.......... قضى طفولته داخل مثلث رؤوسه الدار و " الكتاب " ودكان أبيه . وما كانت الدار أوسع من الكتاب ولا أقل دويا ولا اكثر مرافقا ، وكان خياله الناشط يحدثه عن مستقل زاهر وعن اتساع ورفاهية وسلطة ونفوذ - ولما "ختم البقرة " قالت أمه لابيه :
- " لقد بلغ الهادى الثانية عيش من عمره ، وحان وقت إرساله الى المدرسة للتحصيل على " الشهادة " المنفذة من العسكر .
- المدرسة ؟ أتعنين مدرسة الافرنج والكفار ؟ افسخي هذه الفكرة من عقلك ! سيكون الهادى من طلبة جامع الزيتونة عمره الله ! وسينجيه " التطويع " من العسكر ويغنيه عن شهادة الضلال .
- المدرسة ببلدتنا وقريبة منا ، وجامع الزيتونة في تونس وبعيد عنا . والهادي لا يعرف شيئا من الدنيا ولا يحسن القيام بلوازمه . فمن يطبخ له طعامه ويلح عليه فى الاكل ؟ ومن يغسل ثيابه ويرقعها ؟ ومن يطببه ويسهر عليه الليالي ؟ ومن يهديه فى شوارع العاصمة وأزقتها الملتوية ؟ .......
- سيتعلم كيف يعيش وكيف يعول على نفسه ! وسأوصى به أبناء البلدة وبعض أصدقائي بتونس .
- الاصدقاء كثيرون وفى وعودهم كاذبون . والهادى صغير السن عليل البدن ويحتاج الى عناية أكثر من وصاية ابناء البلدة والاصدقاء الغائبين . لا يا حبيبي المدرسة أرتح .....
- المدرسة نجاسة وظلام ، والزيتونة طهر ونور ....
- هل أنت أتقي من الآباء الذين رسموا أبناءهم بالمدرسة ؟ وهل من دخل المدرسة كفر ؟ إني لن أفارق ابني ولو لحظة عين .
- لا تلحلي على ! سيكون الهادي " طالب علم " حب من حب وكره من كره ! العني الشيطان وتغلبي على خوفك وأوهامك ...
- لعنة الله على جميع الشياطين وعلى جميع الاوهام ! ساكون مع ابني حيث يكون ، مهما قررت ومهما فعلت ، وحتى لو حكم على بالمقت والعذاب .
- أعوذ بالله من اعوجاج بنات حواء ، ومن كيدهن العظيم !
- ما زال الهادى كالبنت يا ابن عمى وفى حاجة الى من يصونه ويحرسه . سبيلغ رشده يوما ما فيحمى نفسه بنفسه . لا تكن قاسيا يا عزيزي ، وانت أحن الآباء .....
- إنا لله وإنا اليه راجعون !حافظي على فروجك أيتها الدجاجة النقناقة ، واحضنيه واخفيه من نور الشمس ومن هب النسيم .... الله يشهد اني قمت بواجبي الابوى ! ما أردت لابني ان يكون كالبنت ولا أن يكفر بقومه وبرب أسلافه !
- لم تريد أن يكفر ؟ هل لا يملأ القرءان الكريم صدره ؟ سيحميه كلام الله من مكر الفجار وستقيه أولياء الله من كيد الكفار ! سأهدي شمعة الى سيدي " التيجاني " كل يوم جمعة . هل اطمأنت ؟ .... "
..... وهكذا سلك الهادي طريق المدرسة فى حماية القرءان ونور شمعة سيدي التيجاني ..... فتعلم من العلوم ما تعلم وتلقن من قواعد السيرة والاخلاق ما تلقن ، واعتني بالدراسة وانكب عليها حتى ارتقى الى " القسم الاول " ذلك القسم الذي كان يخافه ويخاف تلاميذه وشواربهم الكثيفة . وأتى يوم " الشهادة " واحتفل بنجاحه القريب والبعيد ... وسيدي التيجاني ! نجا من العسكر وفرحت أمه و " زغردت " ونجا من الكفر وفرح أبوه وحمد الله .
- " نجاحك يا بني أراحنى من ثقل كدت ألا أطيقه ! خرجت من دار الكفر والدنس فادخل ببت الاسلام وطهر بها نفسك . إنى اريد إرجاع مياهك الى مجرى الاسلاف المتقين ، واريد ترسيمك بالفرع الزيتوني الذي تاسس ببلدتنا منذ قليل ، واريد تدارك شئ من الوقت التالف بتنظيم دروس خلال هذه العطلة الصيفية .
- انا تحت امرك يا ابى !
- ليت الله يقيني حبا حتى اراك على كرسى الافتاء او القضاء ! ما سمح الله لي بالوصول الى هذا المنصب . فاصعد اليه انت لافتخر بك بين الناس! ..."
... تنظمت حلقة بجامع البلدة لدراسة " سيدى خالد " وقضى الهادي صيفه لتناول الدروس نهارا ، ويتلو المتن والشرح ليلا ، حتى دخل المناظرة في اواخر
سبتمبر وارتقى بنجاحه الى رتبة " القطر " واستعد الى استئناف دروسه بالجامع بعد ايام الراحة والفرح . لكنه لاقى بعض اصدقائه فى الشارع ورأى بيده محفظة فقال :
- ما هذا يا على ؟ - هي محفظتى الجديدة ، وبها كتبى للسنة المدرسية القادمة . ألا تعلم ان " الكوليج" يفتح ابوابه غدا ؟ - الكوليج ؟ أرسمك ابوك في الكوليج ؟ - بلا شك وترسم معى صالح وعثمان ... - صالح وعثمان ! هل جننتم ؟ أ ترجعون الى دار الكفر بعد ما تخلصتم من مخالبها ؟ - انت الذي جننت ! ما تعنى بدار الكفر ؟ - مدرسة الافرنج ! انى ترسمت بالزيتونة وارتقيت الى " القطر " سأكون قاضيا او مفتيا ! - لك ان ترضى بحصيرة الجامع وعمامة القضاء ، ولغيرك ان يختار لنفسه خطة التدريس او الطب او الحقوق .... "
انصرف على وترك الهادى فى قلق وضجر ، ترقص امامه صور جذابة وتنادىه اصوات خفية : " محفظة من جلد !... كتب جديدة وعلوم عصرية تجهلها ! جلوسك على طاولة القسم خير من جثوك على الحصير! ... نفسك تميل الى التعليم وتربية الاطفال! ... مالك وقول المصنف ؟ مالك والقضاء ؟ ... الكوليج به على ، وصالح وعثمان ،... وبه الافرنج ... وبه البنات! ... "
مضت ايام قاسية على الهادى ، وأكلت الحمى جسده وعقله ، واشتدت جاذبية المدرسة وخضع اليها ، ، وبلغ الخبر أباه فاكتظ غضبا وصاح : الكوليج على الهادي حرام ، فاما الزيتونة واما باب الدار ! .." وما أفاد بكاء الام . ولا توسلاتها ولا هداياها الى سيدى التيجانى ... حتى تداخل شيخ محترم في القضية ، وهدأ روع الاب واتى على تعصبه ، وارضاه قهرا بالمدرسة الفرنسية وترسم الهادي بها وحضر اهم الدروس بالجامع من " القطر " ثم " المكودى " ، وواصل تعلمه الفرنسى الى ان احرز على شهادة " البروفي " فطلب من أبويه ان يترشح الى التعليم ويرتزق فانزعجت امه وقالت : - "المعلم توجهه الادارة الى اى قرية تشاء ، وانا لا اطيق فراقك يا بنى ، وما زلت اخاف عليك
- ومم تخافين على يا اماه ؟ اما بلغت الواحد والعشرين من عمري ، وهو سن الرشد : - اخاف عليك من " الظلام وبنات الحرام ". وما حدثني قلبي بخير عن التعليم ببلدة بعيدة . وقلب خبيري لا يكذب علي ! لكنني رجل يا امى ، وقادر على حماية نفسي بنفسي ! - اتقدر على رد سحر ومكر العجائز ؟ - السحر وهم ينبته العقل الضعيف ، وكيد السعالى زينة للخرافات ! - كيف تنكر السحر ؟ اما غلب الله موسى على قومه بجعله سحارا ؟ - استغفر الله !
- اني ما كفرت ! أبوك هو الذي قص علينا حكاية موسى وعصاه . أتكذب القرءان ؟ انسيت زياراتنا الى ضريح سيدى عامر ؟ هل لا تذكر كيف كان ابناء هذا الولى الصالح يخرجون الجنة من الاجساد " المسكونة " ؟ انسيت كيف كانت ترقيك للاعائشة من " النفس " و " العين " ؟ - لا أنكر ولا أنسى ! انى اريد ان احترف ، واخترت لنفسي مهنة التعليم ... - حرام عليك يا بني اذا ترشحت الى هذا الوظيف !
- فما تريدين ان اكون ؟ - كن تاجرا مثل ابيك ! انى اريد ان افرح بك قبل موتى . لقد اخترت لك " صبية" ..... يالها من صبية ! حسن وجمال ، وقد واعتدال ، ورشاقة في القامة وحلاوة في الانتسامة ! خياطة طرازه وابنة حسب ونسب ! سل عنها اختك حليمة ، ان لم تصدقنى ! .....
سأل اخته حليمة فأطنبت فى الوصف والمدح ، وشرب كلامها العذب ، وارتحل به خياله الى جنات تجرى من تحتها انهار من نعيم ، وسال لعابه من لذيذ صورها ! وامتلات عيناه زينة وزخرفا ، ورنت فى ادنيه اغانى الزفاف واغاريد الحب وخشخشة الحراير ! سيكون رجلا ! سيكون رب بيت ، له مال ينفق وامر يطاع ! ... وما لبث يومين يسبح فى بحر احلامه الحلوة حتى بلغ الخبر عمه فاختلى به وقال : - " اصحيح انك عدلت عن الدراسة ، وقبلت ان تكون عطارا وان تتزوج ؟
- قرر ذلك أبى وأمى ، وعلي بالطاعة .... - طاعة الوالدين عندك كالمطاط ! أأطعت اباك عندما حرم عليك الكوليج ؟ .... أسكرتك امك بنيذ العرس واضاعت عنك رشدك ! قال الاسلاف : دع الكلام الذي يضحكك وخذ الكلام الذى يبكيك - ما تجارة العطار سوى التقاط " صوارد " من سكر ودقيق ، وما الزواج فى سنك سوى مشتقة ، وحبل فى العنق !... والتدريس ؟ ما فعلت به ؟ اين ميلك اليه وولعك به ؟ ....
- حرمته على امي ! - وستحله لك بعد ! واصل دراستك ، وارتق الى الدرجات العليا ! كن استاذا ! - وكيف اترضى امى بارتحالي الى فرنسا ؟ - امامك ثلاثة اعوام طوال قبل اجل هذا السفر ! ... اخلع عنك الاحلام الكادبة وقو عزمك ! سأخاطب ابويك فى الموضوع ... "
تهدمت احلام الهادى واندكت قصورها ! فبكاها ... ونسيها ، واستانف الدراسات الثانوية وقضى ثلاثة اعوام يلتهم المعرفة .... و " يمخض " امه لاقتناء رضائها بارتحاله الى فرنسا ، وأحرز على الباكلوريا ورضخت الام بعد ما انسكبت انهار من دموعها وبعدما عاهدها بعشرات من الوعود . سيكون زاده التمسك بعقائده الراسخة ومبادئه السامية وبعوائد اهله وقومه . ألم يكن ساخطا على اقرانه المتمدنين المتفرنجين ؟ الم يقل يوما لاحدهم :
- تفر نست يا قاسم واصطبغت بالحضارة الاروبية الزائفة ، وكرهت ما انصب فيك منذ ولدت ورضعته فى لبن امك ! كيف سمحت للافرنج ان يجردوك من حللك القومية العربية الاسلامية وان يكسوك ثوبا اجنبيا ما قد على قدك ؟
- كلامك ضخم واجوف يا هادى ، ولا صلة له بالواقع - ... ربما ادى بك هذا الواقع الى حلق شاربك وجعل وجهك أملس يلمع كوجه البنت ! وربما جعلك تتغرغر وتتشدق " بباسكال " فأنساك الغزالي وابن رشد ! ....
- لا فائدة فى النقاش يا هادى ، سوف نستأنف هذ الحديث بعد عام ... - حديثى هذا سأعيده عليك بعد ستين عاما ان شئت ! أتامل ان اخون مثلك ؟ لا يا قاسم ! سارجع الى بلادي طاهرا من فسق باريس وفجورها .
ساتمسك بديني وقوميتي وعروبتى ! وستصلون نارا يوم البعث ، انتم الذين انكرتم جنسكم وتقلدتم حضارة ليست منكم ولا إليكم ! وستعيشون مذبذبين منبوذين .. اراك تبتسم وتسخر ! والله لولا الصداقة ....
- للطمت وجهي ودستني تحت قدميك ! ما اقواك يا هادي وما اعلى منزلتك في السماء ! خوفى عليك من الوقوع المحطم خوفى عليك من عواصف الواقع وارباحه المشتتة ! انك ما لمست اى واقع حتى الآن ، وما رجتك المصارعة بين الاوهام والواقع ، وبين الشك واليقين ، وبين الاضطراب والتوازن ! ترى الحياة والناس من خلال ناظور خيالك ! ستفتح الزوابع عينيك !
- العواصف تثير الغبار ، وتسخر منها الرواسى ! .... ارتحل الهادى الى فرنسا وحل بباريس صبيحة يوم سماؤه ثقيلة ، واكترى غرفة فى الحي اللتينى اختارها له قاسم ، واغتسل ، .... وحلق شاربه خوفا من العار ! وليس اول بدلة افرنجية فى حياته ، ومشط شعر ، ودهنه ، ونظر طويلا الى صورته فى المرآة فأعجبته وسمع نفسه تقول : " هل انت انا ؟ قاتك الله ! ما اظرف سماءك وما احسن بهاءك ! كنت ارانى كهلا في زي القديم ، وصيرتني شابا لطيفا ! ...لكنك صورة كادبة زائلة ، سأقتلك عند الرجوع الى البلاد ! ... " خرج الى التجول فى شوارع باريس مع اصحابه ، وهو يتساءل اصادق هذا الوعيد ! ومشى وراء اقرانه وما قدر على الالتحاق بهم والمته صلابة نعله الجديد واعياه السير السريع ولعن باريس وطول شوارعها وركض اهلها وبعد متاحفها وسواد جدرانها ...! واتي الليل ومال الى الفراش ، فاستنام وما نام ، بل شعر بالوحدة والغربة وعضه البعد عن اهله ، وعن بلدته وهدوئها ، وبكى كما يبكى الصبى الذي ظل الطريق ... وحفت دموعه وعاتب نفسه عن ضعفها ، وايقظ عزائمه الخامدة وقواها . سيعتصم بحبل الله ليدرس العلوم والحياة ! وسبحث عن الواقع ويلمسه ! سيصطبغ وقتيا بالبيئة البارسية حتى يكتشف اسرارها ويتفى شرها ! سيخالط الافرنج ويزور بيوتهم وجلس مائدتهم ويحادثهم ويناقشهم وينطبع بعوائدهم ... الملائمة لتكوينه الاصلي .... رغبة فى الاطلاع وحبا للمعرفة .
قضى عامه الاول بباريس بين شوقه الى زرقة السماء في بلاده وتوقه الى التعلم داخل الجامعة وخارجها ، وولع بالدراسات العليا واعجب بسعة ثقافة ساتذته وبتواضعهم ولطف معاملتهم . ووجد من عوائد الافرنج واخلافهم
ما سره وبهره . فهذا جندى الشرطة يبادرك بالتحية ، ويجيبك باحترام ولين عن سؤالك ، وعندما تشكره يحببك ثانيا ويقول : " انا فى خدمتك يا سيدى " ! اين نحن من خشونة " الاكراس " بتونس وغلظتهم ! وهذه آنسة تراقصك بحضور امها وخطيبها وتمازحك وتداعبك ولا يحرج ذلك احدا ! ابرودة دم ، امر تم تمدن وحسن تفاهم ؟ وهذه فتاة تدخن امام ابيها وتناقشه وتتحمس لارائها وتعاتبه وتلومه ، وهو يرضى بذلك ولا يؤاخذها ولا يغضب ! اقلة حياء واحترام ، ام تقديرا للحرية ولتكوين الفرد ؟ وهذا طفل صغير يرتحل ويغيب عن ابويه ، الاسابيع وحتى الاشهر ، وترضى امه بذلك ولا تخاف عليه ! اقساوة قلب ام وعى للواقع وتغلب على الاوهام ؟ وهذا شيخ يوقرك ويحترم لون بشرتك ، وينكر استعباد الانسان ! هل اخذ بالخاطر وحسن معاملة ، ام نبل في الاحساس البشري ؟ ....
انتهت السنة الجامعية ونجح الهادىء في امتحانه وحن الى مسقط راسه وثقل عليه طول الغيب والفرقة ، واسرع فى العودة ، وعيل صبره وقال لقاسم وهما بالباخرة :
- " هل من نهاية لهذا الترحال ؟ ما ابعد ساحلنا المنشود يا قاسم ! - ساحلنا قريب ويا ليته كان ابعد ! ستصل اليه وستسأم منه يوم حلولك به ! - انت تهذى ! انت تقيس تحرقى ببرودتك ! تعلقت بفرنسا وانفصلت عن بلادك !
- تعلقت بحياة احبها واحبتها انت ، وما انفصلت عن حياة كرهتها وستكرها انت ! ... - لن اكره حياة بلادى ابدا ! انى اتضور جوعا لاطعمة امى المفلفلة والمتبلة ! سأتناولها باناملى واصابعى ويدى - انى لمتشوق الى استماع تلاوة القرءان ، والى نداء المؤذن فى هدوء الليل ، والى اغاني " حسيبة" ....
- هنيئا لك ، ولا حرمك الله من فم يأكل ، ولا من عين ترى ، ولا من ادن تسمع ! - ها قد رجعت الى هذيانك - انت الذى تهذى ! امامك سراب غرار ... - امامي بلادى ! ... انظر الى شاطىء البحر وانسجام ألوانه انظر الى تونس وبنيانها الابيض وسمائها النيرة ! ....
وصل الى تونس فأخذته شوارعها فأقلقه ما رآه ، واندهش وانزعج ، وقال فى نفسه : " من غير العاصمة وبشع وجهها ، ووطى بنيانها وختمد حركاتها ؟ لم
يتباطأ الناس كأنهم ناعسون ؟ ما اغبر هذا الجو وما احر هذا المناخ ، وما اقذر هذه الانهج ! ما كانت تونس هكذا ! انى اذكر رحلتى الاولى من بلدتى اليها ، واذكر كيف ادهشني اكتضاض شوارعها بالناس وكم ادهلتنى سرعة حركاتها ! أعيناى هما ام تغيرتا ! .. قد يؤلم النور بعد الظلام ! .. وقد يزعج القبح بعد الجمال !.. هل تونس قبيحة وباريس جميلة ؟ .. لا ، ما قلت ذلك ! حرام ... عيب وسيئة !" ... اقتبله اهلة بحرارة الشوق ، وقبلوه وشرب دموع فرحهم ، ... وتحدث عن انطباعاته بها ، وجلس على الحصير المفروش وتآلمت ركبتاه ، وأكل الطعام عن جوع ، وراقه السهر بين ذويه .... وطاب الرقاد . واستيقظ في الغد ، وتأمل فى ما حوله ، واذكر غرفته بباريس ! ...وخرج الى شوارع البلدة ، وزار بعض الاقارب والاحباب ، وضاقت نفسه واشمآزت مما راته وسمعته ، وعاتبها ولعنها ، وما سكتت وما سكنت ! ولاقي صديقه قاسم وخلا به وقال :
- " انى لشقى ، انى لا أدرى ما جرى لي ! اين بلدتنا الباسمة واين حبى الموقعها وسمائها ؟ اين الخلان واين ولعى بمجالستهم ومحادثتهم ؟ لم ارانى بشعا بهذه الشوارب السخيفة واين افتخارى بها ؟ ...
- كل ذلك ذاب بباريس يا هادي ، ومات وقبر ! - لا ارضى بهذا الذوبان ! سأسترجع ما فقدت ! ساصطبغ من جديد بما فسخ منى ! سأثوب الى بلادي
- انك ما فقدت شيئا عليك استرجاعه ، وما ارتكبت اثما عليك التكفير عنه انك تسلك الطريق الذى اختاره لك القدر وليس فى طاقتك الرجوع على عقبيك ستقضى صيفك هذا كسجين فى حبسه ....
- أحكم علينا بالسجن فى بلادنا ؟ ... - وحكم لنا بالحرية في بلاد الغير ! - كيف أصبر يا قاسم وما تعودت بالصبر ، وما كنت في حاجة اليه ؟ - تمسك بالواقع ، سيعلمك الصبر ، - الواقع ! الواقع ، الا تعبد ربا سواه ؟ - الواقع يحمينى من التلف وظلمات السحاب ... - ويجعلك تزحف كالحنش ، لا تمتطى البراق ولا تزور السماء - زخرف الواقع باوهامك ان شئت ، لكن لا تنسه كي لا ينساك !
- عشت سعيدا باحلامي وعقائدى ، وما كنت فى حاجة الى واقعك الشنيع ! - كنت لائذا بحماية ابويك ، غير راشد ولا مكلف ! ليتهما اطلقاك قبلا وتركاك تتعثر وتتبعث حتى تستقيم وتثبت خطاك ! - ليت للبراق عينا ! ... "
قضى عطلته ببلدته في جحيم انتظار العودة الى باريس ، وحسب الايام والاسابيع ونشدها الله ان تطوى ... واتى اليوم السعيد ، واشتد انشراحه عندما تتشق هواء البحر على سفينة العودة ، وسمع نفسه تغنى " افرحوا لي يا حبايب ... " ورجع الى باريس ولقى بها لين الحياة ونعيم الحرية ، واستأنف دراسته بولع وشغف ورجع الى نشاطه فى مخالطة الافرنج وعاد له شوقه الى بلاده والى سمائها المشمسة المقمرة ، واعوزه طيب اسواقها . وطعم غلالها العذبة ، وسمع اصواتا تنادى بالواجب نحو الوطن والدين ! وما الهاه حبه " لمارى " عن شوقه لبلاده ! " مارى " فتاة جميلة خلقة وخلقا ، تعرف بها فى الكلية وهويها وهويته وملكت روحه :
- " ليتك من جنسى يامارى ومن جلدتى ! .. إنى احبك ولا اتصور العيش بدونك ، لكنى مقيد بواجب مقدس يحرم على اقتران حياتى بحياتك . فراقك مر لا يتحمل قلبي والزواج بك خيانة نحو اهلى ووطنى لا يرضاها ضميرى !
- اشكرك على صراحتك واخلاصك لحبى انى لست طامحة الى الزواج بك ، وانت تعلم ذلك . غير انى لا افهم التناقض بين القيام بواجباتك نحو اسرتك وبلادك ، وبين ترضية رغباتك الذاتية . أليس الزواج امر الزوجين بانفرادهما ؟
- هو امرهما عندك وفي بلادك ياماري . الفرد عندكم قيمة في ذاتها تقرون لها بالوجود وتفسحون لها المجال للتحقيق والنمو - والمجتمع عندكم كتلة من افراده ، قيمته مجموع قيمهم ولا يزدهر الا بازدهارهم . والفرد عندنا منحل فى المجتمع ، خاضع لحاجاته وشهواته - فالابن عصا شيخوخة أبويه ، يتعلم ويتثقف ليفتخر به ابوه ، ويتاهل لتفرح به امه ، ويرتزق ليقوم بلوازم ذويه . والبنت مصيبة من يلدها وليست سوى انثى معدة للزواج وللقيام بشؤون المنزل .
- هكذا كنا فى عهد غير بعيد . انى لا أرى شيئا تمتاز به حضارتنا الغربية احسن من تخلص الفرد من هيمنة المجتمع ومن تداخله فى شؤونه الشخصية . أليس احترام الفرد للفرد لازما من حيث الاخلاق وحسن السلوك ؟ ليست حرية الفرد لازمة لسعادته ، وهل تسعد امة بدون ازدهار ابنائها ؟ هلا يفكر الشباب التونسي في تحريره ؟ ...
- الشباب التونسى مازال فى المراحل الاولى من الوعى ومازال يؤمن بلزوم تغلب واجباته العديدة الثقيلة ، على حقوقه القليلة الضئيلة . فعليه ان يراعى الراي العام فى ما يعمل ويقول وعليه أن يسلك طريق الاسلاف " الاماجد " وعليه ان يبر بوالديه وان يعترف لهما بالجميل ....
- بأي جميل يا هادي ؟ هل للوالدين فضل على ابنائهم ؟ هما يلدان ويربيان ويتجرعان مر الآلام والعذاب ، قياما بوظيفة طبيعية ، وتلبية لداع نفسانى غريزي . خلق الانسان ولوعا بتعمير الكون وبتمديد الحياة فى من يخلفه بعده . فاين الجميل ؛ كيف يرضى من لمس منكم هذه الحقائق وتحرر فكر ، من المزاعم الباطلة وتثقف وترقى ، كيف يرضى بالرجوع الى القيود والسلاسل ؟
- وما تريد ان يصنع ؟ هو كالنبات الذى قلع من ارضه اليابسة وغرس في تربة لا ينبته رغم خيراته وزخرفه ، نصيبنا الشقاء ، رجعنا الى السلاسل أم لم نرجع !..." اتم الهادى دراساته العليا بعد اربعة اعوام ، وأبى التفكير في مشكلة حياته ، لكن حان وقت الرجوع الى البلاد وايجاد الحل ، واشتد قلقه وتملكته الحيرة ... وأتى يوم الارتحال من " عاصمة الدنيا " ومفارقة كل ما صار عزيزا عليه . وأقبل عليه حبيببه قاسم فوجده كئيبا حزينا .
- " إنى أتارجح بين جحيمين يا قاسم : باريس بلا سماء تونس ولا ألوانها وروائحها وطعومها ، وتونس بلا حرية باريس وبلا لين حياتها ، وبلا ماري ولطفها ! لست من باريس ولا لماري ! وهل أنا لتونس وهل مازلت منها ؟ ليتنى بقيت ببلدتي راكدا فى نظمها العتيقة ، محافظا على عقائدها وعوائدها ، مقتنعا بحرفة العطار وبالبنت التى اختارتها لى أمي ! اليست السعادة الرضاء بالموجود ؟
- ما الفائدة فى التحسر ؟ ولدت مغربيا وماضيك منك كما أنفك من وجهك لا تفكر فى جذعه مهما قبح شكله ! وشربت من الغرب نبيذا سلسبيلا تبعث فيك روحا جديدة صارت عزيزة عليك ، أنت ضحية امتزاج نفسين !
- أنا نصفان لا يمتزجان ! - وعصفورتان تتناجيان ... - لا تمزح بل قل تتلاعنان وتتقاتلان ! ألا سبيل للتوفيق بينهما ؟ - أيمزج الليل بالنهار أو الماء بالزيت ؟ لم لا تنشط أحد نصفيك على اكل الآخر وهضمه ؟
- فى الأكل موت ، واى نصفتى تريد ان اقتل ؟ ليس اقتراحك من باب لمس الواقع ! - ألا ياكل القوي الضعيف ؟ - قد ياكل الضعيف القوي ! إنى لا أحد ضعفا في نفسي المغربية وهي تسكن عقلي وضميري ، ولا في نفسى الغربية التى تملكت قلبي !
- العقل أكول للعاطفة عند الرجال وذوى العزم ، ليهدك ضميرك ، سيبكى قلبك ثم يسكت . - سكوت القلب موت ، انا حى عقلا وقلبا ! - قلب الشاب فياض ، يغنى ويضحك ! ثم يهد عند الكهولة والشيخوخة ، ويسكت ولا يسكن .
- مالى والكهولة والشيخوخة ؛ انا اشتعل شبابا ! تالله انك شيخ ! - كلا ، يا هادى : انا شاب مثلك . ومشكلتى اخت مشكلتك ، لكنى تعودت اخفاء الحمى والغليان كما يتعود الجسد تناول السموم . سنرجع الى بلادنا وتغمس فى جوها البارد الميت علنا نبعث فيه شيئا من الحرارة والحياة !
- حل راشق وواجب مر ! سنرحل الليلة ، كما تمشي الضحية الى المجزرة ... وستدمع عيناي ويبتسم فوك - ما ضحك من ابتسم فوه وما بكى من دمعت عيناه ! ..."

