كانت هذه المجلة قد طلبت من سعادته ان يوافيها بمقال بقلمه الفياض عما اعجبه في منطقة السروات لينشر في عدد ذى الحجة ١٣٨٨ ه ولعل تأخر وصول الخطاب اليه في البريد كان من اسباب تاخر وصول هذا المقال الينا وقد تم نشره الآن في هذا العدد .
هذا العنوان رغب منى الاخ العزيز الاستاذ الجليل عبد القدوس الانصارى أن اكتب تحته كلمة لمجلة المنهل الغراء . وانا رجل صريح واعترف انه ليس لدى ، قدرة على الكتابة تحت عنوان يحدد لى وكتابتى انما تأتى عن رغبة فى عرض فكرة لدى القناعة التامة بها والدافع القوى لعرضها أو مناقشة موضوع تكون الحجة معى نحوه قويه واضحة . والذين يكتبون تحت عناوين تحدد لهم انما هم الكتاب الراسخون فى فن الكتابة الذين تمكنوا من هذا الفن الى درجة جعلت في مقدورهم أن يجعلوا من " الحبة قبة " كما يقول المثل . لهذا لم اطمع بأن كلمتى التى ساكتبها تحت العنوان سترضى القارىء ولكنه ليس من السهل على أن اتأخر عن اجابة طلب لأخ فاضل واستاذ عزيز وصديق كريم وهذا ما دفعني الى تفضيل جانب الكتابة .
أعود مرة اخرى لأذكر القارىء العزيز بالعنوان وهو :
" ما اعجبني في منطقة السروات "
فأقول اعجبني في منطقة السروات جمال مناظرها ونظافة جوها وجودة هوائها وكثرة امطارها واعتدال فصل الصيف فيها وقسر اهلها لجبالها وذلك بتحويلها الى مدرجات تشكل قطعا زراعية ذات مساحات كبيرة واحتفاظهم ببعض العادات والتقاليد العربية الطيبة وتمسكهم بالكثير من الفاظ اللغة العربية الفصحى فى محادثاتهم العامة . . فالمناظر في منطقة السروات في غاية الروعة والجمال ولا ابالغ اذا قلت أن الانسان حينما يكون في بعض الاودية يشعر بانه فى حديقة غناء فالخضرة والزهور تحيط به من كل جانب والتنسيق الالهى للاشجار في بعض الأودية والجبال يفوق كل ما وصل اليه فن التنسيق والتنظيم البشرى فى حقل الحدائق فبينما ترى الاشجار الموجودة في الوادى من نوع خاص وذات مقياس ولون يكاد يكون متماثلا ترى الاشجار الواقعة في سفح الجبل من شكل آخر وذات لون يختلف عن لون اشجار الوادى وخضرتها ، وما يوجد من اشجار في قمة الجبل له شكل خاص ولون خاص وهو من نوع آخر غير النوعين الواقعين في بطون الاودية وسفوح الجبال وكذلك الرائحة ففي الوقت الذي يستنشق فيه المرء رائحة عطرية ذات نكهة خاصة تهديه الريح نفحات عطرة ذات روائح طيبة من نوع آخر وكأنه امام عطار يقدم له نماذج
من جميع العطورات ليفاضل بينها فاذا هو يستزيد العطار من معروضاته ولا يستطيع المفاضلة بين نوع واخر لتزاحم الفضائل والمميزات .
أما نظافة الجو فان الانسان لا يكاد يرى الغبار في منطقة السروات اذ ان استمرار الامطار والرطوبة المعتدلة هناك وكثرة الاشجار كل هذه عوامل فعالة فى فقدان الغبار وفي نظافة الجو . وجودة الهواء فى منطقة السروات مضرب المثل فالصحة بادية على وجوه السكان ، والنشاط ظاهر في حركاتهم وجميع اعمالهم . اما الامطار فانها تكاد تكون دائمة شتاء أو صيفا ومن النادر ان تتوقف اكثر من عشرين يوما .
ومنطقة السروات باردة في الصيف وهي تعتبر من احسن المصايف فى هوائها وعذوبة مائها وجمالها والمصطاف فيها لا يحتاج الى المروحة ولا الى الثلاجة . فالماء بارد والفاكهة لذيذة والجو لطيف نهارا ويميل الى البرودة ليلا ولكن بشكل مقبول . اما مجهود اهلها فى قسر الجبال وتحويلها الى مدرجات جميلة تشكل مساحات متناسقة فأنه يدعو للاعجاب حقا حيث جمع بين القوة وحسن التنسيق
وفي مقدمة ما يحتفظ به سكان منطقة السروات من العادات والتقاليد العربية اكرام الضيف والنجدة والمظهر العام للجماعة فى القبيلة والقرية ففي المناسبات تراهم باتون بشكل جماعات ذات مظهر نظامي مقبول
وكذلك حينما يتجمعون للعرضات اولا لاستقبال ضيف عزيز . ثم هم فوق ذلك يتمسكون بالكثير من الفاظ اللغة العربية الفصحى في محادثاتهم العامة وهي ظاهرة تبعث في النفس الاعتزاز وتؤكد أن ما اعترى لغتنا في بعض المناطق ان هو الا بسبب الاختلاط بغير العرب والتأثر بما جلبوه من بضاعة لم تكن منطقة السروات من أسواقها فى يوم من الايام ولهذا احتفظ اهالي منطقة السروات بالكثير من الفاظ لغتهم الفصحى وكم يسر المرء حينما يرى طفلا صغيرا يشير الى المؤنث القريب بقوله " تي " أو يطلب حاجة من الآخر فيقول " هب لى هذا " أو يستمع الى المتكلم العادي عن شجرة العنب فيقول " حبلة " او المكان المنخفض فيقول : " الوهدة " او المكان المرتفع فيقول : أو الشعف " او الطريق فيقول : " السبل " أو كبير القرية وهو الذي دون شيخ القبيلة فيقول " العريف " او الجهل الغليظ المنقاد فى الارض الذي يصعب صعوده فيقول : " العرق " أو عن دعوته الى الآخر ليفترب فيقول : " هلم " الى غير ذلك من الالفاظ العربية المحضة التي تأتي دونما تكلف أو تقعر .
كما أعجبني في منطقة السروات انه مهما يبلغ العداء والشحناء بين من يحصل بينهم شئ من ذلك فانهم لا يتقاطعون السلام او الكلام بل انهم يتجالسون ويتجاملون مع احتفاظ كل منهم بحجته او موقفه وابقاء باب التفاهم مفتوحا دائما الا ان
الولوج منه ليس سهلا .
واعجبني من حكمهم ما اوص به أحد مشايخ القبائل ابنه فى كيفية حل بعض مشاكل قبيلته حيث قال : " إذا رأيت المشاكل تزداد بين طرفين لغير سبب ظاهر معقول - فلا تحاول الاصلاح بينهما لانك لن تصل الى الحل الجذرى وانما يجب ان تبحث عن الساعي في الشر بينهما فتوجه جهدك اليه وهو يكفيك اخماد النار التى أشعلها . "
ومن نكتهم القديمة المشوبة بالحكمة اعجبني ما قاله احدهم فى تشبيه رجل أراد أن يتشبه بآخر اكبر منه منزلة وأقوى شكيمة واراد قومه ان ينصحوه بأن لا يكلف نفسه أمرا لا يستطيعه : " اتركوا فلانا فانه لا يزال فى سن الكعي " أى الجحش الصغير فانه فى الاسبوعين الاولين من حياته وما دامت اذناه قصيرتين وعوده غضا يتشبه بالفلو في اللعب والمرح الا ان اذنيه لن تلبثا ان تطولا فيثقل عليه حملهما فتخف حدة رغبته فى التشبه بالحصان حيث يعود الى اصله ويعرف مكانه مع فصيلته .
هذا ما أعجبني في منطقة السروات اسجله هنا استجابة لرغبة صاحب مجلة المنهل المفضال وما توفيقى الا بالله وهو الهادى الى سواء السبيل .
الباحة - سعود بن عبد الرحمن السديرى

