تحركت الارجل . اتجهت نحو اليمين ، نحو اليسار ، الى الامام ، الى الوراء . أسرعت الارجل فى المشى ، هرولت ، قفزت ، تباطأت ، وقفت ثم جرت . وما زالت الارجل تتحرك . تتجه نحو اليمين ، نحو اليسار . الى الامام ، الى الوراء . .
وستظل كذلك .
وما زالت الارجل تسرع فى المشى ، تهرول ، تقفز ، تتباطأ ، تقف ثم تجرى ...
وستظل كذلك .
مثل آثار طابع نصف جاف ، كانت رسوم أرجلهم الصغيرة فوق الرمل تتبعهم الى أن اندسوا فى الحلقة مفترشين غبار ساحة المسجد العتيق ، ممرغين سيقانهم فى بياض الرمل المثار تحت جلابيبهم البالية المتهدلة ، مسرحين عقال السنهم لتلهج بما صمغ أمامها على الالواح المطينة.
مثل حط الفراش على الزهور ، كانت الارجل البضة الناعمة تمر برشاقة الى البئر . ثم تعود وهى تتلقى ما يطفح عليها من الجرة ، لتبتل وتتلطخ بالرمل الثقيل الذى يملا فرجات الاصابع.
مثل صلب الحديد ، كانت الارجل الحافية تغوص فى التراب ، تتسلق الصخور ، تدوس الشوك ، تجرح الحجر المذبب ، تقسمه ، تعصر دقيقه - وتنغرس فى الزجاج المكسر المقذوف على الارض ، فتنشرخ ، وينزل منها الدم أحمر قانيا ، ثم أصفر فاقعا ، فأبيض ناصعا ، فأزرق فاتحا ، فأسود ثائرا - مفرقعا فى السواقى التى ما سكنت والمحركات التى ما صمتت ، وفى جذوع النخل الخاوية ، والسوانى الخاليات ، وفى تجاويف الجبال الصامدة ، المحيطة الجاثمة على الابصار.
وتمر الارجل الغليظة ، الحافية ، مكلومة ، دامية ، وتعقبها الارجل المدسوسة فى الاحذية المرقعة ، وتتدرج حثيثة ، لاهثة . كانت تصعد الجبل ، وتنحدر من الجبل . كانت كلها تروح وتغدو ، وتنثنى حول كانون الشاى ، وتقف حول اصداء ترانيم متعالية فى الفضاء ، وحول زمجرات سعف النخيل تسترشد اتجاه الريح ونوعه ، وحول انسياب المياه فى الجداول المسمدة ، وحول القبور اثر صلاة الجمعة ، وحول عنز تلد ، وحول امرأة تزغرد ، وحول من يغرس شجرة وحول من يرتقب بروز الهلال ، وحول . . وحول . .
مر وئيدا ، مكدودا . رجلاه عارقتان ، لينتان.
هذه الارجل كم تيبست ، وتشققت فى الشتاء . كم ظهرت عروقها وتمددت عراقيبها . . كم تصلبت آنذاك.
أما الآن فقد أذابتها هذه الشمس اللاهبة .
مر الآن . . وسيمر فى الشتاء متصلب القدمين ، يابسهما .
انفتحت الاعين ، رمشت ، نظرت نحو اليمين ، الى اليسار ، الى الامام - الى الوراء . . لا شئ غير الجبال الدائرة.
تنكست الرؤوس ثم ارتفعت ممعنة النظر فى السماء.
انفتحت الاعين فلاح بريق ، ولاح صفاء ، ولاح غبش ، ولاح عمش ، فانكمشت ، وعميت ، واستملت ، وانفتحت ، ببريق ، بصفاء ، برحاء فى السماء .
ومازالت الاعين تنفتح ، ترمش ، تنظر الى اليمين ، الى اليسار ، الى الامام الى الوراء . . لا شئ غير الجبال الدائرة.
وسيظل ذلك كذلك.
ومازالت الرؤوس تنكس ، ثم ترتفع ممعنة النظر فى السماء . .
وستظل كذلك .
وما زالت الاعين تنفتح ، فيلوح بريق ، ويلوح صفاء ، ويلوح غبش . ويلوح عمش . وما زالت الاعين تنكمش ، وتعمى ، وتستمل ، وتنفتح ببريق ، بصفاء ، برجاء فى السماء .
وستظل كذلك .
زغردات النسوة تتعانق متعالية ، تشق الفضاء ، تدعو الناس الى مشاركتهن فرحهن بزواج الابن او البنت . فيكون الغناء عذبا طويلا يحيى ليالى الصيف ويقتل شقاء ايامه . ويكون السهر مع الطبول المرعدة والمزامير الصادحة وقرقعات البارود . ويكون تصفيق جريد النخل وخشخشات سعفه . ويكون نقيق الضفادع وصفيرها وسط احواض الماء الراكد . . ويكون ترجيع الجبال لاصداء هذه الليالى . . دائما ، هذه الجبال ترجع الصوت . ولا أحد وراء الجبال يسمعهم فيأتى ليشاركهم فرحهم .
ويتمادى الليل رقيقا على نغمات أنفاس نافخة ، مدوية وسط ناى بعيد ويرين الصمت ، ويهجع الكل ، وتموت الشموع.
كان هذا . . ويكون . . وسيظل كائنا . .
ويمزق الفضاء صراخ امرأة ويتبعه آخر وآخر . ثم تتكاثر الصيحات المرعبة فتنطلق الارجل مهرولة من كل كوخ ، من كل خص ، من كل بيت قديم حقير . . وتقف كل هذه الارجل امام المصيبة . ويلوح الواقفون الحائرون ، بنظرهم هنا وهناك . . لاشئ أمام أعينهم سوى الجبال الغبراء السوداء . . فيحولون عنها الى السماء .
ويرقبون بكل شغف ظهور قادم اليهم من المسرب الضيق الملتوى بين الجبال .
لكن ، بدون جدوى .
كان هذا . . ويكون . . وسيظل كائنا .
وتدوى جلاجل البغال الجارة عربات ثقيلة . تصعد هذه العربات الجبال فارغة ، وتنزل منها محملة بالحجارة . الحجارة التى تنحتها من الصخور العظيمة أيد غليظة تجندل الجبل ، تزلزله ، تؤزه ، تبغى قلبه .
قالوا : ان أحدا لا يشعر بنا ، ونحن فى القعر . اذن لنبتن بيوتا عالية نصطنعها من صخور هذه الجبال ، حتى يتسنى لنا أن ندك هذه الجبال وأن نشرف على من هم وراءها ، ونلفتهم الينا .
وبدأ الحجر ينزل الى الاسفل حيث يوجدون . وبدأ العمل . . وتواصل .
فى تنور أحد الميسورين بسفح الجبل الغربى كانت الحجارة الصغيرة تتقد فى النار ، ويصنع منها الجير الذى يحمل الى اماكن البناء .
ويستمر العمل فى نشوة وطرب .
نهض عند الفجر . استقبل قبلته ، فاستقام ، وانحنى ثم استقام ، وتثنى وانحنى . وظل كذا الى أن تمتم بأدعية ثم قام منصرفا بقدمين صلبين ، متشققين ، لينين ، عارقين ، وبعينين منفتحتين ، رامشتين - ناظرتين الى اليمين ، الى اليسار ، الى الامام ، الى الوراء ، مرتفعتين الى السماء ببريق وصفاء وغبش وعمش وانكماش وعمى ، فانفتاح ببريق ، بصفاء ، برجاء فى السماء.
واتجه الى " السانية " ، واتجه الى مركز البناء ، واتجه الى الجبل ، واتجه الى التنور .
أخذ مرصفه الثقيل ، وقف على فرجة التنور ، ألسنة اللهب تمتد وسطه ، وأكوام حجارة تصطلى فى قاعدته . بدأ يهز المرصف الثقيل ويهوى به على الحجارة المتكدسة ، يرتبها كى يلقى بها فى الاتون ، ثم بعدها سيتركها تحترق ويعود الى أهله ليذهب طعم النوم بمضغة خبز ورشفة شاى .
ووقع المرصف الثقيل خطأ فى فراغ الموقد ، فجذبه معه الى اسفل . واذا به يصطلى نارا . . واذا به يقفز من حر ما هو فيه . . واذا به يصيح ويستغيث .. النار ! . . النار تأكله ، وهو يصرخ ، والدخان يتصاعد مشحونا بدمه ودسمه المحروق ورائحة لحمه المشوى ، المشتوى . . وهو يصرخ ، لم يأت احد . . فى قعر التنور يصيح وهذه الحيطان السميكة تمنع صوته من اقتحامها ووصوله الى آذان الآخرين ، من هم خارج الموقد . . ويئس ، ونظر فوقه ، نحو السماء وأدلى بالشهادتين ، وتهيأ للموت مؤمنا ، مسلما .
وبعد عواء امرأة ، كان القوم قد أخرجوا المحروق بعد معاناة اذ لم يجدوا من اين يمكنون أيديهم منه .
روائح شواء ، وزيوت محروقة ، مصطلية ، ودماء تتقاطر على التراب ، وهيكل ضاعت منه كل لحومه وتناثرت على الحجر والجير والتراب ، ولم يبق سوى عظام معروقة تقطر زيتا أبيض ، ورأس مغلفة بشاشية مرمية فى حرارة صغيرة .
قالت الرأس من موضعها بالجرارة الصغيرة : - أنا على كل ، مشرف على الهلاك ، لافائدة فى جرى الى الطبيب . سأقضى قبل أن أبلغه .
قال احد أقربائه : يا نصر الله ، واجب علينا أن نحملك الى الطبيب . قالت الرأس التى احترقت عيناها وأتت النار على خديها : - سيعلمون هناك أن التنور غير مضمون - لا - لافائدة - وأولادك ؟ - يحفظهم الله ، لم يقتلني أحد : صاحب التنور برئ من موتى . مات نصر الله . . ويموت . . وسيظل يموت .

