من الادباء العرب من يتصدى لطرح هذه المشكلة برفضها من الاساس . ومنطلق هذا الرفض يتجه الى انكار مقولة (( المضمون )) فى العمل الادبى الابداعى ، بوجه ما . يرجع هذا الانكار الى فهم خاطئ لجدليه العلاقة بين الشكل والمضمون . أى أن الوحدة الجدلية بينهما ، التى تعنى ان لا وجود لاحدهما دون الآخر ، وان لا تصور لاحدهما دون تصور الآخر - هذه الوحدة تستدرج البعض الى رؤية البنية التعبيرية الادبية كنسيج من العلاقات اللغوية - الفنية الداخلية المتفردة فى خلق القيم الجمالية للعمل الادبى ، بحيث يصح عند هؤلاء أن (( الشكل )) هو (( المضمون )) ، أو أن (( المضمون )) هو (( الشكل )) ذاته ولا شئ آخر غيره .
والواقع ان قضية العلاقة بين الشكل والمضمون ، هى من عقد الفن الكبرى ، بوجه عام . وهى لفرط تعقدها كثيرا ما تستدرج كلا من الناقد الادبى ومبدع العمل الادبى : اما الى خطر الشكلية ، واما الى خطر الواقعية المبتذلة ، ان لم يكن يمتلك القدرة على ترويض هذه العقدة . ولا تكفى الموهبة الفنية فى امتلاك هذه القدرة ان لم ترفدها المعرفة بمعناها الشمولى ، وهى المعرفة التى لا بد ان تنتج - فى ما تنتج - تمكين الذهن الخلاق من استيعاب جدلية العلاقة بين الشكل والمضمون بجوهرها المركب غير القابل للتفكيك والتجزؤ .
ان رفض طرح المشكلة كمشكلة مضمون ، على أساس رفض مقولة المضمون ذاتها ، لا ينفى وجود مشكلة قائمة بالفعل فى أدبنا العربى المعاصر على
مستوى العلاقة الداخلية في هذا الادب بين بنيته التعبيرية وصورة العالم كما ترسمها - أو كما تنتجها - هذه البنية . ليست المسألة ، هنا ، أن نسمى هذه الصورة (( مضمونا )) أو (( محتوى )) أو (( معنى )) أو (( مدلولا )) أو أن لا نفرد لها اسما خاصا قد يشعر باضافة شىء الى البنية التعبيرية ( دخيل عليها ) وانما المسألة ، هنا ، أن العمل الادبى لا يمكن ان تتشكل بنيته التعبيرية ، أو أن تتشكل خصوصيته الفية ، دون أن تتشكل هذه البنية أو هذه الخصوصية كصورة ما عن العالم ، أى كعلاقة ما بين العمل الادبى والعالم ، أو بين (( ذات )) الاديب المبدع ومصدر عمله الابداعى الذى هو العالم ، أى الواقع القائم خارج (( الذات )) .
ان المشكلة فى أدبنا العربى المعاصر ، تتحدد ، على مستوى هذه العلاقة ، بكونها مشكلة انفصام بين صورة العالم كما هى فى رؤيا هذا الادب ، وبين العالم نفسه كما هو فى حركته التاريخية الموضوعية خارج وعى الاديب المبدع . نقول (( هذا الادب )) ، ونعنى الطابع العام الذى يحكم معظم نتاجه ، ولا نعنى به حكما شاملا ومطلقا لا يستثنى تلك النتاجات الابداعيه النادرة المرتوية بعافية العلاقة مع واقعها العربى .
ليس غائبا عنا ، اننا مواجهون ، هنا ، بالاعتراض التهويلى التقليدى الذى سيقول لنا : ماذا ؟ ... أتريدون أن تكون الصورة واحدة ، اى ان يكون العالم فى واقعه الفنى كما هو فى واقعه المادى ؟ ... اذن ، أين الفرق بين الواقعين ، وأين القيم الفنية للادب ، كفن ؟ .. ماذا يميز العمل الفنى اذن من الكتابة الاعلامية أو الاعلانية أو الصورة (( الفوتوغرافية )) ، أو الكتابة البحثية ؟ ..
ليس غائبا عنا هذا الاعتراض .. فهو دائما فى موقع المواجهة كلما هجمنا على المشكلة لنضع اليد على مكان الوجع وأصله وظاهراته كى نتلمس مكامن العافية لادبنا المتأزم ، المتوجع بأزمته ، والمكابر مع ذلك فى اخفاء أزمته ..
ان الاعتراض هذا يتخذ من منطق الحق الذى للادب ، منطقا للمغالطة التى ترفضها طبيعة الادب نفسها .. انه يتخذ من الخصوصية المعترف بها للابداع الادبى منزلقا الى اعتبار هذه الخصوصية صورا تحتجب وراءه المشكلة الراهنة لادبنا فى زمنه الراهن .. أعنى مشكلة الانفصام تلك التى تتجاوز كونها مشكلة الادب العربى وحده الى كونها كذلك احدى مشكلات مجتمعنا العربى
في المرحلة الحاضرة لحركة تحرره الوطنى ، لان هذا الانفصام يفقد هذا المجتمع سلاحا كفاحيا له فاعليته العظيمة على مستوى الادب والفكر والايديولوجيا .
لكن الاعتراض قابع فى موقع المواجهة على كل حال .. فعلينا أن نكون منه فى موقع المواجهة أيضا . فماذا نقول له ؟ ..
نقول له : صحيح أن للعمل الادبى الابداعى - ولا سيما الشعر - خصوصيته المتميزة ، وفاعليته المتميزة ، وعلاقاته البنيوية الداخلية المتميزة .. وصحيح أيضا - ولا اعتراض - أن صورة العالم ( الواقع ) كما ينتجها وعى الاديب - الفنان هى غير حقيقة العالم فى حركته التاريخية الموضوعية القائمة خارج هذا الوعى . ان الصورة الفنية تكون غير الحقيقة الواقعية بمقدار ما يكون للاديب الخالق من قدرات على أن يخلق العالم من جديد فى صورته الفنية .
نقول : صحيح كل ذلك ، ولسنا فى غياب عن كل ذلك ، ولا عن شئ منه ، وليس من طبائع الامور أن نغيب عنه أو يغيب عنا ما دمنا نقرأ العالم مرتين: مرة في حركته التاريخية الموضوعية ومرة فى حركته الابداعية المستمرة في عملية الخلق الفنى ، لكن المغايرة أو التمايز بين الصورتين ، أو بين الحركتين ، بالمعنى العام ، شئ آخر يختلف جذريا عما نحن فيه من مشكلة الانفصام بمعنى انقطاع العلاقة بين الصورتين او بين الحركتين .. طبعا ، لا نقصد انقطاع هذه العلاقة بصورة مطلقة . فهذا مستحيل واقعيا ، لانها علاقة موضوعية لا يمكن قطعها بإرادة ذاتية أو بعملية من عمليات الابداع الفنى . ذلك بأن حقيقة العالم الواقعى تشكل المصدر والمنبع لصورة العالم الفنى . اذن ، ماذا نقصد بالانقطاع الذى يساوى الانفصام ؟.
ان جوهر المشكلة يكمن فى أن عالم الابداع الادبى العربى ، والشعرى منه خصوصا ، فى مرحلته الراهنة ، يدور - بالغالب - على محور الـ (( أنا )) الفردية بخصوصياتها الضيقة ، أى بتحويل علاقاتها الاجتماعية الى شرائح منفصلة بعضها عن بعض ، ومجتزأة من اطارها العام ، من سياقها التاريخى ، من حركيتها الجدلية الشمولية .. هذه الشرائح المجتزأة تتفتت فى ابداعات (( الذات )) الى علاقات تتصرف بها الـ (( أنا )) لا على أساس كونها علاقات اجتماعية تاريخية تشملها هى - أى الـ (( أنا )) بمعطياتها الايجابية والسلبية ، بل على أساس كونها (( خصوصيات )) فردية تعزلها عن عالم
(( الآخرين )) أى تضع صورة (( الخاص )) فى اطار من الوجود المستقل عن الوجودات الخاصة الاخرى ، دون أن ترى (( العام )) الذى ينتظمها بعلاقة (( القاسم المشترك )) ، رغم ان هذا (( القاسم المشترك )) هو البؤرة التى تلتقى فيها (( جملة العلاقات الاجتماعية )) لتتوزع على الوجودات البشرية الخاصة ( الافراد ) متخذة فى كل منها طابع خصوصيته وإفرادته النسبية .
من هنا نلحظ فى الابداعات الشعرية ، فى مرحلة ما بعد حرب الايام الستة 1967 ، حتى حرب السنتين فى لبنان أخيرا ، انكفاء فى عالم (( الذات )) ، ونلحظ فى هذه الابداعات ان العلاقات الآتية اليها من أزمة الواقع العربى ، خلال هذه المرحلة ، كأنها طارئة عليها من خارج زمنها ، من خارج علاقاتها الداخلية ، وكأنما العالم (( الذاتى )) هو عالمها الاوحد . لذا غالبا ما تواجهنا فى بعض هذا الشعر نبرة (( استعلائية )) كنبرة المهاجر من زمن (( الآخرين )) الى زمن صوفى تتوحد فيه الـ (( أنا )) بالمطلق - المستحيل ..
نبادر هنا الى تبريد وهم محتمل . فقد يبدو أننا نقصد الى الربط بين ظاهرة الانفصام هذه وبين الحركة التجديدية فى الادب العربى المعاصر . ان هذا الربط لا أساس له فى تحليلنا للظاهرة ، وهو بعيد عن رؤيتنا النقدية . فانه من الخطأ ارجاع ظاهرة الانفصام فى شعر اللحظة الراهنة الى الحركة التجديدية بحد ذاتها ، دون النظر الى العوامل الآتية من ظروف اللحظة الراهنة نفسها . ان الحركة التجديدية ، كحركة تغيير جذرى فى نظام القصيدة العربية ، أو فى بناء القصة أو الرواية الى حد ، ليس من طبيعتها بهذا المعنى ولا من تاريخيتها ، ان تخترق علاقة الادب بواقعه العربى لتفصم هذه العلاقة ، بل العكس هو الحقيقى فى طبيعة هذه الحركة وتاريخيتها . نقول ذلك وفى ذهننا الملاحظات الآتية :
أولا - ان تعبير (( الحركة التجديدية )) فى معرض الكلام على أى شأن من شؤون الادب العربى المعاصر ، أصبح الآن تعبيرا لا يعنى شيئا ، بل تعبيرا مجانيا لم تبق له حاجة . ذلك بأنه أصبح تعبيرا لا معادل له فى حركة أدب المرحلة المعاشة الآن . أعنى إن (( خارطة )) أدبنا لهذه المرحلة مغطاة ، على نحو شبه كامل ، بالحركة التجديدية سوى (( جيوب )) متباعدة وضئيلة ومنعزلة بقيت على الخارطة كشاهد بأن أنظمة الادب العربى الكلاسيكية فقدت مبررات
وجودها فى عصر تجاوز عصرها . وحاصل ذلك أنك حين تقول الآن : (( الحركة التجديدية )) يكون هذا مرادفا لقولك : (( حركة الادب العربى الحاضر )) والا فليس لهذا القول من دلالة فى الواقع إذا عنيت به حركة تجديدية مقابل حركة أخرى تقليدية ، لانه لا وجود حقيقيا لهذه الحركة (( الاخرى )) فى اللحظة الراهنة ..
ثانيا - ان تاريخية (( الحركة التجديدية )) هى بذاتها ترفض الربط بين هذه الحركة وبين ظاهرة الانفصام المتحكمة الآن فى بنية القصيدة العربية غالبا . أعنى أن للحركة تاريخا وأن لتاريخها مراحل كانت ولم تكن ظاهرة الانفصام سمة من سماتها المميزة . فهى - أى حركه التجديد - حتى فى مرحلة كينونتها فى الاربعينات كانت تبنى علاقتها مع الواقع العربى على أساس من المواجهة التفاعلية الصراعية ذات البعد الرومانسى دون أن يكون رومانسية ، وما كانت تبنى علاقتها هذه على أساس من الاستعلائية كما هى فى مرحلتها الحاضرة ، اى استعلائيتها حتى على المواجهة مع الواقع ، وان بنحو المواجهة الصراعية . وفى مرحلة الخمسينات دخلت فى علاقه جديدة مع المرحلة الجديدة للواقع العربى ، هى علاقة الانحياز الى هذا الجانب او ذاك من جبهة الصراع حين تغرت موازين القوى لصالح قوى التحرر والتقدم آنداك. كان انحيازها هذا يتأسس على قاعدة رؤيوية يحددها الموقع والموقف من طرف جبهة الصراع . أى أن اتجاه الرؤية الشعرية كان يلتحم باتجاه الانتماء الايديولوجى ، فتتأصل العلاقة الجدلية بين فنية الادب وواقعيته ، عموديا ، نحو جذرية العمل الابداعى .
لم يتغير المنحى العام لحركة التجديد الشعرية ما بين المرحلتين السابقتين من حيث العلاقة التفاعلية مع الواقع العربى تغيرا جوهريا ، سوى أن مرحلة الخمسينات وضعت هذه العلاقة فى دائرة الوعى ، أى وعى الترابط الجذرى بين خصوصية (( الذات )) وعموميتها ، أى بين بعدها الفردى وبعدها الاجتماعى . وفى دائرة الوعى هذه تحددت وجهة الحركة التجديدية ، عبر شعر الرواد أنفسهم ، نحو خط الانحياز .
ثالثا - حين نقول : تاريخية الحركة التجديدية فى الادب العربى لعاصر ، نقول ضمن ذلك تاريخية الحركة التى تشكل العصب المركزى لكل المتحركات فى المحيط الوطنى والقومى للاقطار العربية . أعنى ان حركة التجديد الادبية حين ظهرت فى الاربعينات لم ترتجل نفسها ارتجالا فى رؤوس روادها منفلتة
من قانونية السببية التاريخية ، اى منقطعة عن نهر الزمن العربى بتياراته الذاهبة فى مجرى الصراع مع موجة التحرر الوطنى - الاجتماعى وهى تتصاعد من الاعماق الجماهيرية بزخم كاسح حينا ، وبانكسار وانكفاء الى الاعماق ذاتها حينا ، وبتنافض دائما مع القيم والعناصر البالية العفنة : الطاغية ، أو المترسبة ، أو المتسللة الى ثنايا الموجة التحررية بالذات .
ان (( الارتجال )) لفظة اسقطت على اللغة فى زحمة الاسقاطات الآتية الى الوعى البدائى بأشكال من الوهم أو من الزيف الذى ظل عصورا هو السمة الدامغة لتجليات الوعى البشرى فى حقل المعرفة أو فى حقل العلاقات الاجتماعية ، وان بتفاوت نسبى بين هذا الحقل وذاك ، أو بين هذا العصر وذاك . لكن ، قد مضى الزمن الذى كان فيه (( الارتجال )) يعنى ظهور الجديد فى حركة الاشياء والمجنمعات كظهور النباتات الفطرية والطفيلية على غير جذور دون اختمار فى الارض . مع الكثير من عناصر الارض . فليس شئ فى تاريخ الطبيعة أو المجتمع أو الفكر ينبت (( ارتجالا )) هكذا الا وهو يحمل شهادة موته فى شهادة ميلاه .
لهذا نقول ان حركة التجديد فى أدبنا العربى المعاصر ما كان لها ان تثبت تاريخيتها الخاصة أو أن تحقق صيرورتها النوعية ، لولا اصالة العلاقة العضوية بين تاريخيتها تلك وتاريخية المسار التحررى العربى بحركته العمقية والافقية معا . ففى هذا المسار ذاته ، وهو يتخذ منحاه الاكثر استضاءة بوعى الحرية بعد الحرب العالمية الثانية ، ظهرت حركة التجديد الشعرية ، كشكل متطور من أشكال هذا الوعى على الصعيد الفكرى والادبى .. غير أن وعى الحرية هذا ، فى شكله الشعرى ، وجه استقلاليته الفنية ، وهى المقدمة الكبرى لمنطق وجوده ، وجهة الرحيل الى الداخل ، أى الى همومه التكوينية ، خلال الاربعينات ، كى يبنى بناءه الجديد بأدواته ومفاهيمه الجديدة ( لغته ، رموزه ، هندسته الهيكلية ، نظام الجمالى الداخلى ، رؤياه النوعية للعالم . . . ) وكى يحل عقد التناقضات المتشابكة والحيوية فى مجمل علاقاته : بين الحداثة والاصالة ، بين الايقاعات الخارجية السطحية الكلاسيكية والايقاعات الداخلية العميقة الكيانية ، بين المفردة اللغوية ذات البعد المعجمى الواحد ، والمفردة الشعرية ذات الابعاد الايحائية الذاهبة الى أقاليم التفتح الرؤيوى الخلاق .. وكان عليه ، قبل كل هذا وبعده ، أن يحل عقدة التناقض بين سكونية الجذور الموروثة الباقية وحركية النزوع المعاصر الى قراءة الرعد
والريح والمطر فى شرايين الكائن الجديد ، العالم الجديد ، الزمن التاريخى الجديد ..
هل استطاع رواد الحركة التجديدية للشعر العربى أن يحلوا هذه العقد التناقضية فى مرحلتها الريادية ، أى مرحلة الاربعينات ؟ ..
ليس من مهمة بحثنا هنا أن يجيب عن السؤال بالدقة والتفضيل المطلوبين فعلا فى هذه المرحلة بالخصوص . لكن ، لا بد من القول الآن ، بايجاز ، انه من المجازفة ، بل من التبسيط الساذج لقضية الشعر ذاتها أن يطرح السؤال بهذه الصيغة الاطلاقية . فهل استطاع الجيل الآخر ، أو الاجيال الاخرى ، بعد جيل الرواد ، أن يحل هذه العقد نفسها أو ما ينشأ عنها أو ما ولد من عقد جديدة كان لا بد من ولادتها فى هذه الحركة النامية والمتصاعدة حتى السيطرة المطلقة على زمننا الشعرى الحاضر ؟. بل ، من الصحيح السؤال : هل من طبائع الامور أن يستطاع ذلك ؟.
ليست المسألة أن تحل عقد التناقض هذه وتلك فى جيل واحد ، أو فى أجيال عدة ، وانما المسألة أن الشعر العربى الجديد قد استطاع ان يبنى لنفسه تاريخا بسط ظلاله المهيبة على القول الادبى كله فى تاريخ الفكر العربى المعاصر ، مستجيبا لضرورات الحضور الحى المرهف والمتوتر والمقتحم ، فى حركة عصره ، أى فى تاريخية العالم الجديد الاكثر استضاءة بوعى الحرية .. ثم ان المسألة أيضا أن هذا الشعر العربى الجديد كان قد تجاوز مرحلة الريادة الاولى ، رغم قصر مداها الزمنى ، حين دخل مرحلة الخمسينات ، فتوجه باستقلاليته الفنية حينذاك وجهة التعامل ، فى نطاق هذه الاستقلالية ، بين هموم البناء التكوينى لادواته ومفاهيمه الثورية ، وبين هموم القفزة النوعية ذات التوجه الثورى لحركة التحرر الوطنى العربية منذ منتصف الخمسينات .. ثم إن المسألة ، بعد هذا وذاك ، فى أمر الشعر العربى الحاضر ، أنه واصل بناء تاريخيته الفنية بدأت دينامى يتفاعل جدليا مع قانونية التطور بشموليتها الكونية وخصوصياتها العينية معا .. أما المسألة التى تنتجها هذه المقدمات كلها ، ضمن الملاحظات الثلاث السابقة ، فهى القصد الاهم هنا الآن : أعنى توكيد القول بأن الظاهرة المتسربة إلى حركة هذا الشعر ، فى مرحلته الحاضرة ، أى ظاهرة الانفصام ، ليست هى من اللوازم الكيانية الثابتة لهذه الحركة ، بل ان اللمحة المكثفة من تاريخية هذه الحركة ، كما استطعت وضعها فى هذا الاطار الاستطرادى ، تقول لنا العكس . انها تقول : لا ، فالظاهرة
طارئة وعارضة . لكنها - كذلك - ليست منفلتة من قانونية السببية التاريخية ، أى ليست علامة انقطاع عن نهر الزمن العربى بمجراه الصراعى الحاضر .
يصل بنا سياق البحث هنا الى السؤال : هل ظاهرة الانفصام ، على نحو ما حددنا معالمها فى بداءات هذه المعالجة ، هى نفسها ما يسمى بمشكلة المضمون ؟
يبدو لنا ، من منطق السياق الذى نسير معه حتى الآن ، اننا نبتعد عن بؤرة المشكلة اذا نحن ذهبنا فى تفسير الظاهرة الى قضية المضمون بحدودها التقليدية المألوفة . فما دامت العلاقة بين الشكل والمضمون ، فى العلمية الابداعية ، علاقة وحدة عضوية وجدلية ، فليس صحيحا ، بل ليس ممكنا ، أن تفسر الظاهرة أو تلك من ظاهرات العملية الابداعية بأنها محكومة بعلاقة مع أحد طرفى هذه الوحدة العضوية الجدلية دون الطرف الآخر . ان هذه العلاقة (( الفردانية )) لا وجود لها ، لانه لا يمكن وجودها . فكل ظاهرة اذن محكومة بعلاقتها مع بنية العمل الفنى بكامل عناصرها التكوينية .. هكذا شأن ظاهرة الانفصام فى شعرنا العربى الآن : ليست هى مشكلة المضمون ، وانما هى مشكلة البنية الشعرية بوحدتها الكاملة ، لكن ، ليست البنية الشعرية هى بذاتها وبطبيعة كيانيتها الفنية مصدر المشكلة . فالمصدر هو صانع هذه البنية هو المبدع نفسه ، هو الشاعر العربى النوع ، أى النوعية الغالبة لمنتجى القول الشعرى فى لحظتنا الراهنة .
من علامات الظاهرة ، ظاهرة الانفصام ، كما يتمثلها القارىء العربى ، كثافة الجدار الحاجز بينه - أى القارىء - وبين هذا الشعر ، أى هذه البنية الشعرية التى يقرأ .. من أين هذا الجدار ، من أين هذه الكثافة ؟. هل هى كثافة المضمون ، عمقه ، تعقده ، تعالى مستواه الفكرى ، تخطيه المستويات الفكرية للقارئين حتى المثقفين منهم ؟ .. هل هى كثافة الشكل ، جدته التى لم تبق جديدة ، هيكليته اللغوية - الفنية ، نظام الجمالى - الجوانى ، رموزه المحجبة الرمادية ؟..
فى من ينتجون هذا الشعر طليعة مشهود لها بكونها فى الطليعة ، بالأقل وهى تنتجه على نظام الحداثة ذاته ، بل هى تزيد هذا النظام تأصيلا وترسيخا
وتعميقا ، وقل : تعقيدا أيضا . لكن شعر هذه الطبيعة - وهى قليلة عددا ، قليلة جدا يندفع الى وعى القارىء العربى دون حاجز ، أو - بالأقل - دون كثافة فى الحاجز ، مع ان اللغة الشعرية نفسها ، الهيكلية الفنية بمواصفاتها العامة نفسها ، النظام الجمالى - الجوانى نفسه ، الرموز الشائعة نفسها ، اضافة إلى عمق المضمون وتعقده وشموخ مستواه الفكرى الخ ... ذلك يعنى ان كثافة الحاجز ليست من هنا ، أى ليست آتية من طبيعة المضمون ولا طبيعة الشكل ولا طبيعة الوحدة العضوية الجدلية بين الشكل والمضمون ، اى ليست فى طبيعة البنية الشعرية ككل متكامل .
اعتاد الكثير من نقاد هذا الشعر ومعظم قرائه تسمية المشكلة هذه بـ (( مشكلة الايصال أو الوصول )) . لكن التسمية الشائعة تلك لا تحدد المشكلة ولا تدل على جوهرها ولا على مصدرها ، وانما تدل على ما تنتجه المشكلة ليس غير . فلا بد من السؤال اذن : لماذا يمتنع على القارى الوصول الى هذا الشعر ، أو لماذا يمتنع على الشاعر ايصال هذا الشعر الى القارئ ؟.
هذا السؤال قائم فى الاذهان ، وهو يتردد كثيرا لدى الناقد والقارئ كليهما ، فهو يعنى اذن أن حقيقة المشكلة كامنة وراء هذه الـ (( لماذا )) فقط ، أى ليس تشخيصا للمشكلة أن نكتفى بالحديث عن امتناع هذا الشعر على الوصول أو الايصال ، دون أن نبحث وراء (( اللماذا )) هذه عن سبب الامتناع.
تكلمنا كثيرا ، فى هذه المعالجة ، عن ظاهرة (( الانفصام )) فهذا وجه واحد من تشخيص المشكلة ، أو هو الخطوة الاولى نحو تشخيصها . لانه يبقى السؤال : لماذا الانفصام ؟. أى لماذا تنفصم العلاقة بين صورة العالم كما تتحرك فى ابداع الشاعر العربى هذه الحقبة الراهنة ، وبين واقع العالم كما يتحرك حركته التاريخية الموضوعية فى خارج وعى الشاعر العربى ؟
ودفعا لاعتراض شعرائنا الذين يعنيهم الحديث عن ظاهرة الانفصام ، بادرنا إلى القول انه ليس المطلوب أن تكون العلاقة بين الفن والواقع علاقة تطابق تام ، لان مثل هذا التطابق ينفى جوهر الشعر ، ينفى خصوصيته الفنية ، ينفى كل تميزاته التى نريدها ، نحبها ، نحتاج اليها حاجتنا الى خبزنا المادى ، فالشعر - وكل الفن - خبزنا الروحى ، وكلاهما حاجة تأسيسية ليكون الانسان انسانا تاريخيا مبدعا قيمه التاريخية .. ليس المطلوب التطابق التام بين صورة العالم فى الشعر وواقع هذا العالم ، وأيضا ليس المطلوب التناقض
ولا نفى التناقض بينهما ، فقد يكون التناقض ضرورة للفن ، ضرورة ثورية ، حين تكون صورة الواقع نفسه تستدعى أن يرفضها الفن دفاعا عن شرف الانسان وحريته وعن حقه المطلق فى أن يصان شرفه وتصان حريته من القهر والانسحاق والاسترقاق .. كما قد يكون التناقض بالعكس حين يكون تناقضا ضد شرف الانسان وحريته ، ضد حقه المطلق فى أن يصان شرفه وتصان حريته من القهر والانسحاق والاسترقاق .
- ما المطلوب اذن ؟ .
استأذن - أولا - شعراءنا باستخدام كلمه (( المطلوب )) . فلست هنا بصدد (( الطلب )) ، أو الفرض ، بل بصدد الافتراض النظرى ، وهذا حقى كناقد وكمواطن عربى يفكر بضرورة صحة العلاقة بين وعى الحرية فى الفن ووعى الحرية فى الواقع القومى - الاجتماعى العربى . المفترض - اذن - فى هذه العلاقة ألا تكون علاقة انقطاع بين (( أنا )) الحقيقية الواقعية ، أى التاريخية ، أى المتكونة تاريخيا من (( جملة العلاقات الاجتماعية )) .. المفترض - وذلك افتراض واقعى - أن تكون العلاقة بين وعى الحرية فى الابداع الشعرى ووعى الحرية فى قوى المجتمع الثورية ، علاقة تواصل جدلى ، فعل وانفعال متبادلين. ففى علاقة التواصل هذه يتهيأ للشاعر اكتشاف مكمن العلاقة الاخرى ، أى علاقة الـ (( أنا )) الفردية بالـ (( أنا )) الاجتماعية . بذلك يكتشف الشاعر أيضا أن وعيه الحرية ليس وعيا ، بل وهما ، ما لم يكن رؤية للحرية انها المستحيل حين يتصورها مطلبا منفصلا مستقلا عن مطلب التحرر الوطنى أو الاجتماعى فى وطنه أو فى مجتمعه الأوسع .
ان الانفصام الذى يبدو كظاهرة طاغية فى شعرنا العربى للحظة الراهنة ، يكمن - أساسا - فى نقطتين : أولاهما : أن وعى الحرية فى الابداع الشعرى لم يكتشف - بعد - خيط التواصل الجدلى بينه وبين وعى الحرية الوطنية والاجتماعية فى قوى مجتمعه الثورية . لذلك لم يتهيأ له - بعد - اكتشاف كون حريته الابداعية مطلبا مستحيلا ما دامت معلقة بوهم الانفصال بينها وبين حرية مجتمعه الحقيقية ، أى التحرر الوطنى - الاجتماعى .. والنقطة الثانية - وهى نقطة الحسم فى بروز ظاهرة الانفصام - أن وعى الحرية فى الابداع الشعرى حتى لدى الشاعر الذى تجاوز النقطة الاولى بايجابية وبرؤية
صحيحة ، لا يزال يعتمد هذه الرؤية بعفوية هى بالتحديد شكل من الحدس الشعرى .. ولا ننكر هنا أن من خصوصية الابداع الشعرى كون العضوية أو الحدس عنصرا مكونا من عناصره الفنية ، أو سرا من أسراره الجمالية ، لا كشعر فحسب ، بل كفن بوجه عام . لا ننكر هذا ، لكن المسألة ليست أن تكون هذه العفوية أو لا تكون ، وانما المسألة أن تكون وحدها المتحكمه فى فنيته وجماليته أو لا تكون كذلك . والفرق عظيم بين شعر تتحكم فيه العفوية او الحدس الشعرى بإطلاق ، وشعر تتمرس فيه عفوية الذهن الخلاق بالتعامل الاليف والحميم مع المعرفة ، مع الرؤية المترعة والمشعة ببهاء الكنوز المعرفية ، أى كنوز المعارف العلمية الكاشفة ذو المعارف الوهمية والغيبية ودون المعارف التضليلية خصوصا . فهذه الاخيرة هى الاكثر عداء للحرية الحقيقية ، وحرية الابداع الفنى والفكرى بالاخص .. ان الفرق العظيم بين شعر العفوية والحدس المجرد وبين شعر الذهن المترع بالمعرفة العلمية ، هو الفرق ق بين الوعى المقارب لسطوح الاشياء والظاهرات وبين الوعى النافذ الى أعماقها سيرا واكتشافا واستضاءة واضاءة معا .
ان أعراض الانفصام ، بحدوده المرئية فى شعرنا العربى الآن ، وفدت اليه فى فترة الحرج الكبرى من فترات الزمن العربى الحرج ، أى زمن الهزائم والانتكاسات والتراجعات والانحرافات .. ذلك هو المنبع الاساس لوافدة الانفصام .
لكن ، هل كان شعرنا العربى مفتقرا الى المناعة لصد هذه الوافدة بهذا القدر من الافتقار حتى توغلت فى جسده هكذا بيسر ، وتقبلها هو باشتهاء ؟
بصراحة : نعم .. أما (( سر هذا الافتقار )) فلا كاشف له سوى العودة الى احدى النقطتين السابقتين أو كلتيهما : فاما هو عجز الشاعر ، فى فترة الحرج نفسها ، عن رؤية خيط التواصل الجدلى بين وعى الحرية فى الابداع الشعرى ووعى الحرية فى قوى الثورة العربية التحررية . فهذه هى النقطة الاولى .. وأما هو اعتماد الرؤية العفوية والحدس الشعرى المجرد ، من غير تمرس بالمعرفة العلمية لتكتسب عين الشاعر قدرة النفاذ الى مكمن الحرية الجوهرية لمسيرة التاريخ . وهذه هى النقطة الثانية .. من هذه النقطة أو تلك ، أو من كلتيهما مجتمعتين ، افتقد شعر الفترة العربية الحرجة الراهنة مناعته ضد هذه الوافدة ( الانفصام ) لحظة اهتزاز المجتمع العربى أول مرة بضغط الهزيمة عام 1967 ، ولحظة اهتزازه ، ثانية ، بضغط (( الاسرار )) المتكشفة عن حرب
اكتوبر 1973 ، ولحظة اهتزازه المكبوت ، ثالثة ، بضغط الانفجار المباغت فى الساحة اللبنانية 1975 ..
لم يستطع شعرنا العربى ، فى لحظات الاهتزاز المتلاحقة هذه ، أن يتماسك ليمنع الاهتزاز أن يسرى الى مراياه ، فتمتنع عليه الرؤية الا تموجا فوق الاحداث ، والا اختلاطا فى الرؤى المفتتة ، والا انحسارا عن العلاقة الجذر ، الى العلاقة الانفصام ..
* * * هل المشكلة اذن (( مشكلة المضمون فى الادب العربى المعاصر )) ، أم هى قضية هذه العلاقة ؟ ..

