منذ أربعين سنة كاملة كتب أبو القاسم الشابى :
« إنما الذى يغض منا معشر التونسيين ان تتخذ من هذا الأدب [ أى الأدب العربى ] الذي يخلق لنا ،غذاء لأرواحنا ورحيقا لقلوبنا لا نترشف غيره » (*)
صيحة داوية نسيها الكثير فى تونس أو تناسوها ، وصم عنها آذانه فى الشرق من وصلته أصداؤها واتفق الجميع على الاعجاب بشعر الشابى من دون الالتفات إلى أن أهم مقوم من مقومات بروزه ، وبزه لغيره من شعراء العصر هو ثورته الواعية على محتوى الأدب العربي عامة والشعر العربي خاصة ، وإنكاره إنكارا لروحه البعيدة عن روح العصر ، الغريبة عن الروح التونسية .
هذه الناحية من تفكير الشابى أغرقها فى النسيان ، أيضا ، شعره ، وطمس معالمها منحاه فى سبك تعاببيره لانه حافظ من دون أن يشعر ، رغم هذه الثورة العارمة ، على ما سماه الاستاذ محمود المسعدى « السنة الثقافية العربية » (**) .
وليس معناه أنه كان من واجبه أن يتنكر للغة العربية إذ هذا لا يعقل من الشابى ولا يقبل من تونسى مهما كان إلا إذا أراد أن يتفسخ ويخرج من قومه بل الذى اعنيه هو أنه - عند محافظته على عمود الشعر العربي دون أن يضيق به ومحاولته إقحام مشاعره وعواطفه وخياله فى هذا الثوب الذى « لم يخلق لنا » - بقى وفيا فى الواقع للروح العربية الجاهلية . والمتتبع لشعره يجد هذه الرواسب واضحة نذكر منها هذه الصورة على سبيل المثال فى أشهر قصيد :
ولابد لليل أن ينجلى
فالشابى بتقيده بعمود الشعر اضطر - بعد المعانى المشرقة العصرية الموجودة فى مطلع القصيد :
إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر
الى الانسياق من دون ان يشعر الى صورة تمثل عقلية وروحا وحضارة غريبة عن العصر تذكرنا مرغمين ببيت امرئ القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجل يصبح وما الاصباح منك بأمثل
وعبارة الليل أو الظلام فى شعر عبقرى تونس منبثة بصورة صارخة فى ثنايا الأبيات كعبارة الصباح والصباح الجديد .
و« وفاء »الشابي « للسنة الثقافية العربية » بهذه الصورة فى الشكل لا في المضمون لم يضر كثيرا بشعره بطبيعة الحال فأكسب له الشهرة والعبقرية خاصة وان ذوق قراء الشعر العربى فى تلك الفترة لا يقبل شكلا يخرج عما درج عليه الشعراء منذ أقدم العصور من تشبث بلغة شعرية قديمة (*) . ولكنه أضر بصلب عقيدته وهى التخلص من ادب لم « يخلق لنا ».
ذلك أن شاعرنا وإن تخلص بجهد جهيد من مضمون الشعر العربى فجدد فى الأغراض وفى الصور وفى الخيال فانه بقى سجينا فى الأوزان العربيه القديمة وكلفه ذلك ثمنا باهضا . إذ أنها طمست فى كثير من القصائد العواطف الجامحة والصور المشرقة والآراء النيرة المبثوثة فى كتابه « الخيال الشعرى عنا العرب » وفى رسائله ومذكراته .
و الدليل على ذلك أن أحسن قصائده وأقواها شحنة شعرية وأكثرها انسجاما مع آرائه ومذهبه فى الشعر ، هي التى لم يلتزم فيها قافية واحدة بل نصرف فيها تصرفا مكنه من تخفيف حدة القيود التى أحكمها رواد الشعر العربى فى الجاهلية .
لذا فان الشابى رغم جودة شعره ورغم عبقريته التى لا منازع فيها لم يكن قادرا فى ذلك الظرف ، والشرق العربى كله كان ينادى من حيث التعبير واللغة بالرجوع إلى صفاء العربية في عصور ازدهارها ، على أن يتم ثورته فيجرأ إلى جانب تنكره لمحتوى الأدب العربى ، على أن يتنكر الى شكل الشعر
العربى . ذلك أن الهالة التى دارت حول هذه الأوزان وانغلاق كنهها (*) على العرب أنفسهم وإعجاز لغة الضاد نفسها وقوتها كل هذا لم يعن شاعرنا على المضى الى اقصى حد فى تمرده.
وقد جرؤ بعضهم على ذلك وفتح فى الشعر بابا جديدا هو الشعر الحر ولكنه فى الواقع تجديد منقوص لأن المحافظة على التفعيلة (**) هى ارتباط لا مناص منه بسجن الأوزان إذا رام الشاعر الابقاء على الايقاع والموسيقى وإن هو تلاعب بالتفعيلات كما شاء خرج من دائرة الوزن وخرج من الشعر .
لهذا فاننا نجد أنفسنا بعد أربعين سنة فى نفس المرحلة إلا ما أقدمت عليه نخبة من الشبان الشعراء عند طرقها باب فى « غير العمودى والحر » ومواصلتها للثورة التى أعلن عنها الشابى . فعسى أن يكون لهم من القدرة ومضاء العزيز وروح الخلق والسيطرة على اللغة العربية ما يجعلهم يخرجون بالشعر العربي من الركود الذى تردى فيه ومن التعثر المزمن الذي أصابه بعد الشابى.
