الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "المنهل"

ما هو أثر الأدب الحديث في هذه البلاد

Share

نريد أولا - ان نعرف ما هو الأدب الحديث لنعرف ما هو اثره . والادب الحديث عندى هو أدب هذا العصر المطبوع بطابعه ، والموسوم بميسمه ؛ وسيكون هذا الادب الحديث اليوم قديما فى الغد ، حينما ينشأ عصر جديد وجيل جديد يختط في الادب طرائق جديدة تخالف هذه الطرائق التى يختطها أدباء اليوم ، ويفتح أبوابا أدبية غير هذه الابواب .

وانا اعرف ان هذه نظرية لا يعتنقها الكثيرون ، وربما ظن بعضهم اني اتنكر للأدب الحديث او اتعصب له .

فبعض الناس يعتقد ان الادب الحديث هو الأدب الباقي على الايام . والذي لا تذهب العصور بجدته ، فهو حديث ابدا مهما كرت الايام . وتطاولت العصور .

وبعضهم يعتقد ان الأدب الحديث هو هذه الاساليب الجديدة التى ظهرت في الادب أوائل القرن الميلادي والتي تدعوا الى تحطيم القيود الادبية القديمة ، والتي تشتط حينا فى الدعوة حتى تصل الى إتخاذ العامية أداة كتابة وأدب ؛ كما هى أداة تفاهم ومخاطبة . وهجر الفصحى هجرا كليا ، والتي تعتدل أحيانا فتقتصر

على احداث قوالب جديدة فى الادب لا تتعدى الخروج عن قاعدة القافية الواحدة والوزن الواحد فى الشعر .

وبعضهم يعتقد ان الادب الحديث هو هذا الادب الرمزي الذي عرفه أدباء الغرب والذى تخصص فيه بعض ادباء العصر الحاضر من الشباب المثقف ثقافة غريبة خالصة .

وبعضهم يرى غير هذه الآراء . فالاختلاف فى تعريف الأدب الحديث لا يقف عند حد .

ورأينا الذي بيناه في صدر هذا المقال لا يخالف هذه الآراء المتناقضة في الجوهر ، بل هو يشملها جميعا ، فالأدب الذي ظهر في هذا العصر هو الادب الحديث ، وهذا الادب كما في كل أدب فيه الجيد والرديئي ، والحسن والخبيث .

والطرائق الأدبية المستحدثة سواء كانت رمزية ، أو متطرفة ، أو معتدلة أو عربية جزلة محافظة ، كلها أدب حديث لانها وليدة هذا العصر الحديث الذى نعيش فيه .

بقى أن نعترف ان هناك أدب جيد ، وأدب رديئ . وهذا موجود فى أدب كل امة وكل عصر فلاشك ان رجال المعلقات العشر والمتنبي ، وابن الرومى ، وآبا العتاهية ، والبحتري ! وابا نواس وابن هانئ ، وشوقي والعقاد والجارم وناجي والمازني شعراء جيدون . ولكن هل نستطيع أن نقول انهم ادباء محدثون ليكون أدبهم حديثا ؟

ان التاريخ ينكر هذا ، والواقع لا يقره . ومثلما يقال عن الشعراء يمكن أن يقال عن الكتاب والقصصيين ، وغيرهم من أدباء العصور المختلفة والتمثيل يغنى عن التدليل

فاذا أردنا أن تجيب على السؤال الذى يوجهه الينا المنهل الأغر بمفهومنا عن الادب الحديث فان اثره فى بلادنا قوي ولاشك ، لا لانه حديث فحسب ولكن لان الأدب الحديث في عصرنا الحاضر هو خلاصة آداب العصور القديمة العربية ، وخلاصة آداب الغرب وثقافته وعلمه .

وهو يستخلص دراساته من هذا المزيج الذي انتجته عبقريات كثيرة ومدنيات سالفة هي تراث الفكر الانساني في شتى العصور والازمان .

واثر الادب الحديث في بلادنا اثر بارز يلمسه من عاصر النهضة الادبية الحديثة فى بلادنا ، وأغلب أدبائنا الكبار عاصروا النهضة الأدبية الحديثة ، فهي نهضة عصامية لم تعتمد الا على دراسات فردية خاصة يعاونها اطلاع منهم واخلاص نادر وذكاء وقاد، ورغبة خالصة في الثقافة والعلم .

ولو لم تجتمع هذه العوامل لما كان فى بلادنا اليوم شئ اسمه ادب أو ثقافة ، فقد كانت البلاد أوائل هذا القرن الهجري في حالة من الجهل الفاضح والامية الفاشية تحول بينها وبين الادب ، وكان المدارس التى تأسست قبل عشرين أو ثلاثين عاما فضل اخراج هؤلاء المتعلمين الذي تخرج منهم الأدباء والمثقفون .

وهؤلاء لم يجدوا امامهم سوي الكتب الحديثه وسوي أدب العصر الحديث ونتاج القرائح لأدباء مصر وسوريا ؛ فاحتذوا حذوهم ، وساروا على منوالهم فكانت النهضة وكان الأدب الحديث في الحجاز

واذا فالأدب الحجازي الحديث لا يعتمد على ادب قديم ، ولم يناهض مدارس أدبية قديمة وان كان قد ناهض أفكارا ومبادئ قديمة ، مناهضة تطرفت اولا حتى كادت ان تخرج عن الاثر الحسن الموصوم لها ولكن الفورة ما لبثت ان هدأت واخذ الاعتدال يسيطر عليها فآتت اكلها الطيبة الشهية ادبا معتدل الفكرة قوى المبدأ والعقيدة .

يمكننا ان نقول الآن ان اثر الادب الحديث العربى هو هذا الادب الذي تدين له البلاد اليوم وهذه النهضة الادبية التى عمت مرافقها ، فاصبح لنا من الادباء بفضلها من نفخر بادبهم ، ومن الشعراء من بلغ شعرهم مرتبة عالية رفيعة

ولكن هذه النهضة تنقصها اشياء كثيرة ، واني لأخشى عليها اليوم أن تندثر فالادباء الممتازون قد انصرفوا عن الأدب الى وجهات اخرى من وجهات الحياة

والمكتبة الحجازية الحديثة لا تزينها منتجات ادباء العصر الحاضر من الحجازيين ، والصحف الحجازية على قلتها لا تمثل الأدب الحجازي تمثيلا صحيحا

ومهما كانت الاسباب قوية فهي لا تقوم عذرا لكل هذا الجحود ، وهذا الاهمال .

نريد من الادباء ان يجعلوا اثر ادبهم واضحا ، وان نسمع فى كل يوم بمؤلف جديد ، وبحث جديد .

اما هذا السكوت فهو يقضي على النهضة المباركة ويحيلها هشيما تذروه الرياح . وبعد فهل لنا ان نأمل وان ننتظر انا لآملون وانا لمنتظرون ؟

مكة

اشترك في نشرتنا البريدية