الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

ماذا لو لم يكن لقاء ؟!...

Share

قالت: سأتزوج طبيبا أو مهندسا وسأكون سعيدة.

- متى تعودين إلى القرية؟ - بعد ظهور النتائج. - أين ستقضين العطلة؟ - فى القرية ككل صيف. - ألا يمكننا اللقاء خلال العطلة؟ - لا استطيع. - ... والمراسلة؟ - لا حاجة إلى ذلك.

حاولت إيجاد صلة غير صلة العذاب والقلق فأخفقت. هى صممت على تركى وأنا لا استطيع التفكير فى غيرها دون أن أفكر فيها. أحببتها فى يوم كانت فيه حتمية اللقاء فرضا على الاحداث والاشياء وعدم حبى لغيرها خوف وتهاون.

ماذا لو لم يكن لقاء ؟! ...

تساؤل مضغه ذهنى كم مرة ولم يحز فى منطقة اللاوعى، أراوغ نفسى وأعلم يقينا أن الاحداث العفوية تكون غريبة بطبيعتها. قد أجد عبارة أبرر بها سبب هذا التساؤل المرير ... لعبة خطيرة لا استطيع تحمل قساوتها لأنى لا استطيع موازنة عنف الاحداث بقوة العبارة.

أحسست بضباب باهت يغشى دماغى فشعرت بنشوة تملأ صدرى. أشعلت سيفارة وجعلت أنفث الدخان فى تثاقل وانفض الرماد فى حركات رتيبة مملة فتذكرت ... تذكرتها يوم أستلقت بجانبي على الرمل لاهثة من

عناء السباحة. صدرها الصغير كان يعلو ويهبط. جسدها النحيف يترقرق تحت الشمس. كنت أتظاهر بقراءة كتاب وعيناى تختلسان منها نظرات خاطفة: قسمات رقيقة معبرة ... شفتان يطفو عليهما الهدوء والانشراح ... خد بفيض نقاوة وبشرا ... خجلت من نفسى فدنوت منها أداعب خصلات شعرها وأمر بيدى على وجهها ... على خدها. تحول انشراحها انقباضا وقسماتها عبوسا ينذر بالغضب والقطيعة فرفعت يدى وعدت الى كتابى أتصفحه فى اضطراب وانفعال ... شعور غريب يغمرنى: هدأة تطمئن فيها النفس بعض الشئ وتتمرد فيها الذات لحين فى فترة كنت فيها بين بين. هكذا بدت إلى سخافتى من وراء كبريائها الكاذب وأنا جالس أرمق البحر وحولى الاشياء تؤنسنى بصمتها والعناصر تقضقضنى بهديرها. تتوتر العناصر ويتألق الخيال فتذهب بى الذكرى الى أكثر من الماضى. عناء الذكرى وصلابة الماضى يخيفاننى!... هذا المجهول بين الذكرى والماضى يعذبنى... يقلقنى.

كان لقائي معها فى المكتبة. كنت أذاكر تأهبا لاجتياز الامتحان. كل من فى القاعة يعمل ليسترجع وقتا أضاعه فى غير الدراسة وفى غير اللهو. سنه كاملة للعمل كثير وشهر منها يكفى لمن يريد النجاح. قد تكون صاحبتى من الذين يصبرون على العمل المتواصل سنة كاملة. أما أنا فمن الذين لا يدخلون المكتبة الا لشهر واحد لذلك لم أشاهدها من قبل. كانت تتألم مع (Proust) وتتجول مع <> وكنت أطفو مع <> وأحترق مع Carnot فى موازنة العمل بالحرارة فتشعبت العمليات وتداخلت الارقام فرميت بقلمى يائسا ورفعت رأسى أشده بين يدى وأفرك شعرى فى اضطراب وغيظ. نظرت فاذا صاحبتى تبتسم وقد أخذها انفعالى.

- أنت تجدين متعة فيما تدرسين لذلك تعملين فى هدوء واطمئنان - لماذا لم تختر الآداب إذن؟ - لا استطيع أن أصبر على الأدب أكثر من هواية ثم لا يجب أن يكون كلنا أدباء.

سمعت نقر حافظ المكتبة على الطاولة يأمرنا بالسكوت فخفضت صاحبتى رأسها وعدت الى قلمى أرصف أرقامى المبعثرة.

ماذا لو لم يكن لقاء ؟! ...

يعاودنى التساؤل فتؤلمنى الذكرى ... تفصل بعضى عن بعضى فأبقى مشدوها حائرا ... أدفع الذكرى للدنو من الماضى فتتعثر على حافة الزمن ... أراوغ الماضى ليقاربنى فاذا هو ثقيل جامد.

((لا تفزع من عفوية الاحداث. عليك بأن تفهم الظروف بأن تقيس الاحداث)).

هذه النفس الساذجة دائما تسائلنى وتأمرنى ... على بأن أفهم الظروف! كما لو كانت الظروف لغزا والاحداث مفاجآت تترصدنا لتختبرنا.

الظروف تفاعل الزمن مع المكان والاحداث صدى متوتر لجلبة هذا التفاعل. لولا وجود صاحبتى لما تم اللقاء ولولا حساسيتى لما حصل لى هذا الاضطراب وهذه الحيرة. المكان مضيق فضائى والزمن تركيب ذهنى وأنا من الذين لا يؤمنون بالصدف.

يقيني لو شاهدتها فى مكان غير المكان وفى لحظة غير اللحظة لكانت نفس الحيرة ونفس الاضطراب ... هي التى نسجها خيالي نقاوة وحنينا فوجدتها حقيقة قاسية فى يوم كانت فيه حتمية اللقاء فرضا على الاحداث والأشياء.

كان اللقاء ولم أشعر بوطأة الوعى الحسى تعصرنى إلا عندما رفعت رأسى فابتسمت لى. تعددت لقاءاتنا تلقائيا وكانت فى المطعم الجامعى أو فى المكتبة ثم فى المشارب والملاهى وعندما أطل الصيف كنا نرتاد الشواطئ. هى تحب اللهو والمرح وتخلق الفرص لأكون معها. كان هذا يسلينى بعض الشىء فجاريتها ولم أدر ماذا يكون مصيرى معها.

توترت الاحداث وتفاعل غموضى بكبريائها فتحولت السلوى الى قلق وخوف ... خفت أن يكون كبريائها طبيعة فيها فيستحيل على عناء المداراة.

((لنسو الامور ونحاسب أنفسنا قبل أن تسبقنا الاحداث. فأنا أود بقاء هذه العلاقة بيننا)).

خاطرة بدت لى سخيفة ... حقيرة. لا فائدة فى مراوغة الاحداث لينته كل شئ فما عدت أطيق هذا العذاب وهى تلهو بجانبى ولا تحس بى.

ضربت لها موعدا فجاءت ولم تصافحنى فلم أؤاخذها ... لم أؤاخذها

عن صمتها طول الطريق وعلى محياها انقباض وتبرم. كانت متحذرة وكنت متحرجا. هي ترى فى الظمآن الذى يبحث عن رحيق أنوثتها ... هى ترى فى الانسان الذي يصلب ذاته على عمود الشهوة ... هي ترى فى المخاتل الذى يشترى الفرص بالطمع. وددت لو أصرخ فى وجهها وأكشف لها عن حقيقتى ... حقيقتى إحساس وصاحبتى تفهم ولا تحس.

الشمس تحرقنا بوميضها ... تغسلنا بنزيف الحمى ولا نهذر. الطريق يطول ويمتد فخفت أن أنتهى قبل انتهاء الطريق!

أحسست بركام الهواجس يزن على صدرى ... ركام حسبته يجرفه سيل الأيام ولم يدر بخلدى أن سخافة المداراة ستنتهى بى يوما الى مستنقع الشهوة فأصبح من الملطخين بقذارة الجنس.

- أنا لا أحبك. تؤلمنى وخزة ذاتيتها ويرهقنى عنادها فيعاودنى الاحراج ليقذف بى فى مجاهل الادراك الحسى ... وذهنى لا يعى.

كل شئ عاد هينا إلا أن أتعثر على أنقاض كبريائها فأسقط ... والطريق ما زال طويلا ! ...

لم أفكر قط فى المصير. أعمانى التجاهل والخوف، غرتنى حساسيتى فشعرت بالنهاية وليست نهاية. كرهت عندما وجب الحب.

رد فعل لم أقو على إجهاده. عفت هذا التبرم وهذا التهرب الكاذب. لأخلص نفسى من هذا العناء السخيف وأريح أوصالى من هذا الاضطراب المفتعل. ليزل كل شئ فما عدت أطيق حماقة الأنوثة وضحالة الجنس.

ارتعشت يدى لتجس عنقى. وأن صوت من وراء لسانى: ... ومتى بحت لك بحبى؟

- إشاراتك ... تصرفاتك ... قسماتك. كل ما فيك يدعونى إلى أن أحبك، حاولت ولم أستطع ذلك.

- قهرتك هذه الدابة الكامنة فيك. - لا تحاول مغالطتى.

- أذهلتك قبلات العشاق فجعلت من الحب خرافة تعيشينها فى حنايا المقاصف وترع اللهو.

- خرافة الحب فى رأسك ... أنت تخجل من نفسك ولا تستطيع مجاراتى. - لعبة خطيرة لا أريد القيام بها. - لانك تخاف النهاية ... أنت تعيش فى منغلق نفسانى وتدعى فهم الحقائق بغموضك.

- أنا لم أدع شيئا ... أنت تصرين وفى إصرارك غرور وتهاون كاذب. وضعت يدى على جبينى المبلل ... وجهى ينضح وقطرات العرق الباردة تغسل رقبتى ... تسيل بين كتفى. تملكنى الغيظ والقلق وملأ عينى ضباب باهت فلم أعد أر البحر ... لعل الموت هكذا! ... شعور رقيق يدغدغ الأوصال وضباب أزرق يخنق الجسم. استسلمت فى اطمئنان لهذا العارض فشعرت بتثاقل يجمد أعصابى وبارتخاء يخنق عروقى. تعطل دماغى عن التفكير وتراءت لى صور ينسجها شرار يشتعل ويتبخر. صور تسيل وتتجمد فى سرعة خاطفة من حولى تعظم وتصغر فتحيطنى لتخنق جسمى أو تبتعد عنى فتوحشنى ... وفى غفلة الخيال الحالم تشابكت الصور والأشياء فانهمرت على أشلاء وأشباحا ...

لم أدر كم دام هذا العارض ولكنى شعرت بجسمى ينقشع فى انتفاضة عصبية فاستويت على الرمل وعدت انظر البحر فى ذهول ... أيقنت أنى لا استطيع أن أكون بدونها. هى التى نسجها خيالى نقاوة وحنينا فوجدتها حقيقة قاسية فى يوم كانت فيه حتمية اللقاء فرضا على الاحداث والأشياء.

- إنى أتركك وأبقى معك ذكريات مبهمة. لا أقوى على تحمل غموضك وأنت لا تستطيع ترويض هذه الغريزة الكامنة فى. أريد علاقة من نوع آخر: كره كاذب ... لذة رخيصة ... عطف ذاتى. سأكون سعيدة مع رجل له المنصب والاموال ويستطيع ترويض هذه الغريزة الكامنة فى. أنت تجتر الأحلام وتمضغ الذكريات ولا يصلح بك العيش مع بنات الارض فى هذا القرن العشرين.

اشترك في نشرتنا البريدية