أعجبني
(٣١) أثناء قراءتى فى كتاب (( أعلام الموقعين )) تأليف شمس الدين أبى عبد الله محمد بن أبى بكر المعروف بابن قيم الجوزية رحمه الله ، ما قرأته في باب خطر القول على الله بغير علم ، من أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى في الحديث الصحيح أميره بريدة أن ينزل عدوه اذا حاصرهم على حكم الله . وقال : ( فانك لا تدرى أتصيب حكم الله فيهم أم لا!؟ ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك)
وتعليق المؤلف رحمه الله على ذلك بقوله : فتأمل كيف فرق بين حكم الله وحكم الامير المجتهد ، ونهى أن يسمى حكم المجتهدين حكم الله ، ومن هذا لما كتب الكاتب بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حكما حكم به فقال : هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر . قال : لا تقل هكذا ولكن قل : هذا ما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب .
وتذكرت بهذه المناسبة سؤالا دقيقا عميقا فى هذا المعنى طرحه رجل كبير وهو
يتصفح احدى المعاملات منذ أكثر من عشرة أعوام ، فقد سأل : هل يليق أن يقال لحكم القاضى : الحكم الشرعى ، أم حكم القاضى فلان ؟ وعم السكوت الحاضرين برهة من الزمن كدت خلالها أن أسارع بالجواب على ضوء العقل لا النص ، العقل السليم الذى أوحى له بهذا السؤال فأقول : ان من المستحسن ان يقال : حكم القاضى فلان ، لأن الحكم صادر من رجل قد يصيب مقتضى الشرع وقد يخطئ ، والانسان ليس معصوما من الخطأ مهما بلغ في علمه وعقله لكن أحد الجالسين ممن هم أولى بالكلام منى أجاب : بأنه لا بأس أن يقال لحكم القاضى : الحكم الشرعى ما دام يشغل عمل القاضى الشرعى . . فسكت وسكت السائل ولم أكلف نفسى عناء البحث في ذلك الوقت عن النص الشرعى ، لكننى وقد وجدت أخيرا النص عن النبى صلى الله عليه وسلم ازددت اعجابا بسؤال السائل الكبير وايمانا بأن العقل السليم متفق دوما مع القواعد الشرعية ، وزادنى ايمانا بذلك قول المؤلف رحمه الله في موضع آخر من كتابه حول العمل بالسياسة ما نصه :
(( قلت : هذا موضع مزلة أقدام ومضلة أفهام وهو مقام ضنك في معترك صعب فرط فيه طائفة فعطلوا الحدود وضيعوا الحقوق وجرأوا أهل الفجور على الفساد وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد وسدوا على انفسهم طرقا صحيحة من الطرق التى يعرف بها المحق من المبطل وعطلوها مع علمهم وعلم الناس انها ادلة حق ظنا منهم منافاتها لقول الشرع والذى أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة حقيقة
الشريعة والتطبيق بين الواقع وبينها )) .
الى أن قال : (( فان الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل الذى قامت به السموات والارض فاذا ظهرت أمارات الحق وقامت أدلة العقل وأسفر صبحه بأى طريق كان ثم شرع الله ودينه ورضاه وأمره والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد وأبطل غيره من الطرق التى هى أقوى منه وأدل وأظهر بل بين بما شرعه من الطرق أن مقصوده اقامة الحق والعدل وقيام الناس بالقسط فأي طريق استخرج به الحق ومعرفة العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها ، والطرق أسباب ووسائل لا تراد لذواتها وانما المراد غاياتها التى هى المقاصد ، ولكن نبه بما شرعه من الطرق على أسبابها وأمثالها ولن تجد طريقا من الطرق المثبتة للحق ألا وهى شرعة ، وسبيل للدلالة عليها ، وهل يظن بالشريعة الكاملة خلاف ذلك ؟ )) ، وسألت الله أن يجزى المؤلف على ما يسره وأسداه لأمته خير الجزاء وأن يلهمنا الرشد والصواب في أقوالنا وأفعالنا فهو ولي ذلك والقادر عليه .
أعجبني
(٣٢ ) قول الخليفة الثانى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه : (( أخوف ما أخاف عليكم شح مطاع وهوى متبع، واعجاب المرء بنفسه)) فقلت : أللهم اننا نعوذ بك من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ومن نزغات الشيطان وتوهيمه .
( الباحة ) سعود بن عبدالرحمن السديرى

