يعجبنى من الاراء والنظريات الادبية والعلمية ما حمل طابع الاستقلال أو لمح فيه ما يشبه الشذوذ والخروج عن المالوف . ذلك لأن فى تكرر الآراء على نسق واحد ، وانسياق المباحث العلمية على أسلوب مألوف ما يقتل فى النفس رغبة المتابعة وترسم الخطى ، ولذة الاستغراق في التأمل ، والمساجلة بالفكر والشعور ، اذ تصبح تلك الا راء والمباحث آخذه صورة الشئ المالوف الذى لا يستلفت الذهن أو يحض الفكر على الاستطلاع والمراجعة ’ وهذا رأى أينما أدرت بصرك وجدت ما يؤيده .
فالواقع الملموس فى الحياة العامة للجماعة أن المظاهر الادمية والاعمال المشتركة السائرة على نظام مألوف لا تسترعى الاهتمام ، ولكن الذى يسترعيه منها ما يشذ عن العادة أو يخرج قليلا عن الحدود المرسومة ، ولذا كان أكثر الناس حظا من الشهرة وبعد الصيت اولئك الافراد الذين يتعمدون المسالك الغريبة فى حياتهم الملحوظة لفتا للانظار الى ناحية مقصورة بالذات . والشذوذ فى الواقع أما أن يكون نتيجة علم غزير واطلاع واسع وملكة جيدة فى الملاحظة ، أو يكون على العكس نتيجة ضيق في النظرة وبساطة فى العلم وضعف فى الذهن وتخاذل فى الطبيعة النفسية عن المتابعة والملاحظة ، وهو فى كلا الحالين مصدر المتاعب والآلام ومدعاة للشقاء المتواصل . ولهذا كان العبقريون أصحاب الحظ الوافر فى هذه الناحية كما كانوا فى نفس الوقت فى الدرجة الاولى من الشهرة وعلو الصيت . ولا تناقض فى هذا فان الامة منذ نشوئها الى حاضرها كالقافلة الطويلة تتبع خطة واحدة ، فالحاضر منها يتبع الفانى ، واللاحق يترسم آثار السابق ، وهكذا على هذا النمط لا يعجبها أن تحول عنه لانه يكلفها ما لا تطيق .
فاذا جاءهم العبقرى بعد هذا بالمبدأ الجديد ؛ أو الفكرة الغريبة فهو متهم بالجنون ، لا شك ، وهو معرض - لذلك - للمصاعب والآلام ، ولكن فكرته لا تموت فى مهدها ، لان فيها قوة مجهولة لاقبل للمتألبين بأزهاقها وهى سبب شهرته وخلوده بعد الممات .
ولقد كان موطن الشذوذ الخصب - وما يزال - لدى جبابرة الفكر فى العالم حتى لقد أصبح من سمات العبقريين والنبغاء من العلماء والادباء الذين مهدوا للفكر الانسانى طريق الاتجاه الصحيح ، وأضاءوا له المجاهل الغامضة فى عالم التفكير، وهذا ينفى ما يتوهم البعض من أنه حيلة البسطاء الذين تعوزهم وسائل الشهرة الصائبة، لانا نجد فى العبقريين وعظماء الفكر من يتعمد الشذوذ لذاته تنبيها للاذهان الى هذه الملكة الكامنة فى نفسه ، تلك القوة التى تبنى فتبدع فى البناء ، وتستثير الاعجاب من كل صوب .

