_١_ تلقيت سؤالا عن نشأة اللغة العربية ولقد كان هذا السؤال وما يزال موضع الحيرة لدى كثير من ابناء هذه اللغة ، ولذا رأيت من واجبى كناطق بها ، ان اقدم اجابتى على هذا السؤال ولو لم تكن اجابة كاملة ، ولكنها ومهما كانت - كما فى اعتقادى - ستروى غلة الصادي وستسد فراغا لم يزل قائما بين الناطقين بها .
وبداية لهذه الاجابة ، أرى من واجبى أن لا أقفز قفزا سرعا إلى التحدث عن اللغة العربية نفسها ولاننى مؤمن بالمثل القائل : ( فى التأني السلامة وفي العجلة الندامة) - قبل ان نعرف معنى اللغة :
فاللغة (( فعلة )) بضم الفاء أصلها لغى او لغو . والهاء عوض ( ١)
وقيل : اللاغية ( اللغو ) قال الله تعالى : (( لا تسمع فيها لاغية )) أى كلمة ذات لغو ( ٢) وجاء كذلك ، لغا يلغو لغوا بكذا : تكلم به ، واستلغى فلانا استنطقه ، واللغة جمع لغي ولغات ، الكلام المصطلح عليه بين كل قوم ( ٣) وذكر ايضا ان اللغة هي اللسان . وتعريفها : انها اصوات يعبر بها كل قوم عن اغراضهم وهى (( فعلة )) من لغوت أى تكلمت ( ٤) .
من تعريفنا لكلمة اللغة يتضح لنا مدى حاجة الانسان الماسة الى اللغة . فالانسان أرقى الحيوانات وأوسعها ادراكا . وبسعة ادراكه كثرت حاجاته كثرة لا يستطيع
الواحد الاستقلال بها وحده فاحتاج الى التعاون مع بني نوعه ، وهذا شئ طبيعي لأن الانسان مدني بالطبع . وكما قال الشاعر : ( ٦)
الناس للناس من بدو وحاضرة
بعض لبعض وان لم يشعروا خدم
ولكن هذا التعاون يحتاج الى تفاهم والى معرفة كل من المتعاونين ما عند الآخر والا تعذر العمل وانتهى التعاون ، فالانسان بذلك محتاج الى واسطة للتفاهم وقد منحه الله قوة النطق وهو آخر طريق للافهام وأوفاه بالمراد .
فلم لا يكون به وفاء الحاجة ؟
ولكن السؤال الفرعى الآن هو : ما هى كيفية تكلم الانسان باللغة ؟ وقبل ان نسير فى بحثنا علينا ان نقف عند كل نقطة من نقاط موضوعنا الملىء بالفروع والتشعبات .
قلنا ان الانسان باتساع مداركه احتاج الى التعاون فاحتاج إلى اللغة ولا ريب فى ان اتساع المدارك كان يتدرج بتدرج النمو فيها فيكون احتياج الانسان الى اللغة بطريق التدرج ايضا ، فبعد ان كان التفاهم بالاشارات ثم بالمقاطع الصوتية القليلة ، اصبح بمقاطع اكثر لحاجات اكثر ، وهكذا الى ان نمت اللغة بنمو الادراك وتكاثر الحاجة ، وكيفت المقاطع حروفا أمكن حصرها فكان منها اللغة .
ولكن الآن يتردد في أذهاننا هذا السؤال الفرعى : هل ان أم اللغات واحدة ؟ انه اذا ساغ لنا ان نسغي ما تفاهم به الانسان الاول من المقاطع البسيطة والالفاظ القليلة لغة صح لنا أن نقول أن ام اللغات واحدة .
وهذا القول منى على وحدة أصل النوع .
حيث تفرعت بعد ذلك اللغات بتفرق الناس واختلاف أحوالهم . وبنسبة التغير
والتبدل الطارئ مع تشتت الحال والديار .
وكانت تلك اللغة التى نسميها ام اللغات بسيطة جدا ، وخاضعة كثيرا لسعة التغير والتبديل والتحريف والاستنباط الجديد مع اختلاف العادات والمعايش وسائر الاحوال : وقد أثبت الماجور ( كوندر ) ( ٧ ) فى مقال قرأه فى جمعية فيكتوريا الفلسفية ان الاصول فى اللغات الآرية والسامية والمغولية ، وفى اللغتين القديمتين الأكدية والمصرية كلها متشابهة تدل على أصل واحد وأتى بأربعة آلاف كلمة من هذه اللغة لاظهار المشابهة بينها .
واذا كان الامر كذلك فمن هو واضح اللغة الاولى ؟ انت ترى الطفل اول ما يلغي ويتحرك لسانه بالكلام يكون ذلك منه بالحروف السهلة النطق ، فاذا اتسع ادراكه وانطلق لسانه بالحروف الأخرى قلد من هم حواليه بما يسمعه من اطلاق الالفاظ على معانيها ، وهو فى ذلك ينتقل فى كلامه من لغو الاطفال الى لثغة الوليد الى تمرين الصبى ثم الى لهجة العشيرة او البلد ، ثم الى تهذيب المدرسة وهكذا تلقن اللغة .
وهناك من يقول : ان اللغة تعليم من الله علمها آدم ، وفسروا بذلك الآية ( ٨ ) الكريمة :
(( وعلم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني بأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين ))
وهناك أقوال واقوال حول منشأ اللغة ولكن ما يهمنا نحن هنا هو أن نسلك سبيلنا لنفصل حديثنا عن اللغة العربية .
لقد قسم العلماء اللغات المعروفة الى ثلاثة اقسام :
١ - اللغات الحية : وهي اللغات المعروفة اليوم ، والتي هى لغات أمم حية ينحصر تفاهمهم المطلق بها ومن هذه اللغات : لغتنا العربية .
٢ - اللغات المسماة باللغات البائدة : وهي التى انقرض أهلها وبادت أممها فطمست معالمها مثل الفينيقية والبابلية والحثية .
٣ - ما يسمى باللغات الميتة : وهي التى أصاب أصحابها المصايب ، فزجوا بين الشعوب . واندمجوا في سلك المتكلمين بغيرها من اللغات الحية كالسريانية وها أنذا استطيع ان اقول الآن اننا محقون في الحديث عن اللغة العربية وفي اهتمامنا بها لانها أفصح اللغات وآكثرها نضارة وحيوية واشراقا .
نسبت هذه اللغة الى العرب لانها التى فتقت عليها اسماعهم ودارت عليها رحى بيانهم ، وفي تسميتهم باسم ( عرب ) تعليلات كثيرة وحسب اعتقادى فان ما أورده فيما يلى هو أصح هذه التعليلات :
قد يكونون سموا بذلك لانهم أهل بيان وفصاحة ، واسم العرب مشتق من الاعراب وهو الابانة فيقال : أعرب الرجل عن ضميره : إذا أبان عنه ( ٩)
وقال بعض الناس : سموا بذلك لان أول من أنطق الله لسانه بلغة العرب ( ١٠ ) هو يعرب ابن قحطان . وهو ابو اليمن كلهم : العرب العاربة ، ونشأ اسماعيل بن ابراهيم معهم فتكلم بلسانهم ، فهو وأولاده العرب المستعربة وقيل ان أولاد اسماعيل نشأوا (( بعربة )) وهى بلد من تهامة ، فنسبوا الى بلدهم ، ومن ثم فكل من سكن بلاد العرب وجزيرتها او نطق
بلسان أهلها . فهو عرب يمنهم ومعدهم وقيل : انهم سموا عربا باسم بلدهم العربي (١١)
ولقد كانت اللغة السامية الأم المتفرعة عنها العربية ، منتشرة فى منطقة واسعة الاطراف قبل أن تلد بناتها وتتشعب الى فروعها .
وبلاد العرب هى الجزيرة العربية ، هكذا حددها التاريخ القديم ، ولكن الديار العربية افسح رقعة وأعم من ذلك . ( ١٢)
والسؤال الآن هو : متى ظهر العرب ؟ لقد قدر العالم (( نولدكى )) ( ١٣ ) ان العربية الحميرية عرفت منها نقوش وآثار يرجع عهدها وتاريخها الى القرن الثامن قبل المسيح وان العربية العدنانية لغة النثر والشعر الجاهليين ( ١٤) ظهرت في القرن الخامس قبل المسيح .
واننى لا أقدر ان استنتج من هذا القول زمن ظهور العرب . واني اخالف هذا الرأى ، وذلك لانه يمكنني ان أقول انهم وجدوا قبل هذا التاريخ بكثير فالدولة المعينية عرفت
قبل المسيح بنحو خمسة عشر قرنا وانه لا يخالف احد من المؤرخين في اعتبارها من العرب .
وكما ذكرنا فان تغير اللغات وتطورها سنة ثابتة وناموس مطرد فى جميع اللغات . والعربية منها ، ولقد تقادم العهد على قبائل العرب المتفرقة بما يعد بمئات السنين قبل تدوين اللغة العدنانية .
ومع هذا فانه لم يكن بين قسمى الجزيرة العربية تقاطع فقد دلت الآثار والاخبار على ما كان بينهما من اتصال دائم ، فكانوا يتخيرون العذب من الكلام ، وكان للبيان والفصاحة عندهم المحل الاول .
وكانت هذه اللغة المهذبة تجذب الى حظيرتها سائر اللهجات العربية مهما بعدت عنها كالمغناطيس يجذب الحديد اليه ، ولو
كانت تلك اللهجات اجنبية عنها لاستعصت عليها ولم تنقد اليها .
ودام ذلك الى ان اتحدث فيها حتى الحميرية وبقاياها ( ١٥) ذهبن كأمس الدابر وبقيت هنالك بعض آثار الاختلافات اليسيرة فى اللهجات الشمالية والجنوبية كالطمطمانية ( ١٦) والشنشنة ( ١٩) والكشكشة ( ١٨ ) والكسكسة (١٩) وغير ذلك ، وبقيت الى صدر العصر الاسلامى .
وبعد ان نزل القرآن بأحسن اللهجات العربية وأفصحها وظهرت بها السنة النبوية كان اتباع القرآن والسنة الدين الغالب في الاقطار العربية ، وكان لقريش الدولة والسلطان .
وقد اتجهت القبائل العربية الى اللهجة المضرية دون سائر اللهجات الاخرى وفنيت فيها . ثم جاء عصر التدوين فكانت هى المدونة ( ٢٠ ) .
هذه هي اللغة التى كانت خزانة لعلوم الاولين والآخرين وقد قاومت ولا تزال تقاوم جميع النزعات الهدامة وصمدت على الدهور صمودا لا يتاح للغة اخرى ولو اصيبت لغة غيرها ببعض ما اصيبت به لكانت فى عداد اللغات الميتة لا محالة .
أخذ الله بيد كل فرد منا للقيام بما يجب عليه من خدمة هذه اللغة واعلاء شأنها خاصة وانها لم تزل تظهر جدتها ، وانها اهل للحياة ، انها نعمة من الله سبحانه وتعالى علينا .
جازان - المضايا

