انه لشرف عظيم حقا ان تتفضل على سفارة الباكستان بتونس ، فتتيح لي . بمناسبة الاحتفال بالذكرى السابعة والعشرين لوفاة محمد اقبال - فرصة الحديث اليكم عن شاعر الباكستان الوطنى فى موضوع ) مبدأ الحركة وفلسفة الذات " فى شعره وتراثه الفكرى ( .
وانى اذ ألبى دعوة المشاركة فى هذا الحفل مشاركة متواضعة لاستجيب لما فى نفسى من عشق واكبار لهذا الشاعر الخلاق والفيلسوف المصلح الفذ وانى لفرط هواه سميت ولدى باسمه . فهل من ملوم فى هواه !
ظهر الشاعر الفيلسوف محمد اقبال فى فترة كالحة سوداء من تاريخ الهند ، ذاق فيها المسلمون لاول مرة ذل الاستعباد ومرارة التبعية . فبعد ان كانوا سادة الهندوك منذ ستمائة سنة اصبحوا مثلهم رعية الحكام الانقليز ، ووجدوا ان جاههم ولى ، وان قوانينهم زحزحت عن مكانها وان لغتهم اهملت جانبا ، ففقدوا الرجاء يوم كان الغرب فى اواخر القرن التاسع عشر فى اوج ازدهاره ، يرنو الى غد افضل
ولم تكن حالة المسلمين فى المشرق والمغرب الاسلاميين احسن من حالة مسلمى الهند وآسيا يومئذ . فلقد ظل المسلمون ركودا خلال القرون الستة الماضية وفترت الشعلة النورانية ، وجفت روح الاسلام في قلوبهم ، وتحجر الدين والفكر ، وغاب عن المسلمين ان الحياة حركة تطورية ، فرجعوا القهقرى وجمدوا فى دياجير الجهل . ثم صدموا بالاحتلال الاستعمارى وبهرتهم حضارة الغرب فى اواخر القرن التاسع عشر بدء عصر النهضة التى تعيش الشعوب الاسلامية والعربية اليوم فى غمراتها ، فهبوا من سبات عميق ليلتحقوا بركب الحضارة المتقدم بخطى حثيثة ويواكبوه لان ركب الحضارة لا ينتظر .
واخذ المصلحون ومن روادهم فى المشرق والمغرب الاسلاميين جمال الدين الافغاني ، وتلميذه الشيخ الامام محمد عبده ، ورشيد رضا والكواكبى وابن باديس ، ينيرون للمسلمين السبيل ، وركزوا مذاهبهم الاصلاحية على تقويم الاخلاق واحياء الدين قبل كل شىء وعلى التفكير فى نظام الاسلام كله تفكيرا جديدا ، دون ان يقطع ما بينه وبين الماضى من صلة ، وتطهير العقيدة السمحة من كل زيف وباطل تسربا اليها . ووقفوا من الدين موقفا دفاعيا بدون تعمق احيانا ، وظهرت كتب تدل على ذلك كـ ) الاسلام روح المدنية لمصطفى الغلاييني و ) الاسلام فى القرن العشرين ( لعباس محمود العقاد وقد وقفوا هذا الموقف الدفاعى ردا على خصوم الاسلام من المستعمرين والمستشرقين المتطرفين وعلماء الاجتماع المغالين امثال الاب ) هنرى لامنس ( menماri Lamens واللورد كرومر Lord Croomer
و ) رينان (Renan الذين رموا الاسلام بالتحجر ، والرجعية وصد اتباعه عن التقدم . وشارك فى الردود الدفاعية عن الاسلام شعراء كثيرون من بينهم معروف الرصافى
فاستمعوا اليه يقول :
يقولون فى الاسلام ظلما بانه يصد ذويه عن طريق التقدم
فان كان ذا حقا ، فكيف تقدمت اوائله في عهدها المتقدم ؟
وان كان ذنب المسلم اليوم جهله فماذا على الاسلام من جهل مسلم ؟
هل العلم فى الاسلام الا فريضة وهل امة سادت بغير التعلم ؟
لقد ايقظ الاسلام للمجد والعلى بصائر اقوام عن المجد نوم
الى ان يقول :
الا قل لمن جاروا علينا بحكمهم رويــــدا ، فقد فارقتم كل ماثم
علونا ، وكنتم سافلين ، فلم نكن لنبدى اليـــــــكم جفوة المتهكم
ولم تترك الحسنى اوان جدالكم وتلك لعمـــــري شيمة المتحلم
فلما استدار الدهر بالامر نحوكم كشفتم لنــــا عن منظر متجهم
فلا تامنوا الايام ان صروفها كما هى اذ اودت بعاد وجرهم
وفى الهند قامت حركات اصلاحية مماثلة فكر اصحابها فى الاسباب التى جعلت من بلادهم موطن شعب مغلوب ذليل ، بينما كان بالامس القريب عزيزا منيعا .
وعلل المصلحون تقهقر المسلمين بفتور شعلة الايمان الدافعة للسعي الدائب والعمل المستمر فى قلوبهم . ونشأت حركات من الطراز السلفى المتشدد ، يشعر اصحابها بوجوب " الرجوع الى القرآن " ولكنها كانت مصحوبة بنزعة عقلية .
اما السيد احمد خان الذى ظهر فى دلهى حيث ولد سنة سبع عشرة وثمانمائة والف فانه ادرك ان مسلمى الهند في حاجة الى نبذ تقاليد الماضي الخادعة وازالة انواع التعصب المهلكة ورأى ان خلاصهم لا يتم الا اذا تفتحت عقولهم بالتعلم فركز حركته الاصلاحية على نشر العلم وتهذيب الاخلاق ونجح فى مسعاه ، فاسس الكلية الاسلامية الانجليزية الشرقية بعليكره سنة 1877 . وهذه الكلية صارت جامعة كما كان يأمل . وكذلك اسس ) ندوة العلماء فى لكنو ( وكلية لكنو ، و ) دار العلوم ( والجامعتين الاسلاميتين فى ) دكا ( و ) دلهى ( والكلية الاسلامية في ) لاهور ( وكليات ومدارس فى جهات اخرى مختلفة من بلاد الهند يومئذ اذ كان بعث دولة لباكستان سنة 1947
ولم يغب عن السيد احمد خان اهمية الاخلاق فى بناء مجتمع جديد ، فدعا الى تهذيبها ، وصقل النفوس وتنقيتها من ادران ما خالطها وادناس ما جاورها في مجلته ) تهذيب الاخلاق ( التى كانت ايضا منبرا ادبيا يلتقى فيه انصار الادب الحى .
ثم اقتفى اثره سيد امير على ، فدافع عن الاسلام وابان فى كتابه روح الاسلام ( المطبوع فى سنة 1891 ، ان الاصلاح ( Spirit of Islam لا بد ان يسبقه التعليم وتحرر العقول من جبروت القيود بشتى انواعها
ولكن الرجل الذى ادرك فى الهند تمام الادراك اهمية رسالته الاصلاحية وثقل عبئها ، واجال الفكر فى ماضى الامة الاسلامية وحاضرها ممعنا النظر فى اسباب ضعفها وكان دقيق البصر بالمعنى العميق لتاريخ الفكر والحياة في الاسلام متغلغلا في فهم حقائق جماعته ، هو الشاعر الفيلسوف والمصلح الفذ محمد اقبال الذى نحتفل اليوم بذكراه السابعة والعشرين اذ توفى بلاهور في الحادي والعشرين من افريل سنة 1938 فى الخامسة والستين
اجل لقد حاول محمد اقبال التفكير فى نظام الاسلام وروحه على اساس مذهبي فلسفي محكم في ست مقالات عن الاسلام القاها باللغة الانجليزية على طلبة جامعات مختلفة فى الهند .
ثم جمعها فى كتاب بعنوان:
او ) تجديد التفكير The Reconstruction of Religious Thoght in Islam الديني فى الاسلام ( .
اما العنصر الاساسي الذي دفع اقبالا الى تفكيره الاصلاحى واعادة بناء الفكر الديني في الاسلام ، فهو تخلف المسلمين فى السيطرة على الطبيعة والواقع بما فيه من قوي مادية واقتصادية فضلا عن تخلفهم فى القوة الروحية الدافعة فى الاسلام
والراى عنده ان هذا التخلف ناتج عن فهم خاطئ من المسلمين للاسلام بتاثير فلسفي الاراء اليونانية التى تسربت لعقولهم . فالفلسفة اليونانية مع انها وسعت آفاق النظر العقلي عند مفكرى الاسلام عشت على ابصارهم فى فهم القرآن على حد قوله وذلك ما حدا به الى اقامة التفكير الدينى على دعائم فلسفية صحيحة دون انحراف عن روح الاسلام الحى موفقا هكذا بين الايمان والعقل .
وينتقد محمد اقبال فى مقاله ) روح الثقافة الاسلامية ( تعاليم الفلسفة القديمة لتعارضها فى جوهرها مع روح القرآن
فالاسلام يؤكد روحانية النفس ، ولكنه لا يعتبر عالم المادة زائفا اذ يقرر الله انه لم يخلقه عبثا : وما خلقنا السماوات والارض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما الا بالحق ولكن اكثرهم لا يعلمون . ) سورة الدخان ( .
فمن هذه الحقيقة يتضح فى نظر اقبال ، ان الاسلام يستجيب لعالم المادة ويبين طريقة السيطرة عليه . فكان لا مناص من اخفاق المفكرين المسلمين القدامى الذين وثقوا بفلاسفة اليونان فاقبلوا على فهم القرآن فى ضوء فلسفتهم ، وقد اخفقوا وتهافتوا لان روح القرآن تجلت فيه النظرة الواقعية، قال تعالى ) وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره . إن فى ذلك لآيات لقوم يعقلون ( . على حين امتازت الفلسفة اليونانية بالتفكير النظرى المجرد واغفال الواقع . الا ترى ان سقراط - وهو ابو الفلاسفة اليونان - قصر همه على عالم الانسان وحده وكان يرى كما لاحظ اقبال بحق ، ان معرفة الانسان معرفة حقة انما تكون بالنظر في الانسان نفسه على حد قوله ) اعرف نفسك بنفسك ( لا بالتامل في عالم النبات والهوام والنجوم
وكان افلاطون وفيا لتعاليم استاذه سقراط فقدح فى الادراك الحسى اذ الحس فى رايه يفيد الظن ولا يفيد اليقين . ولقد ميز افلاطون بين عالم المعقول او المثل Monde des ldees وعالم المحسوس Monde sensible وقرر ان وقرر ان الحق والجمال والخلود والخير فى عالم المثل المعقول . اما عالم المحسوس ، فهو فى راية عالم أشباح زائف كما رمز الى ذلك فى اسطورة الكهف ) المذكورة فى الكتاب السابع من ) جمهوريته Le Mythe de la Caverne
فهذه التعاليم الفلسفية القديمة بالاضافة الى فلسفة الاشراق فى التفكير الاسلامى تلك الفلسفة المبنية على نظرية الفيض LEmanction ou la Derivation المنقولة عن الافلاطونية الجديدة Neo-platonism لقرب الى الخيال الشعرى منها الى الواقع المعقول . وما يشك فى انها وصمت الفكر الاسلامى بالجمود ، وعرقلت تقدمه وعارضت بينه وبين الشريعة وان كانت غاية ابي نصر الفارابي المعلم الثاني واستاذ الاشراقيين ، فى ادخال نظرية الفيض الافلوطينية هذه الى التفكير الاسلامي التوفيق بين الشريعة والحكمة بتفسير النبوة وخلق العالم بالاشراق وسلسلة العقول المفارقة . ومهما يكن من امر فان فلسفة الفيض بخاصة فتحت بادىء ذى بدء آفاقا جديدة للفكر الاسلامى كان من المنتظر ان تتفتح اكثر فاكثر لكن جاء ابو حامد الغزالي فتوقف سير الفلسفة وحكم على اصحابها بالتهافت ، وقضى بان العقل لا يساكن الوحى وان الفلسفة لا تساكن الدين وما رد ابن رشد عليه فى كتابه ) تهافت التهافت ( الا انتفاضة اخيرة فى تاريخ الفكر الحر فى الاسلام ، لم يكن لها اثر يذكر فى قرون الظلام فجاء اقبال ليعيد مبدأ الحركة للاسلام كما فعل ابن تيمية من قبل فى القرن السابع الهجرى وغيره كثير فى مطلع عصر النهضة وقد قرر محمد اقبال ان
الانسان فى صميم كيانه قوة مبدعة وروح متصاعدة تسمو فى سيرها قدما من حالة وجودية الى حالة اخرى ، وان العالم ليس كتلة جامدة ولا انتاجا مكتملا غير قابل للتغير والتبديل بل هو قوة تنمو وتتجدد بلا انقطاع . ولذا وجب ان تعاد للاسلام حيويته ، فجاء اقبال واطلقه من عقال كبله طيلة قرون بان اعلن فتح باب الاجتهاد الذى اعتبره اساس الحركة فى بناء الاسلام كما وضح ذلك في مقالة من كتابه ) تجديد التفكير الدينى فى الاسلام ( بعنوان ) مبدأ الحركة فى الاسلام ( ص 168-209 ( . فتصور الدين قوة حية خالقة تجارى الحياة المتغيرة في جوهرها وهذا فهم حركى خلاق من روح الاسلام الحى ولا يسع الدارس الا تبين مدى القرابة الفكرية بين اقبال و ) هنرى بركسون LEvoluon Creatrice ) صاحب كتاب ) التطور المبدع Henri Bergson فهو متشبع بفلسفته واليه يدين بحركية تفكيره
فها هو محمد اقبال يصدح فى مقاله ) مبدأ الحركة فى بناء الاسلام ( بقوله " ان شريعة الاسلام قابلة للتطور " بالاجتهاد لان القرآن يعتبر الكون متغيرا ، فلا يمكن ان يكون خصما لفكرة التطور . بيد ان هذا التطور فى رأيه - ليس تغيرا صرفا اذ ينطوى ايضا على عناصر تنزع الى المحافظة على القديم . وهنا نتبين اثر هنرى بركسون فى تفكير اقبال الفلسفى
فالراى عند الفيلسوف الفرنسى ان الترابط الزمنى متين . فحاضرنا يحمل في طياته ماضينا ويعد مستقبلنا ، وهذا ما قاله ايضا ) وليام جيمس ، ان تيار الفكر فى حركة متصلة مطردة مستمرة William James لا انقسام فيه ولا انفصام
Le Passse , selon Bergson , est requese survil ese prolone dle Present . E le present , c' est - a - dice duse fil al non coma on le definit , rbitrairece quest , c' est I' etat immedid du daveni
وعلى هذا الاساس يكون التطور والتجديد بالاعتماد على القديم لا بالتنكر له والكفر به ، عملا بمبدأ الدوام الذاتى التاريخى للانسان او ما يسمى فى المصطلح الفلسفى الفرنسى:
La Continvite de I' etre historique ) ou la conservation le depassement ou le Auheben de Hegel quil vout dire < Conservation et depussement men.
ويعارض محمد اقبال كل موقف سلبى معطل لتطور الانسان وتجدده . وعل سبيل المثال يرى هذا الفيلسوف الشاعر المتصوف المتشبع باراء جلال الدين الرومى ان نشأة التصوف الايرانى المتاثر بعوامل غير اسلامية كان من اسباب تحجر الفكر الاسلامى ، عندما سلب الامة الاسلامية الرغبة فى العمل ودعا الى حالة السكر الصوفى والاعتناء بالروح دون الجسم البغيض والمادة القذرة . فكانت دعوتهم لترك العمل خطرا عظيما فى حياة الافراد والجماعات
فى الهند لان فى العمل قوة الحياة وفى تركه استكانة وضعفا على حد قوله فى مقدمة منظومته ) اسرار خودى ( .
كما ان مذهب ) وحدة الوجود (panheisme ومعناها فناء الذات الانسانية فى الذات الكلية اى فى الله ، وفناء كل شيء في كل شيء عند غلاة الصوفية ، قد وصم الفكر الاسلامى الحر بوصمة الجمود ، لسبب بسيط هو ان قوة الحياة فى العمل . وينبغى ان يتهيأ الانسان للعمل بتربية ذاته وتقويتها والاعتماد عليها لا باضعافها وانكارها بالزهد والاستكانة . وهنا نصل إلى عنصر ) الذات ( فى فلسفة اقبال وشعره
أجل نظم محمد اقبال عدة دواوين شعرية بالفارسية والاردية من بينها بيام مشرق ( ) رسالة المشرق ( و ) اسرار خودى ( ) اسرار الذاتية و ) رموز بى خودى ( ) رموز اللاذاتية ( و ) جاويد نامه ( وغيرها ، للتبشير بدعوته الاصلاحية المتمثلة فى صقل الذات وتربيتها وتقويتها والعمل الدائب والجهد المستمر وعشق المثل الاعلى ، لان سر الربوبية فى بهاء الذات
فما هو مفهوم الذات عنده ؟
تساءل اقبال فى مقدمة منظومة ) اسرار خودى ( - بعد ان قرر حقيقة هى ) الدين بغير القوة فلسفة محضة ( عن مفهوم " الذات " اى ) الأنا ( او ما يسمى ) خودى ( بالفارسية ! اهذه الذات التى تبدو في اعمالها وتخفى حقيقتها . والتى تخلق كل المشاهدة ، هى حقيقة دائمة ام خيل خادع ؟ وما تعليل اشتغاله بالاجابة عن هذا السؤال الا تفطن منه الى ان سيرة الافراد والجماعات موقوفة على معرفة حقيقة الانا .
فالانسان يتغير من غير انقطاع ومن ثم فليس فى حياته النفسية شيء قادر ، بل الكل فى حركة دائمة ، سيل مستمر من حالات نفسية لا محل فيه للوقوف او السكون . بيد ان نقطة الشعور المنيرة توحد الحالات الوحدانية المتشعبة المختلفة وتربط الماضى بالحاضر والمستقبل
فى مقال ) الالوهية ومعنى الصلاة ( من كتابه ) تجديد التفكير الدينى فى الاسلام ( يرسل محمد اقبال انوارا على احدى خصائص " الأنا ) خودى ( وهى تفرد كل ذات وانفرادها عن الاخرى ، فيقول : ) فمسراتى وآلامي ورغباتى هى كلها ملكى وحدى وتكون جزءا لا يتجزأ من نفسي دون سواها ( ) ص 114-115 ( ويذكرنا قوله هذا برهان ابي على بن سينا المتوفى فى سنة 428 هـ ، ذلك البرهان المعتمد على فكرة " الأنا " ووحدة الظواهر النفسية الذى استخدمه لاثبات وجود النفس والشخصية . فاسمعوا اليه يوضح فكرته فى ) الشفاء ( وكذلك فى ) الاشارات
والتنبيهات ( : ) تتنوع الاحوال النفسية وتختلف ، فمثلا نسر ونحزن ونحب ونكره ، وننفى ونثبت ، ونحلل ونركب ، ونحن فى كل هذا صادرون عن شخصية واحدة وقوة عظيمة توفق بين المختلف وتوحد المؤتلف . لو لم تكن هذه القوة لتضاربت الاحوال النفسية واختل نظامها وطغى بعضها على بعض ( ) البير نادر " ابن سينا والنفس البشرية " ص 17 ( .
لكن المعضلة رغم هذا التوضيح لم تحل بعد مما حدا باقبال الى استقصاء البحث عن طبيعة " الأنا " مستعرضا نظريات علماء الدين المسلمين وبعض دارسي الفلسفة الحديثة فى طبيعة النفس . ووصل الى نتيجة ان " الذات " ) ليست شيئا وانما هي فعل وان تجربة الانسان ليست الا سلسلة من الافعال يتعلق كل منها بالآخر ، وتمسكها معا وحدة هدف مدبر ) تجديد التفكير الديني ( ) ص 117 (
وفي منظومة ) اسرار خودى ( ساق اقبال نفس النظرية التى ذكرها فى كتابه ) تجديد التفكير الديني في الاسلام ( فبعد ان اثبت ان حياة " الأنا " منشؤها العمل والفعل وان الجسم كذلك نظام من حوادث وافعال ، وازن بين عقليتي امم الشرق والغرب فى موضوع الذات فقال ان امم الشرق اميل الى اعتبار " الأنا " فى الانسان من خداع الخيال ، والخلاص من غله نجاة .
ولئن اعتبر رأى حكماء الهنادك غير المسلمين جديرا بالتقدير من جهة الفلسفة نظرا لاعتبارهم ان حياة " الأنا " منشؤها العمل ، فانه هاجمهم لانهم عوض ان يعملوا على تقوية الذات قاموا بدعوة للتخلى بالسكر الصوفى عن الفعل وقالوا لا سبيل الى الخلاص من شرك " الأنا " الا بترك العمل وفي " ترك العمل " خطر عظيم فى حياة الافراد والجماعات اذ فى العمل قوة الحياة على حد قوله ، وتمسك بروح الاسلام الحق
ذلك ان رسالة الاسلام دعوة الى العمل بليغة . فالأنا فى مذهب الاسلام مخلوق ينال الخلود بالعمل . وهذه الفكرة عزيزة عليه نجدها فى منظومتى ) اسرار خودى ( ) اسرار الذات ( و ) رموز بى خودى ( ) رموز اللاذاتية ( ونجدها في دواوينه الشعرية الاخرى كـ ) جاويد نامه ( الذي اهداه الى ابنه جاويد بمعنى خالد ، و ) بيام مشرق ( ) رسالة المشرق ( كما نجدها في كتابه ) تجديد التفكير الدينى فى الاسلام ( وغيره
فاسمعوا لمزيد تيقن من ذلك - قوله فى مقاله ) الألوهية ومعنى الصلاة ( من كتابه المذكور :
) وكيف تكون تزكية النفس وتخليصها من الفساد ؟ انما يكون ذلك بالعمل ) قال تعالى فى سورة الملك ( : تبرك الذي بيده الملك وهو على كل شيء
قدير . الذى خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور ( فالحياة تهىء مجالا لعمل النفس ، والموت هو اول ابتلاء لنشاطها المركب وليست هناك اعمال تورث اللذة واعمال تورث الالم ، بل هناك اعمال تكتب للنفس البقاء او تكتب لها الفناء . . ومبدأ العمل الذى يكتب للنفس البقاء هو احترامي للنفس فى وفى غيرى من الناس . وعلى هذا فالخلود لا نناله بصفته حقا لنا وانما نبلغه بما نبذل من جهد شخصى ، والانسان مرشح له دون سواه ) ص 137 ( .
تجلت لكم - فتح الله بصائركم - ان فلسفة محمد اقبل حركية قائمة على مبدأ العمل الدائب والجهد المستمر . وذلك Dynmque ما اهتدى اليه باحثون افذاذ درسوا فلسفته وشعره كالدكتور عبد الوهاب عزام فى دراسته ) محمد اقبال - سيرته وفلسفته وشعره ( والاستاذ بيار مايل Pierre Meile فى محاضرته عن الشاعر الفيلسووف فى مقال نشر بمحلة Luce Claude-Maltre أOrient لسنة 1960 بعنوان اOn grand Humoniste Orient اى ما ترجمته ) انساني شرقى عظيم و Andre Guimbreliere في مقاله ) حركية الماء والنار والمستشوق ne Dymique de I' Eu et du feu ouis Moson فى مقدمة كتاب اقبال ) تجديد التفكير الدينى فى الاسلام ( بترجمة التى اكتشفت هى الاخرى حركية فلسفة اقبال EV Meyerovich وانسانيتها فى ما كتبته من دراسات ومقالات عن شاعر الباكستان الوطني كمقدمتها لترجمة ) بيام مشرق ( ) رسالة المشرق ( ) ط باريس 1956
شغل موضوع الذات اذن فكر اقبال فى فلسفته وشعره وبخاصة في منظومتيه ) اسرار الذات ( و ) رموز اللاذاتية ( . ففيهما فلسفة تساوقها موسيقى عذبة ويلطف من جفاف منطقها خيال شعرى مجنح . فالذات في جوهرها كما رأينا - عمل دائب وخلق مستمر . ويحذرنا الشاعر فى مقدمة مثنوى ) اسرار خودى ( من مغبة فهم الذات فهما خاطئا . فهو فى هذه المنظومة لا يستعمل لفظ ) خودى ( بمعنى الاثرة والانانية البغيضة كما فى اللغة الاردية غالبا . وانما بمفهوم الاحساس بالنفس او تعيين الذات وكذلك معناها فى كلمة ) بيخودى ( اللاذات Non-Moi ou lautre اى المجتمع كما فى مثنويه ) رموز بيخودى (
فعلى الانسان ان يسعى لتكميل انسانيته بتربية ذاته وصقل شخصيته قال جبل " هماليا " Hiamlaya لنهر " جنجا " le Gange فى حوار بينهما : انما العيش نمو فى المكان وبروض " الذات " قطف الاقحوان
وهكذا خالف اقبال الصوفية فى " انكارهم الذات " كما خالفهم فى قولهم
بالجذب ووحدة الوجود . وسمى التصوف المتضمن هاتين العقيدتين تصوفا غير اسلامى
انه يعتبر نفى الذات وانكارها من اختراع الامم المغلوبة ويضرب مثلا قطيعا من الغنم تسلط عليه الاسود ، ففكر كبش ذكى فى حيلة لانقاذ جماعته المغلوبة من انياب الضوارى الغالبة واضعاف صولتها . فادعى انه نبىء مرسل الى الاسود وزين لها ) نفى الذات ( ودعاها الى الاستكانة وزهدها فى الدنيا ، وعلمها ان القوة خسران مبين
فاسمعوا اليه يصور اثر هذه الدعوة فى الاسود بهذه الترجمة الشعرية لمثنويه الفارسي
كانت الاسد جهادا ملت وتمنت منه عيش الدعة
عن هوئ اصغت الى النصح المنيم ودعاها الكبش بالسحر العظيم
جوهر الآساد اضحي خزفا حين أضحى قوتهن العلفا
ذهب العشب بناب عسر اطفا الاعين ذات الشرر
هجر الصدر فؤاد مقدم فاذا المرآة فيه تظلم
وذوى في القلب شوق العمل وجنون السعى ملء الامل
ذهب الاقدام والعزم الامر والسنا والعز والمجد الاغر
برثن الفولاذ فيها قد وهن واستكان القلب فى قبر البدن
ونما الخوف ينقص المنة قطع الخوف جذور النخوة
كل داء في سقوط الهمة انه العجز وضعف الفطرة
نامت الاسد بسحر الغنم سمت العجز ارتقاء الفهم
الا تري ان اقبالا يعلل فى هذه الابيات الرمزية سقوط همة قومه الاسد الذين كانوا اصحاب غلبة وسطوة كما انه يعلل استكانتهم الى الاستعمار البريطاني بانكارهم الذات وباصغائهم لخداع الانجليز الذين زينوا لهم نفى الشخصية محاولين بذلك مسخهم
ان في تربية الذات وتطوير الشخصية وصقلها ضمان الحياة الفاضلة . وفر رأى اقبال ان لكل كائن من نبات وحيوان وانسان ذاتا تحتل مكانة فى الكون بحسب درجة ارتقائها وان تطورها يكون من الادنى الى الارقى . فها هو بين فى مقاله ) روح الثقافة الاسلامية من كتابه - تجديد التفكير الدينى فى الاسلام ) بالاستناد الى قول ابن مسكويه الفيلسوف الاخلاقى المتوفى سنة421 ) هـ ( ان نظرية التطور من اصول التفكير الاسلامى وان الكائن الحى ينمو متجاوزا افقه الى افاق اسمى . يقول ابن مسكوية : ) ان النبات فى اول مراتب تدرجه بنبت من غير زرع ولا بذر ، ولا يحفظ نوعه بالثمر والبذر . ويكفيه
فى حدوثه امتزاج العناصر وهبوب الرياح وطلوع الشمس . ولذلك هو فى افق الجمادات وقريب الحال منها . ويفارق النبات بحالته هذه الجماد بشيء يسير من فضيلة النمو والحركة تزداد وتظهر فى صور متفاضلة الى ان تتجلى فى امتداد الفروع وحفظ النوع بالبذر . ثم تقوى هذه الفضيلة فيه الى ان تصل الى شجر له سييقان واوراق وثمار . وفى مرتبة اعلى من مراتب التدرج يحتاج النبات فى نموه الى تربة خصبة ومناخ جيد ، ولا يزال النبات يشرف ويفضل بعضه على بعض حتى يبلغ افقه فى شجر الكرم والنخيل التى تكاد تطالع افق الحيوان . ويظهر فى شجر النخيل تميز واضح بين الذكور والاناث ثم الى جانب ما له من جذور والياف يحصل له فى اعلى مراتبه امور تشبه مخ الحيوان يتوقف على سلامتها حياة النخيل ، وهذه افضل مراتب النبات ، وتتصل بافق الحيوان . ولم يبق بينه وبين الحيوان الا مرتبة واحدة وهى الانقلاع من الارض ) والسعى الى الغذاء ( . وهذه جرثومة الحركة الشعورية وهى أول مرتبة الحيوان . فيحصل له اولا حس اللمس ، وآخر ما يحصل له حس البصر . وتتدرج حواس الحيوان فتعطيه القدرة على الحركة كالديدان والزواحف والنمل والنحل . ويبلغ الحيوان من ذوات الاربع كماله في الفرس والباز . ولا يزال يشرف ويتفاضل الى ان يبلغ اول مراتب الافق الانسانى فى القرد . ) وهذه غاية افق الحيوان التى ان تجاوزها وقبل زيادة يسيرة خرج بها عن افقه وصار فى افق الانسان ( فهو فى مرتبة ادنى من مرتبة الانسان فى سلم التدرج . وما يحدث بعد ذلك من تدرج تحصل به التغيرات الجسمية ، وتتدرج قوة التمييز والعقل والقوى الروحانية ، الى ان تنتقل الانسانية من الهمجية الى الحضارة والمدنية ) ص 154-155 (
واذا كان التدرج الحياتى الذاتى مطردا على ما ذكر ابن مسكويه وايده فى ذلك محمد اقبال ، فالانسان من الجانبين الجسمانى والروحى ، مركز الحياة قائم بذاته . ولكنه لم يبلغ بعد مرتبة الفرد الكامل ، وهو الاقرب الى الله . ويحذرنا اقبال من سوء فهم هذا القرب . فليس القصد منه ان يفنى الانسان الكامل وجوده فى وجود الله كما فى مذهب غلاة الصوفية ذلك ما اثبته محمد اقبال فى مقال آخر كتبه الى استاذه ) نيكلسن ( مترجم ) اسرار خودى ( الى الانكليزية ، موضحا فيه فلسفته
ولكى يبلغ الانسان الكمال والحرية ، ينبغى ان يسيطر على المادة اى الطبيعة . فها هو شاعرنا الفيلسوف يقول فى المقدمة المنثورة التى اثبتها فى الطبعة الاولى لاسرار خودى :
" الحياة رقى مستمر . . واشد العقبات فى سبيل الحياة المادة او الطبيعة ولكن المادة ليست شرا ، كما يقول عنها حكماء الاشراق ) يعنى الاشراقيين امثال الفارابي وابن سينا وابن طفيل الذين احتقروا المادة واعتبروها عرضا
قابلا للكون والفساد بينما نظروا بعين التقديس الى الجواهر والروح ( بل المادة تعين الذات على الرقى . فان قوى الذات الخفية تتجلى فى مصادمة هذه العقبات واذا قهرت الذات كل الصعاب التى فى طريقها بلغت منزلة الاختيار
وفي الذات اختيار وجبر . ولكنها اذا قاربت الذات المطلقة نالت الحرية الكاملة والحياة جهاد لتحصيل الاختيار ومقصد الذات ان تبلغ الاختيار بجهادها " .
واسمع الى اقبال يتغنى بالامل الدائم والجد الدائب والسير المستمر فى قصيدة ) الحور والشاعر ( التى يعارض بها الشاعر الالمانى ) جيتا ( Goethe ؛
ماذا اقول وفطرتى لا ترتضي دعة المنازل
قلبي على قلق كما تهفو الصبا حول الخمائل
فاذا نظرت الى جميل فاتن حلو الشمائل
خفق الفؤاد الى الذي يعلوه حسنا فى المحافل
فمن الشرار الى النجوم الى الشموس رقى آمل
اني ليهلكنى القرار فما اعوج على المراحل
واذا شربت من الربيع الكاس تسرى فى المفاصل
اشدو تشعر محدث وربيعي الآتي اغازل
طلب النهاية فى مدى لا ينتهى فيه المسائل
لا صابر نظرى ولا قلبي عن الآمال غافل
هذه المعاني صورها الشاعر مئات الصور فى غير ما موضع من قصائده فخبرني هل تعرف شاعرا تغنى بحياة الجهاد والدأب والكدح وفيلسوفا حللها ودافع عنها بمثل هذه القوة وهذا التعبير الساحر
ان الذات او الشخصية محور فلسفة اقبال الحركية . ويكفى - لتتبين اهميتها في هيكله الفلسفى انه يعتبرها معيار الخير والشر يقول فى مقدمة ) اسرار خودى ( ) فما يقوى الذات خير وما يضعفها شر . ويجب ان يقوم الدين والاخلاق والفنون بهذا المعيار . (
اما سلاح جهاد الذات ، فهو العشق . والعشق فى فلسفة اقبال مفهومه واسع جدا ، فهو الحياة ونارها ، والقوة الدافعة لخلق المقاصد ونيلها وبالعشق . عشق الامل وعشق المثل الاعلى وهو الرسول صلوات الله عليه ، يظهر ما في الذات من قوى . واذا استحكم الانسان العشق هانت عليه المشاق وذلل الصعاب وسخر قوى العالم وادرك كنه الوجود . فاسمع الى اقبال شاعر العشق الصوفى يغنى:
رائد بالحب في الذات رواء وحياة واشتعال وبقاء
مشعل بالحب منها الجوهر يتجلي من قواها المضمر
لا يهاب العشق فى السيف المضاء ليس من ماء وترب وهواء
هو فى العالم حرب وسلام وهو ماء حياة وحسام
فهذا الشاعر النارى ارتفع بالعشق الى اعلى الدرجات وكشفت له اسرار الوجود فوعاها واكثر فى شعره من القول بانه عالم بالسر ، قد طلع على العالم شمسا جديدة لينير الظلمات . فانتش معى لحظة بساحر لحنه من مقدمة ) اسرار خودى ( :
اننى شمس قريب المولد حبكا في فلك لم اعهد
مزق الظلمة فجرى فظهر فبدا طل جديد في الزهر
انا لحن دون ضرب صعدا انا صوت شاعرى ياتى غدا
من وجود غير هذا لى غناء ولركب غير هذا لى حداء
كم تجلى شاعر بعد الحمام يوقظ الاعين حينا وينام
انا لحن كل عنه الوتر لا ابالي ان عودى يكسر
لا تعى لجى هذى الانهر لا تعــــــــــي موجى الا ابحر
كم بروق نائمات فى الجنان ضــاقت البيــــد لديها والقنان
ان تكن صحراء فاطلب لجتي او تكـــن سيناء فاقبس شعلتي
قد وهبت الورد من عين الحياة وحبيــت السر في عين الحياة
اشعل الذرات من لحنى التهاب فهى نور طائر يدعى الحباب
ان شعر اقبال بحق نارى متاجج يبعث فى الامم المجاهدة النور والنار وكذلك فلسفته الحركية ، فانها تعيد الشعوب المغلوبة على امرها الامل وتحثها على العمل والجهاد . وقد نزع محمد اقبال فى فلسفته وشعره نزعة انسانية رحبة الافق . بيد انه خص مسلمى الهند باوفر قسط من دعوته الاصلاحية وما من شك فى ان شعره اشعل فى نفوسهم الثورة على سلطان الانكليز وامد المجاهدين بالرجاء والعزم والصبر الطويل
افلا يكفيه فخرا ان يقول فيه القائد العظيم محمد على جناح رائد الباكستان كان لى صديقا واماما وفيلسوفا ( .
ايقنتم - حفظكم الله - ان فلسفة اقبال برمتها سعى مستمر لتطوير الانسان حتى يبلغ درجة الكمال الانسانى . فهو يتبين فى تربية الذات مراحل ثلاثا : هى الطاعة وضبط النفس والنيابة الالهية
اما الطاعة فهى التقيد بالشريعة اختيارا لا جبرا ، ليمكن تسخير العالم ، كما فى قوله :
بامتثال الامر يعلو من سفل وهوى الطاغى وان كان الجبل
سخر الافلاك في همته وثوى فى القيد من شرعته
اما ضبط النفس ، فلا يكون فى رايه الا بنفى الخوف والاستكانة ونفى الشهوات والمطامع . ومن لم يحكم فى نفسه حرى ان يحكم عليه غيره .
اما النيابة الالهية فهي اعلى درجات الرقى الانسانى . ونائب الحق هو خليفة الله في الارض . وفي هذه المرحلة يكون الانسان مسيطرا على المادة وقوى العالم مصلحا ومعمرا . ويصف اقبال النائب فى مقدمه ) اسرار خودى ( بقوله :
" هو اكمل ذات تطمح اليها الانسانية ، وهو معراج الحياة الروحى . تلتئم في حياة نائب الحق عناصر النفس المتضادة توحدها اعلى القوى واعلى الاعمال . فيتوحد فيها الذكر والفكر والخيال والعمل ، والعقل والخصائص الجبلية فهو آخر ثمر في شجر الانسانية تحبب اليه الصعاب والشدائد فى سبيل رقم الحياة . " وهو الحاكم الحق لبنى الانسان لان حكومته هى فى الحقيقة حكومة الله . . ونحن نقترب منه على قدر ارتقائنا وبهدا القرب تعلو قيمتنا فى الحياة
واول شرط لظهور نائب الحق ان ترقى الانسانية فى جانبيها الروحى والجسمي . فان ارتقاء الانسانية يقضى ظهور امة مثالية يتجلى فى افرادها في الجملة هذا التوحد الذاتى ، وتصلح لان يظهر فيها نائب الحق
فمعنى سلطان الله فى الارض ان تقوم فيها جماعة شورية يتوحد افرادها ويقوم على هذه الجماعة واحد يمكن ان يسمى نائب الحق او الانسان الكامل وهذا الانسان الكامل يبلغ ذروة الكمال التى لا تتصور فوقها ذروة . ) عبد الوهاب عزام " محمد اقبال " ص 60 (
وحدير بالملاحظة ان النائب عند اقبال ليس ما يدعوه محيى الدين بن عربي وغلاة الصوفية " انسانا كاملا " فهؤلاء فى نظر اقبال الصوفى ايضا دعاة السكون والسكر ونكران الذات ، والانسان الكامل عندهم من افنى ذاته في ذات الله وبلغ درجة الحلول التى ذكرها الحلاج قتيل الصوفية فى قوله:
انا من اهوى ومن اهوى انا نحن روحان حللنا بدنا
وفى صيحته المشهورة " انا الحق " وفى قوله ) ليس فى الثوب الا الله . وقال ابو زيد البسطامى فى حالة الجذب والاتصال " سبحانى ما اعظم شاني
وانكر اقبال دعوة افناء الذات فى ذات الله اى عقيدة " وحدة الوجود . ودعا الى احكام الشخصية Pantheisme
ولم يرد بالذاتية الاثرة والعجب اذ ان الذات كما بين لا تربى ولا تتفتح ولا تكمل الا فى الجماعة . واذا كان الامر كذلك فالترابط وثيق بين الفرد ومجتمعة الذى يعيش فيه . فها هو يقول فى منظومته " رموز بيخودى " :
فاذا الواحد فى الجمع انتمى فهو كالقطرة صارت خضرما
جمع الماضى له فى حسبه والتقى الغابر والاتي به
وصلة الغابر والمستقبل وقته من ابد او ازل
هو بالامة قلب طامح وهو بالامة سعى رابح
روحه من قومه والبدن سره من قومه والعلن
وتسير الجماعة غافلة لا تشحذ عزيمتها حتى يبعث الله فيها هاديا هو كما وصفه فى الابيات التالية:
عازف لحن حياة ينفث فاذا الطين حياة تبعث
ينشر الانفس منه نفس وبكاس منه يزهو مجلس
شفة تحيي وعين تجذب وحد الاثنين هذا الطلب
فترى الامة منه سائره فى لهيب منه حرى ثائرة
شرر في قلبها يشتعل فاذا الطينة منها شعل
ويرحب اقبال بمجيء هذا الانسان الكامل بقوله :
قم فسكن من ضجيج الامم واملأ الآذان حلو النغم
جددن في الناس قانون الاخاء وأدرها كاس حب وصفاء
أرجعن في الارض ايام الوئام ابلغ الناس رسالات السلام
لبني الانسان انت الامل انت من ركب الحياة المنزل
اذبلت كف الخريف الشجر فاغد في الروض ربيعا نضرا
اليس الانسان الكامل هو محمد اقبال نفسه ، اجل ياتى الانسان الكامل الهادى ، فيحرر قلوب جماعته من الاوهام وينفخ فيهم نار العزيمة ، ويفك اغلالهم ويحرر نفوسهم لله . ويذكرنا النائب عند اقبال ما يسميه " نيتشة "
فقد ذكره وامته الكاملة . Surhomme الانسان الكامل Nietzsche فى كتابه " هكذا تحدث زراتوسترا Ainsi Parlait Zadhousir ولا يخفى اقبال تأثره بالفيلسوف الالمانى . ولكنه ينتقد دهريته فى مقدمة منظومة " اسرار خودى " بقوله : لقد راى نيتشة ضرورة ظهور هذه الامة المثالية ولكن دهريته واعجابه بالسلطان مسخا فلسفته كلها " .
واذا اراد الانسان ان يؤثر فى الحياة تأثيرا حسنا وان يسيطر على الطبيعة سيطرة كاملة ، ويكون خلاقا فما عليه . فى نظر اقبال . الا ان يغير ما بنفسه قبل كل شيء وان ينمى ذاته . وعلى هذا الاساس فالفنان الحق من اجتنب التقليد وتخلق باخلاق الله . فها هو اقبال رمز كل انسان كامل وفنان خلاق يقف في " بيام مشرق " ) رسالة المشرق ( امام الله ويخاطبه معددا ما فعل في الارض التى استخلفه فيها :
خلقت الظلام فصغت السراج وطينا خلقت فصغت الكؤوسا
خلقت جبالا وبيدا وروضا خلقت حدائقها والغروسا
انا من حجار صنعت مرايا
انا من سموم صنعت دوايا
ويفضل فلسفته الحركية البناءة وروحه الصوفية الطلعة وارادته الحياة ، استطاع محمد اقبال ان يؤلف انسجاما رائعا بين القيم الشرقية والغربية فقد غرف من معين الثقافة الغربية حتى ارتوى ، فهضم فلسفة " برجسون : الحركية . وتاثر نيتشة و " جيته " Goethe وبغيرهم كثير . ثم فهم حق الفهم تاريخ الفكر والحياة فى الاسلام . ومن هذا الخضم الزاخر شيد هيكلا فلسفيا متينا هو هيكله الخاص ومذهبه الطريف.
وكان محمد اقبال - رحمه الله - شاعرا كشافا تنبأ لمسلمى الهند بغد مشرق وبشرهم بصباح جديد . فصدح - تغمده الله برحمته - برسالته الاصلاحية معلنا فى غير ما موضع من اشعاره انه طلع على الكون شمسا جديدة تنشر النور والهدى فترنم معى لحظة بقوله :
اننى شمس قريب المولد حبكا فى فلك لم اعهد
لم يرع ضوئى سرب الزهر لم يرجرج زئبقى فى البصر
مزق الظلمة فجرى فظهر فبدا طل الجديد فى الزهر
اننى ارقب صبحا معلما حبذا من حول نارى زمزما
انه بحق فجر انار فجاة فى دياجير ليل مسلمى الهند ، فقطع سفره
الطويل ، واشعل فى نفوسهم ثورة على سلطان الانكليز وثبت فى قلوبهم فكرة وجوب قيام دولة اسلامية مستقلة بالهند . الم يكتب الى محمد على جناح رئيس الرابطة الاسلامية سنة 1937 يقول : ) ان خير وسيلة الى السلام فى الهند فى هذه الاحوال ان تقسم البلاد على قواعد جنسية ودينية ولغوية " ولكن الشاعر المتنبئ مات قبل تسعة اعوام من بعث دولة الباكستان سنة 1947 ، ولم يذق فرحة تحقق ما بشر به .
بيد انى ذكرت من قبل انه شاعر كشاف . ومعنى ذلك انه رأى بعين قلبه الذى يحوى الزمان ما لم تره عينه الجارحة . نعم رأى امة باكستانية مسلمة حرة ، قبل بعثها بسنين ، فانتشى وغنى:
انا من في ظلمة الليل انار فى طريق الملة البيضاء غبار
امة دوت بآفاق الوري لحنها فى القلب نارا قد سرى
ذرة القت وشمسا حصدت الف رومى وعطار جنت
اشارة الى جلال الدين الرومى وفريد الدين العطار
تلك هى بعض الخطوط العامة من فلسفة محمد اقبال الحركية وشعره . وما قصدت فى هذا المقام الاحاطة بكامل مذهبه ولا ادعي ذلك . وعلى كل فمن تلك الخطوط العامة تبرز طرافة شاعر الباكستان وفيلسوفها الوطني الذى آمن بتطور الانسان والحياة ، ورفض الفكرة السائدة عند بعض المفكرين المسلمين فى قرون الركود ، فكرة ان الاسلام اتى غريبا وسيعود غريبا . فانكروا بذلك تدرج الانسان من حسن الى احسن ووصموا الفكر بالجمود والعقيدة بالتحجر . اضف الى ذلك ان اقبالا امتاز ، من بين المصلحين فى عصر النهضة ببناء دعوته الاصلاحية فى اطار هيكل فلسفى تفهم سر طرافته وهذا ما لا نجده عند غيره . وقد وقف محمد اقبال مثل بقية المصلحين موقفا دفاعيا عن الاسلام . الا ان هذا الدفاع صدر من رجل ذكى فهم روح الاسلام وعاش تجربة دينية صوفية معتدلة . وفضلا عن كونه فيلسوفا استطاع ان يؤلف من شتات النظريات مذهبا منسقا يبقى محمد اقبال شاعرا مجنح الخيال ساحر البيان قبل كل شيء . ) * (
1 ( محمد اقبال " تجديد التفكير الدينى فى الاسلام " ترجمة عباس محمود العقاد ط . القاهرة 1955
2 ) Mohamed Igbal < Reconstruire la Pensee Religieuse de I' Islam " Traduيلet Notes de Eva Meyerovitch . Preface de Louis Massignon . Ed . Librairie d' Amerique et d' Orient . Adrien - Maisonneuive , Paris 1955
3 ( محمد اقبال " بيام مشرق " رسالة المشرق - ديوان شعر - ترجمة الدكتور عبد الوهاب عزام . مجلس اقبال - كراشى - باكستان
( Mohamed Igbal < Message de ' Orient < Traduction de Eva Meyerovitch et Mohamed Achena . Introduction d' Eva Meyro tch .
5 ( الدكتور عبد الوهاب عزام " محمد اقبال - سيرته وفلسفته وشعره . مطبوعات باكستان .
6 ( HA . R . GIB< Les Tendances Modernes de TIslam o traduction . par Bernard Vernier , Paris 1949 .
7 ( Henri Laoust < Le Reformisme Orthodoxe de la Selefia > in Re ue des Etudes Islamiques , Paris 1932 .
8 ) Henri Lammens < La Crise interrieure de Islam > in Etude , p 129-146 ; Paris 19
9 ) Roger Le Tourneau < L' Islam Contemporain " , Paris 1956 .
10 ) Henri Bergson < LLEvolution Creatrice " U
11 ) Henri Bergson < La Pentle mouvant " P . U .
18 ) Luce - Clude Maitre < On grand humaniste Oriental < in Revue < Orient < ' 18 , lee trim . 1960
) Pierre Meile < Causerie sur Igbal < extrait
14 ) Nietzsche < Ainsi Parlait Zarathoustra < Trad . Maurice Betz , Ed Gallliard , Paris 1947
15 ) Andrre Guimbretie < One dynaique de Eau et du Feuo extrait
16 ( Eva Meyerovitch < I e Poele Philoshe b extrait - Public du Service de Presse Ambasssadu Pakistan a Paris .
17 ( احمد امين " زعماء الاصلاح " ط . القاهرة 1948
18 ( عباس محمود العقاد " الاسلام فى القرن العشرين - حاضره ومستقبله " .
19 ( الشيخ مصطفى الغلايينى " الاسلام روح المدنية " ط . بيروت 1348 هـ / 1930 م .
20 ( معروف الرصافي - سلسلة شعراؤنا . دار صادر بيروت 1960
21 ( البير نادر " ابن سينا والنفس البشرية " ط . بيروت 1960

