قبل البدء في ذكر الاثر الذي أحدثه الادب الحديث في الحجاز أود ذكر الاسس التى قام هذا الاثر عليها والوسائل والعوامل التى مهدتا لظهوره حتى تكونت النهضة الفكرية الجديدة.
قادة النهضة الفكرية في الحجاز اليوم أفراد من شبابه، جلهم ان لم يكن كلهم تثقفوا فيه، وبالرغم من المادة المدرسية التى تغذوا بها بين جدر المدارس الحجازية المختلفه المبادئ والاتجاهات، فان ثقافتهم التى لمسنا أثرها فى كثير من المواقف هي نتيجة مطالعات خاصة، ودراسات شخصية مستقلة، أى ليس للمدرسة الحجازية فيها الا التكوين البدائي المحدود، والنهضة الفكرية بدأت بتأثر قسم كبير من الشباب - فى العصر الحسيني - بكتاب المهجر، فشقوا أدبهم والتهموه وقلما تجد شابا متعلما يومذاك الا وقد تأثر بالثقافه المهجرية ولو الى حد ما، وبالرغم من تأثر اكثر الشباب بالثقافة المهجرية فان تلك الثقافة لم تنتج فتاجا طيبا الا
لدى قسم ضئيل جدا كان استعداده الشخصى قويا، ولما لم تجد بعض النفوس في الثقافة المهجرية الغاية التى تقصدها بدأت تفتش عن ثقافة اكثر ملائمة لحياتها فحولت وجهها الى الثقافة المصرية وعشقتها عن طريق الصحف والمجلات، وكانت أساليب الضغط التى اتخذتها السياسة الحسينية يوم ذاك تحول دون التعمق في هذا السبيل وبالرغم من كل هذا فقد كان لهذا المسعى اثرة الثقافي المحدود لدى أفراد قلائل كان استعدادهم الشخصى أقوى من غيرهم.
وكما كان للنهضه الحسينية عام ٣٣٤ - انقلاب بارز في بعض نواحي الحياة الحجازية، فقد كان للحرب السعودية ( عام ٣٤٣-٣٤٤ ) انقلاب بارز في التفكير والاتجاه؛ ساعد عليه ووسع من دائرته رقع بعض الحواجز الاستبدادية السابقة، فاخذت الصحف والمجلات المصرية تغزوا الحجاز وتغمر مكاتب الشباب وطغت الثقافة المصرية على الثقافة المهجرية فبدأت الثقافة المهجرية تتحلل عناصرها شيئا فشيئا حتى زالت معالمها تماما؛ وأخذ الشباب يلتهم الثقافة المصرية بقوة ويهضم كل ما تنتجه ويتعشق كتابها ويقلدهم لا في الكتابة والاسلوب فحسب بل في التفكير والاتجاهات أيضا.
هذا الاتجاه الجديد افاد العقلية الحجازية فائدة قوية وصقلها فتكونت على اساسه الثقافة الحجازية الجديدة التى ظهرت آثارها في كثير من المناسبات، أقول المناسبات لان حياتنا الثقافية الحاضرة حياة محدودة حياة مناسبات محضه، ولقلة المناسبات ضعفت الفائدة التى كان يجب ان يستفيدها المثقف من وراء ثقافته؛ ومن ثم ضعفت النتيجة المترتبة عليها والتي كان يجب أن يجنيها الشعب وافية كاملة.
ثم لكون هذه المناسبات كانت في وضعها ومظهرها، وأهدافها واشكالها مناسبات ادبية، ولكون الصبغة التى اصطبغت بها ثقافتنا الجديدة كانت ادبية
محضة لاسباب وعوامل مختلفة - لهذا كله فقد كانت الناحية الادبية اعظم بروزا من النواحي الثقافية الأخرى، ولهذه الاسباب نفسها كتب للتسمية الادبية الغلبة على غيرها من اسماء نواحي الثقات الأخرى التى تأثرنا بها، وللاسباب نفسها انغمس عدد كبير من الشباب في الادب وعملوا له مدة، استطاعوا خلالها تكوين ادب مستقل ظهرت على الكثير من قطعة المسحة الحجازية والتكوين الحجازي، كما ظهرت عليه الطلاوة والروعه والجمال والاثر الفنى، فهو حديث ومن نتاج المدرسة الحديثة.
هذه الغلبة التى تمت للادب عندنا سيطرت على النفوس، واثرت في قسم من الناشئة، فولجوا بابه بعضهم عن استعداد وبعضهم عن غير استعداد، وهذا الاختلاط ونتائجه مع الاساءات التى كانت تظهر من بعض الشباب عن طريق الانتقام الشخصى بحجة النقد أوجدت كراهية للادب والشباب مما لدى بعض الطبقات فقامت تحاربه من وراء جدر ولا تزال هذه الحرب متقد أوارها، فلا الشباب استطاعوا افهام هذه الطبقات غايتهم النبيلة، ولا الطبقات نفسها تفهمت حقائن الامور بجلاء ووضوح، وقد نتج من جراء ذلك الركود الذى نشاهده الآن في حياة الشباب الثقافية والعملية معا، هذا الركود الذي قام على هياكل السدود والتي نصبتها الكراهية في طريق الشباب.
هذا الادب الحجازي الحديث هواثر من آثار الثقافة الحديثه التى تأثرنا بها أقول اثر من آثار الثقافة الحديثة، ولا أقول اثر من آثار الادب الحديث لانا لم نتأثر بالادب الحديث وحده؛ بل تأثرنا بكثير من نواحي الثقافة الحديثة، بالرغم من أن تأثرنا بالناحية الادبية أقوى وأعظم، وبالرغم من أن نتاجنا الادبي اكثر وأظهر. فنحن كما قرأنا لطه حسين وعيكل والعقاد والزيات فى الادب قرأنا لهما
فى التاريخ وفي السياسة، وكما قرأنا لاحمد أمين وسلامه موسى فى الادب قرأنا لهما فى الفلسفة، وكما قرأنا لمحمد عبد الله عنان في التاريخ، قرأنا له فى الحقوق، وكما تأثر قسم كبير منا بالناحية الادبية من هؤلاء وغيرهم، تأثر قسم منا بنواح أخر، وعلى أسس هذا التأثر وبقوة هذا التثقيف بدأنا نكون ثقافة جديدة مختلفة النواحي وانتجنا الى جانب المحصول الادبي محصولا علميا ومحصولا اجتماعيا.
ربما طالبني القارئ بان أضع يده على هذه المحاصيل، وهو محق فى ذلك. لان أكثرها مجهولة وهي لا تزال سجينة المكاتب لم يحكم عليها بالافراج بعد ولا يعرف عن بعضها الا القليل منا، ان فى مكاتب الشباب الكثير من التآليف الجيدة لو تحسنت حالته المادية ورفعت بعض الحواجز المطبعية والصحفية لرأينا قسما كبيرا من التآليف الحجازية فى عالم لوجود، ولرأينا المعارك الادبية، والبحوث المستفيضة المتنوعة تملأ الصحف والمجلات، ولرأينا نتاجا حسنا له اثره القوى فى اعانة الثقافة العامة وغزو الافكار ولرأينا هذا الركود الذي احاط بالشباب يتغير بحركة قوية تسير مسرعة بلواء العلم الى الامام.
لم يك إذ كرت وحده من آثار الثقافة الحديثه فان لها آثار أخرى ظهرت واضحة في المجتمع؛ منها توجيه قسم لا بأس به من الطبقة الحارويه والعامية الى التعليم، وحدوث تغيير لابأس به فى النفسيات وفي المظاهر، وفي المجاملات، فهم بحكم التأثر آمنوا بفائدة العلم، وبحكم الاختلاط والاحتكاك اكتسبوا الكثير من التعابير الادبية الراقية، فاصبحو يتحدثون بها، وهم لا يحتاجون الا الى توجيه حسن ومساعدات مادية، واذا توفرت الاسباب واستعملت لها طرقها فسيكون لهذا العمل أحسن الاثر.
ان من آثار هذه الثقافة الحديثة ان جعلت العقول مستعدة استعدادا كاملا لقبول الثقفة العامة.
أثرت الثقافة الحديثة فى الشباب عن طريق المطالعة والدراسة، فأثر هو بدوره.
فى مختلف الجماعات بطريق الاحتكاك والاختلاط وتبادل المنافع، وحكم تنازع البقاء وبقاء الاصلح:
هذا قسم بسيط من آثار الثقافة الحديثة أتينا عليه نزولا على رغبة صديقنا الاستاذ الانصاري، ولعلنا وفقنا بعض التوفيق الى ما يريد.
مكة المكرمة:

