يسرني أن أعرب عن بالغ شكرى لهذا المعهد الثقافى ( 1) لتفضله بدعوتى الى المحاضرة في موضوع " ماضى الدراسات العربية - الصقلية وحاضرها" وهو موضوع حبيب الى نفسي لصلته الوثيقة بالدراسات التى أنا منصرف اليها منذ سنين والتي عثرت على بعض مصادرها المجهولة فى هذه الديار المضيافة
واستهلالا للحديث أذكر أن الاهتمام بهذه الدراسات قد بدأ فى القرنين السابع عشر والثامن عشر على أيدى بعض المؤرخين ، وعلى رأسهم انطونينو داميوكو ( Antonio d'Amico ) واجوستينو انفيجيس Agostino Inveges ) وجان باتيستا كاروزو (Giambattista caruso ) وفراننشيسكو طارديا franciso tardia) ) وقليلين غيرهم كان نصيبهم من اللغة العربية ضعيفا جدا ولم يصلوا في اجادتها الى الحد الذى لا يمكنهم من فهم النصوص العربية الخاصة بتاريخ مسلمى صقلية .
اما الاهتمام الحقيقي لرجال العلم والثقافة بماضى صقلية ، فقد صادف تزييفا للتاريخ لا مثيل له فى الدراسات العلمية الايطالية ، فى غابر الازمنة وحاضرها . واليكم خلاصة ما قام به غشاش من اجراء الغشاشين الذين عرفهم التاريخ اسمه جوزيبي فيللا Gusppe vella" " ملطى الاصل وكان راهبا من الرهبان الاورشليمين بدير من أديرة بالرمو ، فى النصف الثانى من القرن الثامن . عشر وكانت اللغة العربية التى ادعى انه يتقنها خليطا من العربية الفاسدة والايطالية الركيكة . وكان يستطيع ان يفهم منها - على ما نقرأه فى تاريخ مسلمي صقلية لمكيلى آمارى - ما كان يستطيع ان يفهمه احد فلاحى روما المعاصرين من لغة الكاتب اللاتينى شيشرونى) cicerone (وفضلا عن ذلك كان يجهل جهلا تاما الخط العربي ولم يتعلمه الا بعد سنوات عديدة عندما قابل في مدينة بالرمو نفسها غلاما مسلما من خدم امير من امراء العاصمة كان يجيد القراءة والكتابة . كان قيللا المذكور يفتقر افتقارا شديدا الى كل مجالات الثقافة وكان ماكر جريئا وثرثارا صفيق الوجه يتقن تلفيق الاخبار واختراعها وبعد الدروس التى تلقاها على الغلام السالف الذكر قام بمهمة جديدة اذ عمد الى اصطناع وثيقتين ادعي ان لهما اصلا عربيا عنده ولكنه لم يظهر منهما الا ترجمتهما الايطالية : وقد جعل عنوان الوثيقة الاولى " ديوان صقلية"
( Consiglio di Sicilia ) وادعى انها تشتمل على جميع المراسلات التى دارت بين ولاة المسلمين بجزيرة صقلية وامراء بنى الاغلب والفاطميين بافريقيا.
اما الوثيقة الثانية من الوثيقتين اللتين اختلقهما فقد جعل عنوانها " ديوان مصر " ( Consiglio d' Egitto ) وزعم انها تحتوى على مجموعة المراسلات التى تبودلت بين الامراء النورمانديين فى صقلية والخلفاء الفاطميين بمصر فى النصف الثانى من القرن الحادى عشر بعد الميلاد .
اما الحقيقة فهى ان ذلك المزيف الجرىء وجد فى احد اديرة بالرمو مخطوطا يحتوى على سيرة من السير النبوية فطمس الخط العربى لكى يجعله غير صالح للقراءة وللمقارنة بالنص الايطالى الذى كان قد اخترعه اختراعا والمشتمل على خليط من الاساطير الباطلة . ووصل الامر الى حد تزييف بعض النقود التى زعم انها ترجع الى العصر العربى الاسلامى . وبهذه الطريقة عاش ذلك المزيف الجاهل مدى اربعة عشر عاما من 1783 الى 1796 عيشة الترف ونال الرتب والاوسمة والنياشين وحظى باحترام الحكام وصلاتهم كما تمتع بمرتبات متعددة منحت له مدى الحياة ونيطت به ادارة كنيسة سان بنكر اسيو (S. pancrasio) واخيرا عندما ظهر لرجال العلم والقضاء تزييفه وغشه قضوا باعتقاله .
وعلى الرغم من ذلك اتاح غش القسيس فيللا وتدليسه الفرصة للقيام بدراسات وابحاث جدية كان لها اثر مشكور، إذا ان العالم البحاثة الفونسو ايرولدى (Alfonso) اسقف هيراكليا بصقلية - الذى كان يساعد فيللا بحسن نية ويشجعه في ابحاثه قبل ان يكتشف امر غشه وتدليسه - كان قد استحضر على حسابه الخاص احرفا عربية واشترى كتبا كثيرة وانفق فى سبيل ذلك الكثير من ماله الخاص . كذلك عمل الأسقف المذكور على ايجاد " كرسى " جامعي لتدريس اللغة العربية وآدانها فى جامعة بالرمو ، ذلك الكرسى الذى شغله فيما بعد مستشرقون افذاذ من امثال مورسو ومورتيللارو (Mortillaro, Morso) واستاذى الكبير كارلو الفونسو نالينو وهذا الكرسى أتشرف بشغله في الوقت الحاضر . هذا ، وقد اخذ الكاتب الذائع الصيت روزاريو جريوريو ( Rosario Gregorio) المتوفى سنة 1809 فى دراسة اللغة العربية لشدة رغبته في كشف حقيقة فيللا المذكور واماطة اللثام عن غشه وتدليسه ، وبعد مضي ثلاث سنوات نشر بحثا قيما حول تحقيق التواريخ الخاصة بالعرب الصقليين Supputandis apud de ( وخلال اربع سنوات اخرى نشر سنة 1790 Arabos Siculos Temporbus) مجموعة واسعة من الاخبار والحوادث العربية المتعلقة بتاريخ مسلمي صقلية فى القرون الوسطى عنوانها (Reum Arabicarum, quae ad Historiam Siculam Spectant ,amla Collectito) وانا لنلاحظ ان المجموعة المذكورة قد ظهرت في الوقت نفسه الذي ظهرت فيه مجموعة فيللا المزيفة السالفة الذكر ويحب أن نعترف ، نظرا للوقت
والظروف التى جمعها فيها ، بعظم الجهود التى بذلها جريجوريو فى مؤلفه المذكور . على ان هذا لا يمنعنا من القول بان هذه المجموعة كانت بعيدة كل البعد عن الاتقان والدقة وما ذلك الا لان جريجوريو المذكور لم يكن قد بلغ الدرجة التى تؤهله - او تؤهل من كان فى مثل حالته - ليقرأ فى يسر سطرين من مخطوط عربي او ليعرف حق المعرفة قواعد اللغة العربية ومصطلحاتها .
اما سلفاتورى مورسو(Morso ) المتوفى سنة 1828 ) الذى خلف فيللا ( vella ) في تدريس اللغة العربية في جامعة بالرمو فكانت معرفته لهذه اللغة واسرار قواعدها تفوق الى حد ما معرفة جريجوريو وقد اشتغل بعلم الوثائق والسجلات والنقوش والنميات وترك ، فضلا عما تركه من ابحاث مخطوطة " مؤلفا عنوائه " بالرمو القديمة " احتوى على وصف تفصيلى للمدينة في القرن الثاني عشر. اما فنشنزو مورتيللارو ( Vincenzo Mortillaro) وكان من تلامذة مورسو فنشر فيما بعد ضمن مؤلفاته العديدة وثيقة عربية من الوثائق المختلفة المحفوظة فى بالرمو وقائمة المخطوطات العربية الموجودة اذ ذاك في صقلية وكتاب قواعد اللغة العربية ، كما نشر بعض الابحاث عن التاريخ الاسلامى فى مجلد لا يستهان به .
اما العلامة والمؤرخ والمستشرق الصقلى الذى فى امكاننا " ان نعتبره بدون مبالغة المثل الاعلى للعزيمة والاستقامة وحب الحقيقة والتعلق ببلاده ، فهو بلا شك ميكيلى أمارى . ولعل ما يعنى الشرقيين والمستشرقين من امره هو انه كان أعظم مؤرخي صقلية واقدرهم . وقد بقيت المؤلفات التى كتبها عن الفتح الاسلامي لها بعد مضى اكثر من قرن ، فريدة فى بابها ويغلب على الظن ان ابحاثه ستظل محتفظة بهذه المنزلة زمنا طويلا .
هاجر آمارى من صقلية الى باريس عام 1842 حيث تعلم اللغة العربية وكان إذ ذاك يبلغ من العمر ستا وثلاثين سنة وكان هدفه الاساسى اخراج مؤلف جافل عن تاريخ المسلمين في صقلية ، معتمدا على المصادر الاصلية وذلك لتوضيح تاريخ الجزيرة الايطالية خلال قرنين ونصف القرن من الزمان قبض المسلمون خلالها على زمام الحكم وكان تاريخ تلك الحقبة غامضا اثناء القرن الذي عاش فيه آمارى.
واننا لنقرأ في الجزء الاول من تاريخه عن مسلمى صقلية انه عندما وصل إلى مدينة باريس بدا له انه قد اصبح لزاما عليه ان يضع مؤلفا فى هذا الميدان . وفكر انه لن يوجد بين جميع المؤرخين من الايطاليين وغيرهم من هو اجدر منه للقيام بهذا العمل لانه صقلى الاصل مهتم ببلاده اكثر من اهتمام اى انسان آخر بها .
منذ هذه اللحظة شرع فى القيام بجمع النصوص فى القيام بجمع النصوص المتعلقة برسالته سواء أكانت منشورة ام مخطوطة ، وكثيرا ما كان يعتمد على الوثائق المخطوطة .
لم تكن معرفتة باللغة العربية قد وصلت الى حد الكمال وذلك لسببين: اولهما انه قد بدأ دراسته فى غير سن مبكرة ، وثانيهما انه كان يعيش عيشة الرجل المنفى عندما كان في باريس وكانت حالته المالية غير ميسورة او سعيدة وبالرغم من ذلك استطاع فى وقت ليس بالطويل ان يجمع ويقيم ويفسر العدد الكبير من النصوص التى كانت متناثرة على صفحات مختلف الكتب والمخطوطات سواء أكانت عربية ام لاتينية ام يونانية . وكان ذلك على الاخص فى الوقت الذى لم يكن قد نشر فيه سوى الشئ القليل منها. وكان ينشر كل ما كان يرى فيه فائدة للعلم فى اثناء قيامه بهذا العمل الجبار ، لذلك عنى بترجمة وصف مدينة بالرمو لابن حوقل ( الذي كان يعيش في القرن العاشر للميلاد ) ونشره كما قام بترجمة ( سلوان المطاع ) لابن ظفر ( الذي ولد فى صقلية فى القرن اثانى عشر للميلاد ) ولم تمض سنوات على هذا النشاط العلمى حتى ظهرت ثمرة طيبة من اعظم ثمار دراساته وابحاثه : هى مجموعة النصوص التاريخية والجغرافية والادبية الخاصة بتاريخ مسلمي صقلية التى اسماها " المكتبة العربية الصقلية " والتي طبعت عام ت 1857على نفقة الجمعية الشرقية الالمانية ثم ترجمها فيما بعد الى اللغة الايطالية .
ولكن المؤلف الذى خلد اسم أمارى على الزمان هو كتابه العظيم المسمى " تاريخ مسلمى صقلية " ( الذى ظهر الجزء الاول منه فى مدينة فلورنسا عام 1854 والجزء الثالث والاخير عام 1872 ) وعصر فيه آمارى لب جنانه ووضعه بعبقرية لا مثيل لها . وتوجد اليوم طبعة ثانية عني بنشرها المأسوف عليه المستشرق المعروف كارلو الفونسو نالينو الذى أضاف الكثير من التعليقات التى رأى ضرورة اضافتها على ضوء تقدم الابحاث التاريخية الاسلامية في السنوات الخمسين الاخيرة .
من هذا كله يتضح جليا ان الدراسات المتعلقة بانتشار المدنية الاسلامية فى الغرب عامة والابحاث التى تدور حول تاريخ مسلمى صقلية خاصه مدينة لميكيلى آمارى بتقدمها وذيوعها فى اوروبا منذ منتصف القرن الماضى ، كما تدين الدراسات الخاصة بتاريخ الاندلس خلال الفتح الاسلامى لدوزى اولا ولليفى بروفنصال ثانيا، فقد بذلوا مع غيرهم جهودا شاقة لكى يلقوا الضوء على تلك الفترات التاريخية التى استقرت فيها الثقافة الاسلامية فى المغرب وتغلبت على عناصر المدنية الغربية التى كانت في انحطاط جلى ولا سيما فى القرن التاسع الميلادى . وفضلا عن ان آمارى استخرج من بين عشرات المصادر العربية تلك المادة الخام التى تلزم لسرد تاريخ مسلمى
صقلية ، فان بعض الباحثين قد قاموا بنشر نصوص مختلفة اخرى سنة 1910 في مؤلف عنوانه " العيد المئوى لميلاد ميكيلى آمارى " فقد عثر بعض المحققين الشرقيين والغربيين ( كما عثرت انا فى هذه السنوات الاخيرة ) على بعض النصوص الاخرى المتعلقة بمسلمى صقلية مما يدل على ان البذرة التى بذرها آماري منذ اكثر من قرن لا تزال تثمر من حين الى آخر ثمراتها التى جاءت تبيانا لبعض النواحي التاريخية والاجتماعية والادبية التى لم يستطع آمارى الوصول اليها.
وعقب عودة آمارى الى ايطاليا ، شغل بعد سنوات شغل بعد سنوات قليلة كرسى تاريخ صقلية فى اثناء الحكم الاسلامى بجامعة فلورنسا حيث تتلمذ عليه ( C . Schiaparelli )(المتوفي سنة 1919) وكان الاخير على عكس استاذه لغويا اكثر منه مؤرخا ، ومن أجل ذلك جاء عمله مكملا لعمل آمارى . وقد اشترك مع استاذه في نشر وصف ايطاليا الموجود فى ( نزهة المشتاق فى اختراق الآفاق) للأدريسى وترجمته . وقد انكب فيما بعد على دراسة مؤلفين سبق ان اقتصر آمارى على دراستهما من ناحية تاريخ مسلمى صقلية فقط، أولهما الشاعر ابن حمديس وقد اعتنى بتحقيق ديوانه وترجمته الى الايطالية ترجمة لم تنشر بعد ، وثانيهما ابن جبير ، فترجم الى الايطالية رحلته المشهورة معتمدا على النص الذى سبق ان نشره المستشرق الانجليزى المعروف " رايت " ( Wright)
ويمكن اعتبار الراهب الصقلي (Lagumina Bartoloo ) (المتوفى سنة 1931 ) تلميذا من تلاميذ آمارى الروحيين واليه يرجع الفضل فى نشر فهرس المخطوطات الشرقية الموجودة بمكتبات صقلية ومن بينها تسعة وعشرون مخطوطا عربيا ، والفهرس موجود فى المكتبة الاهلية ببالرمو كذلك نشر كتاب النخل للسجستاني . ولكن هذا الراهب المستعرب اشتهر بصفة خاصة بدراساته القيمة فى مجال النميات العربية النورماندية. وفي الحقبة نفسها كرس العلامة ( Salvatore Cusa )جهوده لجمع
الوثائق العربية الاغريقية الموجودة بصقلية وقام بنشر عدد كبير منها فى مجلد واحد ووعد بنشر مجلد آخر يشتمل على الترجمة الايطالية للنصوص الاصلية والتعليق عليها . ولكن هذا المجلد الآخر لم يظهر بعد .
وقد حان الوقت للحديث عن مساهمة الناطقين بالضاد فى الدراسات العربية الصقلية .
كان اول من اتجه الى هذا الميدان العلمى هو العلامة التونسى حسن حسني عبد الوهاب الذى تقدم ببحث لمؤتمر المستشرقين الرابع المنعقد
بالجزائر عام 1905 ، عن الاحتلال العربى لصقلية . وبعد هذه الانطلاقة الاولى خصص محمد بن الخوجة التونسى ايضا اربعة ابواب من الرزنامة التونسية لسنة 1909 لصقلية ولكن المساهمة العربية العلمية بمعنى الكلمة في الدراسات التى نحن بصددها ترجع الى سنة 1910 عندما ظهرت " الذكرى المئوية لميكيلى آمارى " فى مجلدين يضمان ابحاثا عن صقلية الاسلامية ، ومن بين هذة الابحاث مستخرجات عن " اعمال الاعلام " للسان الدين ابن الخطيب اعتنى بنشرها حسن حسنى عبد الوهاب ومختارات عن " طبقات افريقية " لابي العرب وللخشنى اعتنى بنشرها محمد بن شنب .
اما فى مصر فكان أول من اهتم بصقلية الاسلامية فيما اعلم فهو الاستاذ امين الخولى الذى نشر عام 1923 فى مجلة " المقتطف " بحثا عن المدنية العربية فى صقلية .
ومن الجزائر نشر الاستاذ احمد توفيق المدنى عام 1945 كتابا بعنوان " المسلمون فى جزيرة صقلية وجنوب ايطاليا " اعتمد فى تأليفه على اهم المصادر العربية ونقل ما جاء فيها دون ان يقوم بما ينبغى ان يقوم به الباحث من نقد وتعليق . ومع ذلك فيمكن اعتبار هذا المؤلف أول محاولة كاملة تظهر على ايدى احد المؤلفين الناطقين بالضاد . أما في مجال الشعر الذي ازدهر بصقلية أثناء الحكم الاسلامي وفي فترة الولاة النورمنديين فنشر صديقي الاستاذ عثمان الكعاك بحثا قيما عن مختصر الصيرفى للدرة الخطيرة في شعراء الجزيرة لابن القطاع الصقلي . وظهر هذا البحث في مجلة علمية تنشرها كلية الآداب بجامعة بالرمو.
وقد ظهر فى السنتين الاخيرتين فى هذا الميدان ، بفضل جهود الاستاذ الاردنى احسان عباس ، عملان قيمان اولهما من تأليفه وعنوانه " العرب في صقلية " . اما العمل الثاني فكان اعادة طبع ديوان ابن حمديس الصقلي . وقد وعد الاستاذ احسان عباس ( الذى تتلمذ على زميلى الدكتور شوقي ضيف وكان لى شرف توجيهه فى دراساته الصقلية عندما كنت ادرس بجامعة القاهرة ) بنشر ما وصل الينا من الشعر العربى الذى ازدهر في صقلية ايام حكم المسلمين لها .
وكتاب " العرب فى صقلية " يعتبر بحق بحثا كاملا من النواحى التاريخية والاجتماعية والادبية والنقدية ، ونتيجة موفقة لتعمق الباحث في المصادر العربية المتعلقة بهذا الموضوع . اما عن اعادة طبع ديوان ابن حمديس الذى سبق ان نشره سكيابريلي ((Schiaparelli فقد كنا ننتظره من المحقق خطوات اوسع من تلك التى قام بها عند نشره للديوان كما كنا ننتظر من الباحث الأردنى ان يبذل اكثر مما بذله من الجهود في التعليقات لاجل
ايضاح بعض ابيات ابن حمديس التى ما زالت غامضة فى معناها وفيما تشير اليه من الحوادث التاريخية كل الغموض.
وكان أول من أشار من المصرين الى شاعر سرقوسه ابن حمديس هما الاستاذان عبد المغني المنشاوى ومصطفى السقا اذ نشرا سنة 1929 فى كتابهما المدرسى المرسوم" ترجمة ابن حمديس الصقلى " مقتطفات من شعره في الوصف والمديح والرثاء مع مقدمة تاريخية وافية عن حياة الشاعر ونشاطه في صقلية وفي افريقية وفى الاندلس.
وعند هذا الحد ، نعود الى الجزيرة نفسها حيث اعادت كلية الآداب ببالرمو سنة 1959 كرسي تدريس اللغة العربية وآدابها بعد ان توقفت هذه الدراسات ما ينيف على خمس عشرة سنة . ومما لاشك فيه ان اعادة هذه الدراسات قد أثارت اهتمام المستشرقين والدارسين الشرقيين مما سيكون له اثر في ازدهار البحوث الخاصة بها واتساع مداها . والواقع انه قد عقدت بالفعل في اكتوبر الماضى فى بالرمو ندوة للدراسات الصقلية الشرقية.
بناء على ما قرره مركز تعاون شعوب البحر الأبيض المتوسط ( Centro fer la Cooperazione Mediterranea ) فدعا المتخصصين فى الدراسات البيزانطية والعربية الاسلامية والالبانية الى عقد هذا الاجتماع ، وقد تفرعت هذه الندوة الى ثلاث شعب وهى:
الاولى - الدراسات الاغريقية البيزانطية الصقلية الثانية - الدراسات العربية الاسلامية الصقلية الثالثة - الدراسات الالبانية الصقلية
وحضر هذه الندوة الموفقة متخصصون من مصر والجزائر وفرنسا وايطاليا ايضا كما اشترك فيها الاستاذان عثمان الكعاك ومصطفى زبيس . وكنا نطمع فى اكثر من هذا نظرا لاهمية التراث الثقافي العربى فى صقلية.
ومن آثار عودة الدراسات العربية الاسلامية الى كلية الآداب بجامعة بالرمو, بعد انقطاعها ، ان قررت الجهات الايطالية الرسمية اعادة طبع جميع مؤلفات آماري سواء منها ما كان خاصا بالدراسات العربية الاسلامية او بغير هذه الدراسات طبعة تشرف عليها حكومتنا ، وتتألف اللجنة التى سوف تشرف عل هذه الطبعة من بعض المستشرقين الايطاليين ونخبة من المؤرخين المتخصصين في تاريخ القرون الوسطى . وثمة مسألة اعتقد ان الدارسين
سيبتهجون كثيرا لمعرفتها : اعنى نشر طبعة كاملة للمؤلف الذى مازال اغلب ابوابه مخطوطا بعد وهو " نزهة المشتاق فى اختراق الآفاق " للادريسى الذى يعتبرون من أهم المؤلفات الجغرافية التى كتبت فى القرون الوسطى وأعظمها. وكما هو معلوم كان الادريسى قد كرس حياته لتأليف هذا المصنف فى بلاط الملك روجار النورماندى.
وقد تولى المعهد الايطالى للشرقين الادنى والاقصى فى روما تحقيق هذه الفكرة بالاشتراك مع بعض المتخصصين الشرقيين والغربيين ومن بين من سيساهمون فى هذا العمل القيم من الشرق العربى الاسلامى الاساتذة سامى دهان ( للشام وفلسطين ) وفؤاد سيد ( لليمن )ومقبول احمد ( لبلاد الهند ) وحسين مؤنس للديار المصرية.
وختاما فان المتشرف بالتحدث اليكم قد اقترح تأسيس متحف للتراث العربى الاسلامي في صقلية يطلق عليه اسم " متحف ميكيلى آمارى للفن العربى الاسلامى " وكلى امل فى ان تتحقق هذه الفكرة فى القريب العاجل كما ان املى كبير فى ألا يضن علينا المتخصصون العرب بجهودهم القيمة . واني لاتوجه اليهم جميعا بان يولوا هذه الدراسات ما هى اهل له من عناية واهتمام.
ولا ينبغي ان ننسى ان كل ما نصبو اليه من دراسات وتحقيقات لا يمكن ان يتم الا اذا اصبحت بين ايدينا النصوص الكاملة المتعلقة بتاريخ المغرب - الذى كانت صقلية جزءا لا يتجزأ منه . واقصد بهذه الاشارة امهات الكتب مثل " رياض النفوس " للمالكى (الذى قام الدكتور حسين مؤنس بنشر الجزء الاول منه فقط ) وكتاب الخريدة لعماد الدين الاصفهانى الذى سيتولى نشره - على ما علمت - صديقى الدكتور على عبد العظيم وكتاب " ترتيب المدارك" للقاضى عياض الذى اعلن الاستاذ ابراهيم شبوح بدمشق انه سيتولى نشره وكتاب " الذخيرة " الذى اقتصر ما نشر منه على جزء صغير من المخطوط و " كتاب الأموال " للداودى - الذى بلغني ان العلامة الاستاذ حسن حسنى عبد الوهاب وأحد تلامذته سيقومان بنشره وترجمته الى الفرنسية - وكتاب " المجالس والمسايرات " للقاضى النعمان وغيرها من المصادر الفاطمية التى أشرت اليها فى بحثى عن المصادر العربية الجديدة في تاريخ مسلمي صقلية والتى كانت مدار حديثى فى المحاضرات التى القيتها ههنا فى العام الماضى.
وبعد ، فهذه هى المرة الرابعة التى أجيء فيها تونس الخضراء في خلال عامين ولست اكتمكم أننى اذ مرت أشهر دون أن أرى بلدكم المضياف هذا , أحسست بالحاجة الملحاح للعودة الى زيارته وزيارة أهاليه وللأسف الشديد لم أجد هذه المرة من بين أهل الأدب والاسرة التونسية المثقفة أديبا بارعا ومحققا نبيها : هو صديقنا الصميم وفقيدنا العزيز محمد فريد غازى يرحمه الله .
فما الذى يدفعني الى الشاطئ المقابل للجزيرة التى أعيش واعمل فيها ، إلى الأرض التى لا يفصلها البحر بل يجمعها ؟
ليس هذا الدافع مجرد الشوق الى رؤية الاخوان والاصدقاء الذين يشرفونني بمودتهم وحفاوتهم فحسب ، بل هو كذلك الحاجة إلى البحث عن آثار الحضارة التى خلفها مغرب الاغالبة والفاطميين وبنى كلب وبنى زيرى والاهتداء إلى تلك الحضارة التى نقلوها الى جزيرتنا ما يقرب من ثلاثه قرون, أى من القرن التاسع الميلادى الى منتصف القرن الحادى عشر ، وهو أيضا الحاجة الى الوقوف فى سوسة وصفاقس والقيروان والرقادة وفى أماكن متعددة أخرى من الارض التونسية لاستعادة ذكريات ذلك الجو الثقافي والروحى الذي عاش وعمل فيه أسد بن الفرات وابن رشيق وابن شرف القيرواني والمازري وغيرهم من أدباء المغرب وشعرائه وقضاته وفقهائه الذين كانوا يعتبرون صقلية وطنا لهم.
وأذكر في هذا المقام ما قاله الى الصديق العزيز الاستاذ عثمان الكعاك -فى اثناء تجوالنا معا في طرقات مازرا ومرسى على ( Marsula ) فى صقلية خلال احدى زياراته المتعددة للجزيرة - التى لا يقل حبه لها عن جبى لتونس- من أنه اذ يعود الى تونس من احدى زياراته لصقلية يشعر بقابلية أكثر لفهم الكثير من وجوه الفن المغربى عامة وفن البناء خاصة من زمن الاغالبة والفاطميين
وعلى هذا الاساس نفسه أستطيع أن أقول اننى اذ أعود من أحدى زياراتى للأقطار التونسية أجدنى أكثر قابلية واستعدادا لازداد صلة بدروسي وابحاثى حول الثقافة فى صقلية العربية.
ان مثل هذه الزيارة تخلق فى روحا جديدة واستعدادا لفهم قسم أكبر من مظاهر الحياة والتقاليد والعادات فى صقلية الامس وربما فى صقلية اليوم كذلك .
ومادمنا في حديث الذكريات أود أن أضيف أن فوجا من شبان الدستور الجديد في تونس قد زاروا صقلية أخيرا يرافقهم السادة بوليلة وادريس وكان لى حظ مرافقتهم فى زيارتهم لبعض الاماكن الاثرية فى مدينة بالرمو.
ولست بقادر على نسيان ما كان يبدو عليهم من الدهشة والتعجب ومن الغبطة كذلك عندما كنت أقارن لهم بين تعبير عربى مغربى واصطلاح دارج في صقلية مشتق من التعبير العربى أو أذكر لهم أن كثيرا من الاسماء الجغرافية قد بقى إلى اليوم كما كان في العهد العربى وأن كثيرا من التقاليد والعادات لم يتغير عما كان عليه في زمن اسد بن الفرات وأن ابن رشيق قد توفى فى
مزارا وأن ابن حمديس الصقلى كان يسمى صقلية " وطنى " وأن كنيسة بالرمو المسماة (S . Giovani digli Eremiti) التى حولها النورمنديون إلى معبد مسيحي - لا يزال فيها محرابها الذي كان فى العهد الاسلامي.
كنت أود أن أسترسل فى هذه الذكريات اللطيفة لولا خشيتى من الاطالة غير اننى أعدكم بان أعود اليكم بأسرع ما استطيع (وربما كان ذلك في شهر اكتوبر أو نوفمبر القادمين)ومعى فوج من طلبة اللغة العربية والتاريخ الاسلامى وعلم الآثار لأننى اود ان يشاهدوا ههنا بقايا آثار الاغالبة والفاطميين وبنى زيرى وأن يتملوا تلك الحضارة التى لا يزال بعض آثارها قائما فى جزيرتهم ولا سيما فى بالرمو التى مدحها أبو على حسن بن رشيق بقوله ( من البسيط )
أخت المدينة فى اسم لا يشاركها
فيه سواها من البلدان فالتمس
وعظم الله معنى لفظها قسما
قلد اذا شئت أهل العلم او فقس
والله ولى التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله

