الشعر المنجمى حركة كتابية وليدة مسقط رأسها بمنطقة ضيقة من أرضنا التونسية وتسمى بأرض المناجم لانها تنفرد بخاصية مباركة هى غزارة انتاج الفسفاط . .
وأرض المناجم تقع كما هو معروف فى الجنوب الغربى التونسى .
أما الشعر المنجمى فهو حركة كتابية متعددة الصور كثيرة المواضيع يجمع بين أصحابها هدف موحد لكنهم يختلفون فى الطرق التعبيرية وتناول المواضيع المختلفة فى الحياة المنجمية .
ولا يقتصر هذا اللون من الشعر على الوصف البسيط والتلميح السطحى الى حياة العمال داخل المنجم أو خارجه بل يتجاوز كل هذا الى التحليل النفسانى والعاطفى والنظرة الاجتماعية فى حياة هؤلاء الناس ( العمال )الذين يشعرون شعورا عميقا بوظيفتهم الاجتماعية فى الحياة ويتحملون مسؤولياتهم الجسيمة ويؤمنون ايمانا راسخا بالله وبالوطن هذا الايمان الذى يكاد يكون صادقا مائة بالمائة لان أصحابه يمتازون بدرجة معينة من الثقافة والتعليم نحو دونهم ودون الشك والتردد فى وجوبية قبولهم لفكرة وجود الله وضرورة انتمائهم الى الوطن وقد يتطلب الحديث هنا موضوعا مستقلا لاننا لا نستطيع حصره باختصار فى سطور موجزة أو تحليله فى فقرات مقتضبة .
الشعراء الشبان الذين اتجهوا فى كتاباتهم الى تصوير حالة العمال ومعالجة قضاياهم والنظر فى حياتهم وما ينتج عنها من أتعاب وأفكار متشابهة وخلق جو عام موحد ، لم يخلقوا ظرفا زمكانيا لكتاباتهم وانما الظرف هو الذى خلقهم وأوحى لهم بفكرة التعبير عن كل ما يدور حولهم من مشاكل عملية عامة . . لكن هؤلاء الشعراء الشبان قد استطاعوا أن يوسعوا الزمان والمكان فى كتاباتهم
المنجمية ، فالمطلع مثلا على أشعار الاخ سويلمى بوجمعة ذات الطابع الشبه منجمى يرى أن الشاعر الشاب قد نقل معه المكان الى بعيد مع احتفاظه بالصورة والمناخ الدافيء والارضية الشعرية المنجمية ، التى هى أصل منبته ، نشأ فيها وترعرع وعاش الكثير من عمره .
ومن المعروف ان الاخ س سويلمى هو أصيل منجم الرديف قد نقل معه الطابع والمخيلة المنجمية عند مغادرته لارض التربة الخضراء . . . . وترى هذا الشاعر ما زالت تجذبه قوة الحنين الى التقرب ولو بالكتابة من اجواء العملة والمنجم بعد ما فرضت عليه ظروف الحياة العامة أن يعيش بعيدا عنها . . فالمقطع التالى مثلا يوضح مدى اشتياق الشاعر الى قريته المنجمية :
وددت لو أقبل المداخن السوداء لانها سوداء حزينة كقريتى مقطوعة الاصداء ( العمل الثقافى ) وهذا المقطع يوضح ذلك ايضا : وهذه جبال قريتى شعابها . . نجادها . . تفجر الحياة من سواعد الحديد . . ( العمل الثقافى)
اما الصديق احمد المختار الهادى فان رجوعه الى ارشيف الذكرى التاريخية يعتبر امتدادا وتوسيعا لدائرة الشعر المنجمى فقد عاصر الاول سنة 1884 وما سبقها ليكشف لنا بعد 80 سنة أى سنة 1964 عن الحالة الاجتماعية التى كان يعيش عليها سكان المنطقة المنجمية قبل اكتشاف الفسفاط وهم يسعون الى المحافظة على الحياة بطريقة غير مجدية الا وهي رعاية الغنم والأبل وتربيتها فى ارض ميتة الطبيعة .
ويخط عمك مصطفى خطا على هذا التراب الاخضر ويعود يرفع راحة معروقة نحو السماء عام جديب يا رجال داء عضال
اغنامنا اشتكت الهزال وبغالنا . . . وحميرنا .
ومن القصائد الأخرى فى هذا المجال حياة العامل المنجمى فى الريف عند عودته من العمل بعد السعى والبحث عن الخبز لصغاره وماله من عادات واعمال يومية يقوم بها اثر عودته من العمل فالمقطع التالى من هذا القصيد ( قريتى والامس ) لكاتب هذه السطور ( الشاعر المنجمى محمد العائش القوتى )
أتيتك يا قريتى منشدا نشيد التيارح والحسرة
فهذا عادل يعود صباحا من المنجم الاغير الميت
وفى يده خبزة للصغار وفى روحه التوق لم يسكت
واثر الصلاة وقبل الفطور يطل على الشاة والعنزة .
ومن الصور الواضحة للحياة الاجتماعية التى كان يعيش عليها سكان المنطقه المنجمية ننتقل الى وعى العمال أيام المحنة الفرنسية والتسلط الاستعمارى البغيض .
فالشاعر المنجمى يكبر وقفتهم الوطنية المجيدة الى جانب اخوانهم من أبناء الشعب فى مظاهراتهم وغضبهم على الاستعمار فيحدد رسم لوحة تمثل مظاهرة عمالية قام بها العمال سنة 1937 فى اليوم الرابع من شهر مارس بمنحم المتلوى واستشهد فيها ثلاثة عشر عاملا نتيجة الاصطدام الحاصل بين العمال وجنود المغتصبين الذين كانوا يحاولون اطفاء جمرة الشعب فى كفاحه وطمس مبادئه العظيمة فى ذلك الوقت فهذا مقطع للاخ محمد عمار :
يومنا الرابع من مارس تاريخ دماء وانقلاب ضد عهد يبست أزهاره .
وقست أمطاره .
وآختفى العالم عن انظارنا فيه بخمسين ححاب فآنتفضنا : وانتهت غفوتنا واقتلعنا كل ما انجزه الظالم فى بلدتنا وتحديناه بالرفض فلم يصبر لان الصبر قوة . . وهو لا يملك قوة . ( مجلة الفكر )
اذا كان الاطار الزمكانى للشعر المنجمى قد وجد لدى شعراء هذا اللون فما هى اذن الصور التى وضعها هؤلاء الشعراء داخل هذا الاطار وهل هى متعددة المواضيع والملامح أم أنها لا تختلف عن بعضها فى الالوان والمناظر .
ويمكن لنا ان نجيب عن هذا السؤال فنقول ان الصور متعددة والمواضيع مختلفة ولكنها ليست غريبة عن واقع العمال وحياتهم اليوميه وما تتطلبه هذه الحياة من أوضاع ومواقف معينة لا تختلف فى طرقها وأهدافها عن طرق العيش خارج المنطقة المنجمية الجدباء القاحلة والمحرومة من الخضرة الفلاحية والطبيعية ولاجل هذا نرى أن العمال مخلصون لتهذيب أذواقهم وممارسة هو ايتهم المتمثلة فى محاولة تشجير الارض المنجمية وبعث الحياة بالطبيعة الميتة فيها ، فالعامل عندما يعود من عمله يتفقد حديقته الصغيرة باستمرار ويعتنى بشجيراته اعتناء يدل على حبه القوى للنبات والخضرة التى يرجو أن تعم أرضه المنجمية . . هذا مقطع من قصيد للاخ أحمد عامر :
أراك تنفض الحذاء فى الحديقة لتفرغ الفسفاط فى الحديقة كي تجعل الاشجار يا أبى وريقة
وتودع الحياة . . بالزهر والنبات . ( جريدة الصباح صفحه الشباب ) ورغم هذا كله فان مركبات النقص التى يعانيها المنجميون وخاصه الشباب منهم لم تجد علاجا كافيا فلنتابع هذا العامل الشاب فى خطابه الى صديقته بالمدينة يعتذر لها فيه عن عدم قدرته على محاولة الاستمرار فى العلاقة الفاشلة بينه وبينها لانه قروى يقطن بقرية لا تتوفر فيها وسائل الراحة واللهو والترفيه لان عاداتها بسيطه وأهلها مازالوا يتقبلون الحياة فى شكلها البسيط المفروض عليهم ولكن غيرهم لا يستطيع أن يمارس حياتهم بشكلها المعتاد وفى هذا الشأن نتعرض لمقطع للاخ عامر بوترعة يقول فيه :
اعرف يا صديقتى انك تسأمين فليس فى قريتنا شواطىء خضراء وليس فى قريتنا ما أنت تعرفين من هذه المدينة الكبيرة .
وكما ذكرنا سابقا فان المنجمى يتهرب من ربط العلاقات العاطفية بينه وبين الجنس المضاد خارج منطقته بالمدن المجاورة لعدة اسباب وعوامل وقع ذكرها سابقا : منها أن ضعفه المادى يبقى دائما حائلا بينه وبين السير مع شريكة حياته أو حبيبته فى طريق مستقيمة تؤدى الى نهاية سعيدة ومقصودة ، وللاخ
محمد الطاهر سودة فى هذا المعنى خطاب يقول فيه : بعد سنة . . من بعدها ايقنت اني فى شراك مؤمنة تغفو على محبتى . . تصحو على محبتى تنسج من حبى لها أحلامها الملونة
فأحلتنى بمنطق الرياء والدموع حولت نبضى خنجرا يفتت الضلوع وكان ذنبى ذنب كل عامل فقير الخبز من مشاكلى فى الصبح والمساء والزيت والقميص والحذاء . .
وسنحاول فى الفقرة الموالية الحديث عن العمل داخل الداموس وعن القضايا والمشاكل التى يعيشها العامل المنجمى لضرورة التلازم والمعايشة بين العمال والداموس . . إذ لا بد منها ولا مناص الى غيرها ما دام الكهف مصرا على ضمهم اليه واقامتهم بجواره
لى خلقتم . . فانطلقتم . . فى شعابى تصنعون المجد وضاء الشهاب فاغمروا بالنور آلاف الهضاب .
كما ترى ان العامل المنجمى اليوم قد انتقل من حياة العسف والاستعمار الى حياة الواقع الحضارى والاجتماعى الجديد فالحياة قد تطورت والعامل نفسه قد تطور ومازال يتطور ويسعى الى تحسين اوضاعه الخاصة مؤمنا بفاعليه فى الوجود .
ولا غرابة اذن ان رأينا العمال يدأبون فى سبيل تحقيق الاهداف التى يصبون اليها غير مبالين بالموت المنجر عن حوادث الشغل المتواصلة داخل الداموس ، فنجد فى هذا المقطع من قصيد " حديث عامل منجمى " للاخ محمد عمار شعابنية :
ذات يوم سادتى مات صديقى لم يمت فى النور مثل الاقحوانه لم يمت خلف خزانه عندما غادر حى العملة . . وارتقينا القاطرة ورمانا الليل فى الداموس بعد العاشرة نطق الصمت فغاب تحت طيات التراب . ( مجلة الفكر )

