أعجبني
- ٢٩ - ما كتبه معالى الشيخ حسن ابن عبد الله آل الشيخ وزير المعارف تحت عنوان : (( خواطر جريئة )) فى العدد ٣٤٤٢ من جريدة البلاد الصادر فى يوم الجمعة المصادف لليوم السابع من شهر ربيع الثانى ١٣٩٠ ه حيث افتتح كلمته بقوله : (( يا قومنا يا اخواننا لقد مللنا سماع الغزل والتغنى بجمال المحبوب وعيونه وقوامه بل لقد اصبنا بالتخمة لكثرة ما سمعنا من هذا النوع وشاهدنا ))
ومضى مذكرا بأن الظروف و المقومات والاحداث تتطلب منهم أن يعيشوها أداء لامانة الواجب وانفعالا لمجرى التاريخ وتجاوبا مع مشاعر المسلمين والعرب التى يكلمها كل يوم بل كل ساعة أعداؤهم قتلا وتخريبا ودمارا ، وطلب معاليه أن لا يقولوا انه يبالغ فيما يقول أنه يبالغ فيما يقول أو يتحامل فيما يطلب ذلك لانه يعيش مع كل المسلمين والعرب المأساة الدامية التى يتساقط خلالها الشهداء العرب ضحايا للغدر والجريمة وموت الضمير الانسانى .
وختم معاليه مقاله بقوله : يجب أن تتجه
أغانينا الى ايقاظ المشاعر وشد المواطنين الى مواطن الفخار فى حاضرهم وماضيهم وشحذ عزائمهم لمواصلة الكفاح والفداء وتنبيه جيلنا الناشئ الى دوره ومسؤولياته .
وأكد معاليه اننا ان لم نفعل ذلك فنحن نحضر للهزيمة طريقها فى مشاعرنا وعقولنا وأفكارنا .
لقد أعجبني هذا الكلام لانه كلام واقعى يمس جانبا هاما من جوانب حياتنا الاجتماعية وكنت أتوقع أن أقرأ فى نهاية المقال ما ينوى معاليه بصفته وزيرا للمعارف اتخاذه لحماية جيلنا الناشئ من مثل هذا الاتجاه خاصة وانه قد حض على تنبيه الجيل الناشىء الى دوره ومسؤولياته ، وأشار الى أن المملكة التى تعيش اليوم مرحلة القيادة الاسلامية مطالبة بأن تتبلور بكل طاقاتها فى هذا السبيل . وقفز الى ذهنى عدد من الاسئلة أهمها يقول
ومن الذي يستطيع أن يحمى جيلنا الناشئ ؟ أو يوجهه ويشغل فراغه ويرسم له الطريق الذي يسلكه ويهيئ له الاسس المتينة التى يبنى عليها تعليمه الصحيح ومفاهيمه السليمة للحياة ! ليسير على المحجة البيضاء التى تركنا عليها نبينا محمد عليه الصلاة والسلام ليلها كنهارها لا يزيغ عنها الا هالك من الذى يستطيع ذلك ؟ غير وزير المعارف المسؤول الاول أمام أمام الله سبحانه وتعالى ثم أمام حكومتنا المسلمة التى يقودها ملك مسلم عظيم وداعية اسلامى فذ لا غاية له الا أن تعلو راية الاسلام ، ويعود لأبنائه مجدهم ومفاخرهم ولهذا نراه يعرض نفسه الغالية للمتاعب بل المهالك فى سبيل لم الشعث ورفعة شأن الاسلام والمسلمين وصلاح أمر الجيل الناشئ وتهيئته للاضطلاع بمسؤولياته الضخمة على أكمل الوجوه ، وهل صدور مثل
هذه الخاطرة الجريئة من معاليه كافية لتصحيح وضع أو اقامة معوج أو تنبيه جيل ؟
ولم أجد لتلك الاسئلة غير جواب واحد يؤكد ان العلاج الحقيقي بيد معالي وزير المعارف وحده واننا بحاجة الى تخطيط جرىء والى خطوات اصلاحية جريئة فى حقل التعليم تأخذ بيد جيلنا الناشئ فى المدرسة اولا الى فهم قرآننا الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والذى لا نكاد مع الاسف الشديد نجد من بين ابنائنا من يحسن فهمه لفظا او معنى رغم ما تبذله حكومتنا السنية من امكانات ومقومات ضخمة للتعليم .
اننا بحاجة الى أن يفهم جيلنا الناشئ أن قرآننا ليس كغيره من الكتب التى تقرأ ولا يعمل بها لكنه نظامنا الاجتماعى المتكامل الذى يبنى المجتمع المثالى فى سلوكه وتعامله ليوصله الى غاياته السامية . اننا بحاجة إلى أن يقوم تعليمنا على أسس اقوى واكمل ، بحاجة الى التفكير الجدى والعمل المخلص فى اختيار المدرس الصالح لانه القدوة لأبناء الجيل الناشىء . بحاجة إلى وضع المناهج والمقررات التى يسهل فهمها وتطبيقها والى التركيز على العلوم الاسلامية والتاريخ الاسلامى الزاخر بأمجاد ومفاخر أمتنا الى جانب العلوم النافعة الاخرى التى لا غنى لجيلنا الناشئ عنها لكى يصبح جيلنا ذا صلة قوية بتراثه الفكرى والحضارى فيربط بين ماضيه وحاضره ويعمل لبناء مستقبله على أسس متينة من العلم والعقيدة وحينئذ يمكن أن ننتظر من جيلنا الناشئ ان يبدل التغنى بجمال المحبوب وعيونه وقوامه وما شابه ذلك بالتغنى قولا
وعملا بقول الشاعر الفخور بعمله وأمجاد أمته :
نبنى كما كانت اوائلنا
تبني ونفعل مثلما فعلوا
أما إذا لم نحقق ذلك لجيلنا ونسلحة بسلاح العقيدة الاسلامية الصحيحة ونعلمه النظام القرآنى العظيم الذى يرفع الأمم وينظم العلاقات بين افرادها ومجتمعاتها على احسن الوجوه واكملها فان جيلنا الناشئ معذور إذا هو - لا قدر الله - سلك مسلكا لا يرضاه المخلصون لدينهم وأمتهم ووطنهم لانه فى مهب الريح والتيارات الالحادية التى تكتنفنا من كل جانب وتعتمد على مخططات جهنمية صادرة من نفوس شريرة حاقدة تقتلع كل ما فى وجهها الا من يثبته الله بالقول الثابت . وقديما قال الشاعر العربى الحكيم :
ومن رعى غنما فى أرض مسبعة
ونام عنها تولى رعيها الاسد
لهذا قررت ان أسجل هذه التفاعلات المخلصة التى اثارها اعجابي بخاطرة معالى وزير المعارف الجريئة مع تمنياتى لمعاليه بالتوفيق والسداد فى مهمته الكبيرة وعبئه الثقيل . .
أعجبني
- ٣٠ - ما انطوت عليه رواية ابن عبد ربه فى كتابه ( العقد الفريد ) عن سعيد بن مسلم الباهلى ان اعرابيا من باهلة قدم بين يدى الرشيد فلما مثل بين يدى الرشيد قال له سعيد : يا أعرابي خذ بشرف أمير المؤمنين ! فاندفع فى شعره فقال الرشيد : يا أعرابي اسمعك مستحسنا وانكرك متهما فقل لنا بيتين فى
هذين يعنى ابنيه محمدا الامين وعبدالله المأمون وهما حفافاه فقال : يا امير المؤمنين حملتني على الوعر القردد ، وارجعتني على السهل الحدود . روعة الخلافة وبهر الدرجة ونفور القوافى على البديهة فارودنى تتألف لى نوافرها ويسكن روعى قال : قد فعلت وجعلت اعتذارك بدلا من امتحانك قال : يا أمير المؤمنين ، نفست الخناق وسهلت ميدان السباق وأنشأ يقول :
بنيت لعبدالله ثم محمد
ذرا قبة الاسلام فاخضر عودها
هما طنباها بارك الله فيهما
وانت أمير المؤمنين عمودها
فقال الرشيد : وانت يا اعرابى بارك الله فيك فسل ولا تكن مسألتك دون احسانك قال الهنيدة : يا امير المؤمنين فأمر له بمائة ناقة وسبع خلع . . فقلت : هذه والله البلاغة العربية الحقيقية تأتى بدهية دونما تكلف أو افتعال من خلال عبارات عربية محضة مستمدة من واقع بيئة هذا البدوى وظروفه التى يعيشها فيبلغ بها القمة نثرا ونظما رغم رهبة الموقف واتهام الامير له بالعجز . وتمنيت لو ان بعض كتابنا رجعوا الى لغتنا العربية الواسعة وتركوا التكلف جانبا واكتفوا بالتعبير عما يريدون الكتابة عنه بالفاظ مألوفة فى بيئتهم من صميم لغتهم العربية الحافلة بالكلمات السلسلة الطيبة التى تعبر عن المراد أجمل تعبير بدلا من نشاز القول والاستعانة احيانا بالفاظ من اللغات الاجنبية والاصطلاحات المشتبه بها التى لا تمت الى لغتنا او أدبنا بصلة .
( الباحة )

