على) وشعر (ابن هانى) " (39)
أو يقول :
" وشرع الحب تضحية وبذل ومن ذا لم يكن من عاشقيها ؟ " (40)
وتتجلى متانة الاسلوب وثراء اللغة والنزعة القديمة الى استعمال الالفاظ والتراكيب التى أصبحنا فى غنى عنها ، إذ تجاوزها الذوق الحديث ، يتجلى كل ذلك فى قصيد : " شعرها حرير " :
" عيناك من قبس أم فيهما قبس يغفو الحرير على جنبيه والفلس .
" ... ماذا ؟ أما احتضنت عيناى فاتنة ألم تنهنه شفاه قبلها لغس ؟
" أما خلعت غلالات معطرة يـــــ رف فيها صريعى اللاهث الشكس ؟ (40)
ولكن ، مما يجب الاعتراف به أيضا ، هو أن هذه " المسحة القديمة " المتجلية فى " نجوم على الطريق " قد أضفت على الديوان ميزة - اذا تغاضينا عن بعض الهنات طبعا - قلما توفرت فى مجموعة شعرية من شعرائنا المعاصرين . وهى متانة المحتوى اللغوى ، وخلو الاسلوب من الهفوات الشكلية . والكلمة الاخيرة التى تقال فى صاحب الديوان هى أنه شاعر . وما أقل الذين يصدق وصفهم لهذا النعت ! وهو شاعر عندما يفرض الشعر عليه نفسه ، - وقد توفر له ذلك فى تجربته الفردية - وليس عندما يفرض نفسه على الشعر ، كما حاول ذلك فى تجربته الجماعية ، وخاصة فى " مذكراته " . أما الديوان ، فلولا وجود بعض التراكيب التى لا يقبلها ذوق العصر ، ولولا وجود " التقريرية " فى بعض قصائده ، ولولا وجود " مذكرات فى السياسة والمجتمع " ضمنه ، لكان ممتازا حقا ، شكلا ومضمونا .
إ . م . اكتوبر 1968 - صلامبو - طالب بكلية الاداب

