(31) إن البرامج الرسمية لكلياتنا تنزل ضمن تعليم الأدب ، التاريخ الأدبي منزلة هامة . فبهذه المادة تتعلق قطعا " المسائل " التى فيها يسأل بانتظام المترشحون الى شهادة الأدب الفرنسي . أما " المؤلفون " أنفسهم وهم يكونون القسم الآخر من البرامج فمن المسموح به طبعا لكل واحد أن يشرحهم حسب آرائه وميوله الشخصية . إلا أنه يعسر أن نتصور أستاذا يهمل فى شروحه أن يضع الأثر فى مناخه وان ينيره بدراسة نشأته وبالتالى أن ينظر فيه معتمدا مناهج التاريخ الأدبى .
هذه هي الحالة أو قل هى هكذا تبدو من أول نظرة . فاننا إذا ما أنعمنا النظر هى ذلك سرعان ما يتبين ان التاريخ الأدبي يثير فى الكثير من ذوى العقول الحصيفة شيئا من الاحتراز والشك بل وأحيانا عداء سافرا . نعم قد يكون من الافراط أن نزعم أنه لم يعد فى عصرنا غير فن قد شاخ وانعدم سلطانه فجودة العديد من رسائل الدكتورا المناقشة خلال هذه السنوات الأخيرة ودسامة المواد المطروقة فى عدد من المجلات من ذات الطراز الأعلى تكفيان للدلالة على أنه لا يزال يزخر حياة . غير أنه لا يسعنا أن ننكر أنه مهدد .
ولهذا الوضع أسباب عديدة . أولها سلطان الأساتيذ الذين أثروا أعمق التأثير فى عصرنا . ففاليرى Valery كان يولى التاريخ الأدبي احتقارا مطلقا . ولم يكن ألان Alain يحبه حبا أكبر . وإن الأب بريمون Abbe 'L Bremond قد كتب يوما فى شان راسين : Racine " كما لو كان للشعراء حياة ! " وكذلك جيرودو Giraudoux فانه بشأن راسين Racine ايضا لم يكن يريد أن يعرف فى أى قرن كان مؤلف فيدرا Phedre قد عاش . وإن القارىء يتصور نتائج ذلك . فعبارات الأساتيذ القاطعة تتكرر عند الأتباع وعند النقاد وأصحاب المقالات وهي تصبح مألوفات بالنشريات الاسبوعية الأكثر قراء . فتبلغ بمختلف السبل شبان المفكرين وآخرين هم قبل عشرين أو ثلاث سنة قد كانوا شبابا .
وإن احتقار التاريخ هذا مرتبط كذلك بتقدم الاهتمامات الماورائية فى عالم اليوم . وإن اشهاريا صيته ذائع قد تحدث يوما فى غير ما لين البتة عن " النقد التاريخي " الحبيب الى الجامعة الفرنسية . ولكن لم لا نتحدث بدورنا عن النقد الماورائى ؟ .
( 32 ) فمن أراد اليوم أن يؤخذ مأخذ الجد لن يتجرأ أن يتكلم عن ماريفو Marivaux دون الاستشهاد ببرقسون Bergson وهيدقار Heidegger فغراميات مانون Manon وفارسها لم تعد تفسر إلا " بالزمان اللكى " lockien ومن لا يعرف انه لم يعد من الممكن ان نتذوق سحر انترمزو Intermezzo اذا لم نكن قد استأنسنا بعد بما هو عند ارسطو Aristoe " أحوال الكمال التى يبلغها الكائن " les entelechies "
وإن التقاليد الراسخة للجامعة الفرنسية قد أبت أن تستهويها فى سهولة مفرطة الأهواء العابرة . ويعرف أساتيذنا بطلان التعابير البارعة والمجانية . وهم يحتقرون ما يلقاه بصورة سريعة أصحاب المقالات من ضروب النجاح لدى جمهور ينقصه الاطلاع الكافي . وهم يمتازون بذلك الاحترام للظاهرة الصحيحة يبحثون عنها فى صبر ويكتشفونها بعد المطالعات المطولة . ذاك الذى ينقص نقصا شد ما يؤسف له ضربا من النقد . فهم إن أحد من الصحافيين كتب : " إذا ما جرت كلمة موت على قلم راسين Racine فهو لا يفكر في موته " يتذكرون انهم قرأوا جملة ابنه هذه : " ما من أحد خشي الموت اكثر مما خشي فلقد كان ارتاع منه عمره كله ألوانا من الارتياع قاسية " وهم إذا أرادوا أن يعرفوا هل أن مبدع هرميون Hermione وروكسان Roxane قد عرف فى
حياته آلام الغيرة ، لا يجيبون عن ذلك باحدى البديهيات الجمالية السامية بل يقصدون من بين شهادات لافوازان La Voisin الى شهادته الغريبة عن غيرة الشاعر الحادة . وإنهم لو كانت لهم الرغبة فى الاساءة لقالوا إن احتقار التاريخ ليقوم أساسا على جهل التاريخ ، وانه لنفسر بنية مانون لسكو Manon Les - caut "بالزمان اللكى " علينا أولا وهذا شرط ضرورى وكاف ألا تكون قرأنا أو أن نكون قد قرأنا بصفة جد عابرة روايات العهد البروكى baroque البيكر سكية Picaresques
ولنتبين من جهة أخرى تبينا دقيقا فى ألوان النقد الموجهة الى التاريخ الأدبى ما تضمنته من اهتمامات مصيبة والفائدة التى يمكن أن نستفيدها منها . فهى تقودنا فعلا الى أن نحدد بصفة أدق العلم الذى نخصه بجهودنا ومداه وحدوده وسنكتشف اذن أنه لا يفسر " وانه لا يمكنه أن " يفسر " وانه يقتصر على أن ينير الآثار الروائع . وهو بذلك فى نهاية الأمر يشبه سائر المناهج النفسية منها أو الجمالية او الفلسفية التى يزعم بعضهم انهم يصلون باتباعها الى تفسير حقيقي للأثر الفنى . ذلك انه لا شئ يمكن أن يفسر ما لم يتعمق تعمقا ويحلل الى ادق عناصره ويمكن ان يستخلص عبر تسلسلات ضرورية عن مبدأ أساسى العقل قد نجح فى البلوغ إليه . ذلك كان وهم تان Taine أن اعتقد أنه كان يفسر راسين Racine أو لا فنتان La Fontaine . وكذلك كان وهم آخرين بعده عديدين . غير أنه مهما كان اعتقادهم فانه لا يمكن أن نفسر أثرا بالجنس والبيئة والفترة وإن عبارات الفيلسوف عن " التفسير الأخير " و " السبب الأول الذي يحدد البقية " لا تبدو لنا منذ زمن بعيد إلا وهم فكر قياسى .
وعلى مؤرخ الأدب أن يحذر الميل مع هوى آخر . فانه - وهو ينزل الآثار الأدبية ضمن تطور الأغراض والمعانى - قد يحدث له ألا يدرك القيمة الفريدة والنكهة الطريفة. ولم ننكر أن بعضهم فى القديم لم ينجوا من هذا الخطر . فاذا كان موضوع دراستهم مثلا احدى روايات أدبنا الهامة فانهم كانوا يدرسون فى مجموعة الروايات السابقة المعانى والمواقف والطباع . فكانوا ينقبون فى حياة الكاتب عساهم يكتشفون فيها العناصر التى قد يكون استعملها ليؤلف كتابه وكانوا يبرزون فى الأدب المعاصر المعانى والصور بل والعبارات التى كانت توجد كذلك فى الأثر المدروس .
وكانوا يعتقدون بعد ذلك انه يحق لهم أن يستنتجوا أن العناصر التى يتكون ذلك الاثر منها كانت موجودة جميعها قبل أن يتصور وان عمل الكاتب لم يكن غير عمل جامع
ونحن ندرك اليوم بين الادارك ما كان ينقص بحوثا من هذا النوع ، فانها كانت تهمل الأساسى الذى هو طرافة الأثر الأدبي وقيمته خلقا شخصيا ومعناه أو على الأصح أنها كانت تقف فى اللحظة ذاتها التى فيها كان الموضوع الحقيقى سيشرع بعد فى طرقه . ذلك أنه اذا ما استعملنا نفس المثال الذى استعملنا منذ (33) حين كان فعلا يحق لنا ويجب علينا أن نضبط ضبطا كاملا نصيب السنن الاخلاقية والأدبية والاساليب المشتركة والمعانى المألوفة التى تساهم فى بناء الاثر . غير أن هذا البحث لا يكون له شأن إلا إذا ما مكننا من أن نبرز بعد ذلك مساهمة الكاتب الخلاقة والفائدة التى كان يجنيها من ذلك التراث والشكل الجديد الذى يمنحه تلك المادة والتركيب التاليفي الطريف الذى تنصهر فيه العناصر المختلفة التى يجدها المؤرخ .
وإن من بين مساوىء هذه الدراسة التاريخية أن خصومها يكشفون - وليسوا فى ذلك غير محقين - عن اهمال القيم الادبية المحض . ولنحذر فعلا أن يجرفنا عبء أبحاثنا نفسه وأن نرى فحسب فى الآثار المدروسة دلالتها التاريخية والمنزلة التى تحتلها فى تطور أدبنا . إغراء لا مفر منه غير أنه من المهم تجاوزه . ذلك انه من اليقين أن مآسي كينو quinault هى إذا ما اعتبرناها فحسب من حيث التاريخ لا تقل دلالة عن مآسى راسين R cine بل لعلها أدل وهي تعبر تعبيرا أبلغ عن ميول عصر طلب الشجى كان فيه يعوض مقتضيات العصر السابق الأشد صرامة . ثم هل من البديهى الى هذا الحد بالنسبة الى مؤرخ يصد عن جمال الآثار ويؤخذ فحسب بدلالتها الزمانية انه يوجد بين بلزاك Balzac وأوجين سو Eugene Sue فروق جوهرية ؟
غير أن التاريخ الأدبى يجب ألا يكون تاريخا خالصا وان المؤرخ لا يسعه أن يجهل أن هدف دراسته الحقيقى هو أن يبلغ وأن يبرز وان يجلو جمال روائع الماضى . وإنه ، قد تذهب بشرفه إرادته الانغلاق فى تسجيل الحدث الخام والجزئية المادية وفى الترجمة والبحث عن المصادر . فعليه أن يرمى الى أبعد من ذلك . وان التاريخ الادبى لا يحق الا بشرط أن يتجاوز التاريخ .
ويكفينا ، لنقتنع بالنتائج التى بامكانه الوصول اليها حين يفهم فهما جيدا ، أن نلاحظ الى أى حد قد تغيرت منذ ثلاثين سنة آراؤنا فى الآثار والكتاب ، وكم هو مختلف سلم قيمنا لا فحسب التاريخية ولكن الأدبية عن السلم الذى كان ينظم أحكام الجيل السابق . ولندع القرون الوسطى . ففى هذا الميدان ، فان مؤلف هذا الفصل يشعر ، ويا للأسف ، أن به نقصا يحول بينه وبين الكلام
فيه . ولا نقولن كذلك أى شئ عن النهضة . غير أننا اذا ما طرقنا القرن السابع عشر وعهد لويس الثالث عشر فاننا نلاحظ أنه فيما يخض تيوفيل Theophile وتريستان Tristan وسانت أمان Saint - Amant وأعظم الجميع بعد كورناى Corneille سيرانودى برجرراك Gyrano de gerac فاننا لم نعد البتة متفقين مع جمهرة أسلافنا . فان المؤرخين باكتشافهم الباروك Le baroque قد غيروا تأويلنا لمدرسة كاملة من الكتاب والاحكام التى كنا نطلقها عليهم .أن هذا الاكتشاف للباروك baroque قد أوحى قطعا بكتابة الكثير من الحماقات . فان راهبة أمريكية قد فسرت بالباروك baroque أسلوب باسكال Pascal كما أن لغويا جد شهير قد بسط هذا الرأى الساذج رأى أن فيدرا Phedre كانت رائعة باروكية baroqne . غير أننا اذا ما تركنا جانبا هذه المبالغات فاننا قد غنمنا أيما غنم اذ وعينا الثقافة الباروكية التى تطورت فى أروبا إزاء الثقافة الكلاسيكية الفرنسية (1) واننا في نفس الوقت نفهم أحسن من أسلافنا الطرافة البينة لكلاسكيتنا classicisme ونتذوق - وحججنا فى ذلك فى نفس الوقت أقوى وأدق ، المزج الشهى بين الباروك والفكر الكلاسيكى الذى يميز نوابغ شعرائنا فى عهد لويس الثالث عشر .
غير أنه إنما فى ما يخص القرن التاسع عشر قد غير عمل المؤرخين التغيير الأعمق الآراء التقليدية . ونحن نفهم على غير ما كان يفهم قديما التيارات التى هزت هذا القرن ونحن لسنا متفقين مع سابقينا (36) حول الأهمية التى يجدر أن نقربها لكل واحد من كتاب ذلك العصر . فمن يكون فكر قبل ثلاثين سنة فى انزال الشعر النرفالى poes . nervalienne بين أخلص صور رومنطقيتنا وأصفاها ؟ ومن يكون تنبأ أن بتروس بورال Petrus Borel وفيلوتى أوندى Philothee oNeddye وآخرين غيرهم قد يكونون يوما أهلا لدراسات متعمقه ، فنحن لا نزال نسميهم جريا على العادة " الرومنطقيين الصغار " . غير أننا ندرك
جيد الادراك أنهم يستحقون اسما آخر وان مصائر شعرنا لا تتضح لمن يتمادى فى إهمالهم .
إن التاريخ الأدبى ، وقد فهمناه هذا الفهم يستحق أن يحتفظ فى تعليمنا العالى بالمكانة التى بوأته اياها سنة عريقة . ذلك أن قيمته التربوية عظيمة . فله نتيجة أولى أنه يمنح الشباب المتعلم وبالتالى يبلغ معلمى المستقبل فهما أصح ومحبة أشد يقظة لآثار أدبنا الكبرى أى لمظهر ممتاز من الحضارة الفرنسية وانه وهو يبين ما كانه كورناى Corneille أو فلتير Voltre أو فيكتور هيقو 0 Victor Hugo انما فرنسا ريشليو Richelieu فرنسا الفلاسفة ، فرنسا القرن التاسع عشر القلقة المعطاء هى التى يعرفها الى شباب كانوا ، لولاه ، يخشى عليهم أن يجهلوها .
ثم انه ، لأنه يساعدهم على معرفة السنة الفرنسية ، فانه يبلغهم سنة الانسوية L' Humanisme الكبرى . ذلك أن روائعنا اذ ترجع الى فترتها وتدرس فى انبجاسها البكر ، تظهر الثروة الانسانية التى هى بها محملة .
ان التاريخ الادبى يقينا مساوى الجمالية وانه يذكرنا أنه ما من أثر فنى أصيل فضله كله يكون فى خصال بنية أو شكل أو تعبير . وأن كورناى Corneille وهو يكتب السيد Le Cid مثلا قد يكون خرج عن القواعد المقدسة للفن المسرحى ، غير أن الأهم لا يكمن فى ذلك ، انه فى القيمة الانسانية لذلك الابداع العجيب لعبقريته الذى لا يزال اليوم يهز شبابنا ويرق مشاعرهم ويسمو بهم . ان مهمة الاستاذ الاولى ليست أن يكون جماليين أو مثقفين بل رجالا . وانه لهذه المهمة ما من فن أثبت ولا أجدى من التاريخ الادبى .
غير أن التعليم العالى ليس له فحسب ، فيما يخص الأدب الفرنسى ، مهمة تكوين أساتذة المستقبل لمدارسنا ومعاهدنا الثانوية . وان البحث العلمى هو مهمة أخرى من مهامه لا تقل أهمية عن الاولى . فأستاذ الجامعة مدعو الى أن يكون باحثا وامام باحثين . وان التاريخ الادبى ينتظر منه ومن الذين سيكونهم حسب مناهجه اكتشاف مناطق لا تزال مجهولة من ميدانه . فكلياتنا ربما لا تعود الا دور معلمين فى مستوى التعليم الثانوى لو أنها تحرم تلك المهمة . فدبلوم الدراسات العليا من ناحية والدكتورا من ناحية ثانية ، يجب أن يتوجا عمل البحث هذا الذى تدعى الى القيام به نخبة من الطلبة باشراف أستاذهم .
وان المبادئ التى يجب أن تسير هذا النشاط مختلفة بين الاختلاف عن التى توجه أمالى الشيوخ ، ذلك أن الامر لم يعد هنا ، بصفة مباشرة على الاقل
أمر تكوين أدبى وأمر ثقافة . فمهمة الاستاذ هى هنا أن يعود على مناهج البحث وأن يساير مجموعة من طلبته فى اكتشافهم مادة لا تزال غامضة بعض الغموض أو مجهولة تماما . فالاهتمام الادبى الصرف لا يزول لا شك فى ذلك زوالا كليا . ولكنه يتخلى عن احتلال المكانة الاولى .
وعلى العكس من ذلك فان التبحر العميق والبحث عن الظاهرة الخاصة والدقيقة لم يعودا (37) هنا فى غير محلهما بل اصبحا على العكس من ذلك مقتضيات جد طبيعية لهذا النوع من العمل .
وانه ودون أن نقول شيئا هنا عن الدكتورا واعداد رسائلها فان الحجة قد أقيمت أنه فى مستوى الدراسات العليا يمكن بعد الحصول من طلبتنا عن نتائج مدهشة .
وإنه ، إنما بنوع من الحماسة يكتشف مفكرون شبان فائدة البحث الأشد صرامة ، وفرحة الاكتشافات التى يجلبها . فقد شهدنا طالبة من الطالبات تجرد تجريدا كليا صحافة عصر بلزاك Balzac المسرحية لتجد فيها الملامح والكلمات والاشارات التى كان يمكن أن تنير صور ممثلات بالكوميديا البشرية Commedie humaine وان حصاد المواد المجموعة قد تجاوز ما كان معقولا التكهن به . وهذه الاخرى قد قرأت كل ما كان يمكن قراءته عن عالم الشرطة وعالم الرعاع فى ما بين 1820-1845 . وان قراءة التثبت والذكاء تلك قد كشفت لنا بشأن طرق عمل بلزاك Balzac عن حقائق لم تكن الى ذلك الحين تخطر على بال . وليس فى ذلك وجوه نجاح هي بصفة مطلقة خارقة للعادة . ويمكن ذكر رسائل أخرى ممتازة قد أعدت بطريقة جدية واعتمدت مصادر طريقة ، نتائجها لو عرفت لأثرت معرفتنا بالتاريخ الادبى .
نعم ان رسائل الدبلوم ، كما يسمونها ، لا تكون دائما تدريبا حقيقيا على البحث . فلا نحزنن لذلك ولا نغضبن . فان احدى مزايا تعليمنا العالي التى لا تنكر هى الامكانية التى يوفرها للظهور لاشد العقول اختلافا ولجميع أنواع الطباع وللمناهج الاشد تباينا . فسيكون هناك دائما - وحسن أن يكون - طلبة يستهويهم فن المقال النقدى ولا يشعرون لا بميل ولا بتأهل للبحث .
وانه حقا لا علينا من ذلك . على أن يمكن لآخرين أن يخصصوا لهذا البحث نفسه سنة من دراساتهم .
أن يكون في ذلك بالنسبة الى أساتذة التعليم العالي مهمة حبلى امكانيات ، فلا يسعنا أن نشك فى ذلك ويمكن أن نكون على يقين من أنهم سيتفرغون لذلك بعناية لن تنفك تتعاظم . وان التجربة قد أثبتت أيضا أن مواهب الباحثين لن
تنعدم من بين طلبتنا . ولكن فلنرج أن جهودهم لا تبقى دون مقابل ولا جزاء مادى - وهذان ربما لا يقتضيان بالضرورة انعكاسات مالية - وأن المساهمة التى يقدمونها الى التاريخ الادبي لا تظل مخبأة ، ولا أمل ، طى نسخ رسائلهم المرقونة .
ذلك أنه لئن لم يكن من الضرورى أن تعرف مقالات هى وان كانت جيدة ، فان مقالات أخرى أجود منها ستجعلها عن قريب غير ذات فائدة ، فان النسيان الذي يسدل على اكتشاف من باب التاريخ ، هو بالنسبة الى البحث العلمى خسارة يخشى أن تكون الى الأبد .
وانه ضمن حركة اعادة تبويب العلوم الانسانية وتنظيمها التى نشهد سيرها فان التاريخ الادبي سيحتفظ بمكانته لا فرعا لعلوم أخرى ، علم النفس مثلا أو علم الاجتماع . خطأ سوف يكون مضحكا فى الحقيقة وسوف يرجعنا إلى أكثر من مائة عام الى الوراء . اذ فعلا فماذا كان السانسميون Les Saint - Simoniens بفعلون ان لم يكن حصر النقد الادبي بكامله في مجرد مقياس الفائدة الاجتماعية ؟ وخطأ سانت بوف Sante - Beuve ألم يكن في أنه كان وذلك الى حد كبير ، أقل عناية بجمال الآثار الفنية منه بشخصية الفنان التى كان يكتشفها فيها . رؤية عالم أخلاقي وعالم نفساني ، ونحن نعلم الى أى حد كان سانت بوف - Sainte Beuve رائعا في هذين الميدانين ، غير أن الأثر ذاته كان يفلت الى حد بعيد من قبضته . وانه انما بوصفه علما على الوجه الاكمل له موضوعه ومناهجه وغاياته الخاصة ، سيواصل التاريخ الادبي وجوده ، وانه انما لهذا الاعتبار سيندرج ضمن مجموع العلوم الانسانية فى مستوى الاشكال العليا للحضارة الى جانب تاريخ الفكر وتاريخ الفنون .
انه وهو ينزل ثانية ضمن هذا المجموع لن يخسر طرافته ولكنه سيأمن الافراد . وان ميشلى Michelet قد قال منذ قرن فى عبارة قوية جميلة عن تاريخ الفن : " من لا يجمع تاريخ القانون وتاريخ التاريخ ... الى تاريخ الفن يكون قد فسر تلك الأحداث بعلل مستمدة من الفن نفسه وهى علل ثانوية بل خاطئة ".
وقد كان كرر نفس الرأي في يومياته " إن رفيسون Ravaison شأنه شأن كينى Quinet لا يزال يبدو لى مفرط التعلق بالنظرة القديمة التى تبحث عن تعليل ظاهرة خاصة فى تلك الظاهرة الخاصة نفسها عوض أن نستخلصها من الظاهرة العالمية السابقة ".
فهذه الحكم لامام فى التاريخ ستظل تلهم مؤرخي أدبنا

